اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
نشأ ابن تيمية حنبلي المذهب، واستقى عن أبيه وجده الفقه وأصوله، واستفاد كثيراً من أصول أحمد بن حنبل وفقهه، ولكنه لم يلتزم في آرائه وفتاويه بما جاء عند أحمد إلا عن اقتناع وموافقة الدليل، فيعتبره البعض مجتهداً، ويعتبره آخرون أنه مجتهد منتسب إلى مذهب الحنابلة، لا يفتي إلا بما قام عليه الدليل، وإن خالف مذهب الحنابلة أو بقية فقهاء المذاهب الأخرى. ويذكر ابن رجب الحنبلي أنه تتبع فتاوى الصحابة والتابعين فصار عليماً بها، وعُني بدراسة فقه المذاهب الأخرى ووقف على آراء فقهائها واختلافهم. ومن أجل هذا كان يذهب في أحكامه إلى ما يقوم به الدليل دون الالتفات إلى أي مذهب، ويقول الذهبي في ذلك: «وفاق الناس في معرفة الفقه، واختلاف المذاهب، وفتاوى الصحابة والتابعين، بحيث إذا أفتى لم يلتزم بمذهب، بل بما يقول دليله عنده.» وكان يعتبر أن مذهب أحمد بن حنبل أمثل المذاهب الإسلامية وأقربها إلى السنة فيقول: «أحمد كان أعلم من غيره بالكتاب والسنة، وأقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولهذا لا يكاد يوجد له قول يخالف نصاً كما يوجد لغيره، ولا يوجد في مذهبه قول ضعيف إلا وفي مذهبه قول يوافق القول الأقوى، وأكثر مفاريده التي لم يختلف فيها يكون قوله فيها راجحاً.»
كان لابن تيمية آراء خالف فيها كل المذاهب الفقهية، أو المشهور من أقوال فقهائها، فقد كان يوافق بعض أئمة المذاهب الأربعة في بعض الأحيان، وأحياناً يخالف المعروف من آرائهم ومذاهبهم، ويسمي كثير من مؤرخيه هذا بمفرداته وغرائبه في الفقه. ولقد لقي ابن تيمية كثيراً من المتاعب بسبب آرائه الفقهية التي انفرد بها، لأنها كانت غير مألوفة في عصره من الفقهاء وأئمة الحديث الذين أبوا عليه أن يتوغل في مسائل لم ترد في أقوال كبار الفقهاء، أو لم يجمع عليها الصحابة والتابعون حسب ظنهم. ولقد لقي بسب أحد فتاويه "المسألة الحموية" كثيراً من السخط عليه، وجادل وناظر وسجن ومُنع من الإفتاء. ويذكر ابن رجب الحنبلي أن العلماء في عصره كرهوا له التفرد ببعض المسائل، فيقول: «فكثير من العلماء، من الفقهاء والمحدثين والصالحين، كرهوا له التفرد ببعض شذوذ المسائل التي أنكرها السلف على من شذ بها، حتى أن بعض القضاة من أصحابنا -الحنابلة- منعه من الإفتاء ببعض ذلك.» ويذكر ابن قيم الجوزية أن ابن تيمية لم ينفرد عن غيره بمسائله ولم يخالف الإجماع، فهو يقول أنه لا يعرف مسألة خرق ابن تيمية فيها الإجماع، ويقول أن ما نسب إلى ابن تيمية أنه خالف فيه الإجماع ينقسم إلى أربعة أقسام، فيقول:
وكان ابن تيمية لا يرى أن الحق في مذهب معين ولا يخرج عنه، ويعتقد أن كل الأئمة بحثوا عن الحق وكل منهم اجتهد في طلبه، ويذكر محمد أبو زهرة في ذلك أن ابن تيمية قرر ثلاثة أمور في هذا الموضوع:
لم يكن ابن تيمية صاحب مذهب فقهي معروف باسمه، وإنما كان يرجع في أصوله إلى مذهب أحمد بن حنبل ليستنبط منه أحكامه، لذلك كانت أصوله في مجملها هي أصول أحمد بن حنبل. وأصول أحمد هي: الكتاب والسنة النبوية والإجماع والقياس والاستصحاب والمصالح المرسلة. وعند عدم الوقوع على النص كان يلجأ إلى فتوى الصحابة، وإذا تعددت آراء الصحابة في المسألة الواحدة كان يلجأ إلى اختيار أقربها إلى الكتاب والسنة.