اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
أرسل الأب ابنهُ "الديب" إلى معهد الإسكندرية الديني في عام 1914م، ليواصل تعليمه الأزهري، فانفتحت بذلك أمامهُ آفاق ٌجديدة من الإدراك والوعي بالجمال والمباني والناس والثقافات المختلفة، ولا عجب فالإسكندريةُ في مطلع القرن العشرين هي الميناء الشمالي المفتوح لمصر.
لم تكن هذه المشاهد إلا فتقًـا آخر في جرح الفقر والشعور بالحرمان لديه، فبينما تداعبُه هذه المشاهدُ سحابة يومه، يرجعُ آخر الليل إلى غرفته شبه العارية من الأثاث، فيستيقظ بداخله مارد الحسرة، ليأخذ في رثاء نفسه:
ضاقت بهِ الدنيا فكُــن رحْـبًا بــهِ
قد ذلّ مِـن غدر الزمانِ ورَيـْـبــِهِ
لا تنكروا الشكــوى على مُتبرّمٍ
قـلـِـق الحـياةِ كمَـن يُشـاكُ بثوبهِ
أنا لا أرى فـي شـبــابيَ لذة
لهــفـي على مرحِ الشبابِ وعُجبـهِ
مـن كـان توأمَـهُ الشقـاءُ وصنـْوَهُ
فشـبـابُهُ حـربٌ عليهِ كـشَـيْـبـِهِ!
ولا عجب أن يسيطر هذا الإحساسُ على الديب، ويتمكن من نفسه فيصبح شغله الشاغل هو البكاء على حاله وحرمانه، فلم يكن الديب قد انخرط في عمل بجانب دراسته يقيم به أود نفسه، وإنما كان ينتظر القروش القليلة والزاد القروي الذيْن كان والدهُ يرسلهما إليه شهريا، ويقضي حياته متسكعًا يهيم على غير هدًى، يتحايل على وجبة أو شراب.
إلا أنه لم يكن يبتغي بهذا سوى إمتاع نفسه فقط بما لم يُقدَر لهُ في قسمته، ولم يكن يتصعلك لأجل الدفاع عن حقوق أمثاله من الفقراء، أو لتوزيع ما يغنمهُ من صولاته على المعوزين مثلا كما كان "عروة بن الورد" يفعل قديمًا.