English  

كتب his first sultanate

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

سلطنته الأولى (معلومة)


جُلُوس مُراد الثاني على العرش

تُوفي السُلطان مُحمَّد الأوَّل في أدرنة يوم الأحد 1 جُمادى الأولى 824هـ المُوافق فيه 4 أيَّار (مايو) 1421م، عن عُمرٍ ناهز 43 سنة. وتُشير رواية أُخرى أنَّهُ مات في يوم الإثنين 23 جُمادى الأولى المُوافق فيه 26 أيَّار (مايو) من السنتين سالِفتا الذِكر، وهُناك روايات تُشيرُ فقط إلى وفاته في شهر جُمادى الأولى المُوافق لِشهر أيَّار (مايو)، من دون ذكر اليوم، وهذا ما يظهر من النقش الموجود على قبره في بورصة. ووفق المصادر القائلة بِقُعُود مُحمَّد الأوَّل فترةً من الزمن قبل أن يُسلم الروح، فإنَّهُ لمَّا شعر بِدُنُوِّ أجله دعا الصدر الأعظم بايزيد باشا الأماسيلِّي وقال له: «عَيَّنتُ ابنِي مُرَاد خَلِيفَةً لِي، فَأَطِعهُ وَكُن صَادِقًا مَعَهُ كَمَا كُنتَ مَعِي. أُرِيدُ مِنكُم أَن تَأتُونِي بِمُرَاد الآن لِأَنَّنِي لَا أَستَطِيعُ أَن أَقُومَ مِنَ الفِرَاشِ بَعد، فَإِن وَقَعَ الأَمرُ الإِلٰهِي قَبلَ مَجِيئِه حَذَارِيَ أَن تُعلِنُوا وَفَاتِيَ حَتَّى يِأتِي». وكان قصد السُلطان تُدارُك وُقُوع الفوضى في الدولة فيما لو أُعلنت وفاته قبل مجيء الشاهزاده مُراد من أماسية، خاصَّةً أنَّ مُصطفى چلبي، شقيق السُلطان مُحمَّد والمُدَّعي بِالحق في عرش آل عُثمان، كان سيتحرَّك مُباشرةً لِلمُطالبة بِالعرش، مما سيُدخله في نزاعٍ مع مُراد، فيسفك العُثمانيين دماء بعضهم البعض مُجددًا، كما حصل بعد هزيمة أنقرة وفترة التنازع على العرش. امتثل الصدر الأعظم لِرغبة السُلطان، فتعاون مع الوزير إبراهيم باشا الجندرلي على إخفاء موت مُحمَّد الأوَّل عن الجُند حتَّى يحضر ابنه، فأشاعا أنَّ السُلطان مريض، وأمرا بِإغلاق كُل الحُدُود خوفًا من قُدُوم مُصطفى چلبي من جزيرة لمنى (لمنوس) التي هي أقرب إلى أدرنة وجُلُوسه على العرش، فلم يُذع خبر وفاة السُلطان طيلة 41 يومًا؛ بل إنَّهُ بِموجب إحدى الروايات، لم يعرف أحدٌ من الناس في أدرنة بِذلك، بل إنَّ الخبر أُخفي حتَّى عن أركان القصر، فكان هذا السُلطان أوَّل سُلطانٍ عُثمانيٍّ يُخفى خبر موته. وكان الوُزراء قد أرسلوا عند اشتداد مرض السُلطان رئيس الإنكشاريَّة علوان بك إلى الشاهزاده مُراد لِيأتي به، فوصل بورصة بعد أربعين يومًا، وكان السُلطان حينها قد أسلم الروح، فنُقل نعشه إلى بورصة حيثُ استقبلهُ ابنه مُراد، ودفنه بِالتعظيم والتكريم في قبَّةٍ مُقابل الجامع الأخضر الذي شرع بِبنائه خِلال حياته ليكون مسجدًا وقصرًا حكوميًّا، فقام ابنه مُراد الثاني بإكمال بناء الجامع الأخضر في كانون الأوَّل (ديسمبر) 1419م، وأنهى العمل في زخارف الجامع عام 1424م.

فتنة الشاهزاده مُصطفى بن بايزيد والتنازُع الأُسري العُثماني

بايع القادة والوُزراء والأُمراء والساسة مُراد الثاني بِالسلطنة في مدينة بورصة، فجلس على تخت المُلك يوم 23 جُمادى الآخرة 824هـ المُوافق فيه 25 حُزيران (يونيو) 1421م، وهو في الثامنة عشرة من عُمره. وعند البيعة، قلَّد العالم شمس الدين مُحمَّد البُخاري السُلطان مُراد سيف عُثمان الغازي، فكان أوَّل سُلطانٍ عُثمانيٍّ يُقلَّدُ هذا السيف، واستمرَّت هذه المراسم مئات السنين من بعده. وبِمُوجب الرواية التقليديَّة، التي لا تُعد سُليمان چلبي ومُوسى چلبي من جُملة السلاطين العُثمانيين، فإنَّ مُرادًا الثاني يُصبح السُلطان السادس في سلسلة سلاطين الدولة العُثمانيَّة. فإذا عُدَّ سُليمان ومُوسى چلبي في تلك السلسلة، يكون مُراد الثاني هو الثامن في تلك السلسلة. إلَّا أنَّهُ بِالنظر إلى عدم تمكُّن سُليمان ومُوسى چلبي من السيطرة على أراضي الدولة العُثمانيَّة في الروملِّي والأناضول في وقتٍ واحدٍ، فلا يصح عدُّهما من السلاطين العُثمانيين. كان مُراد الثاني معني بِإعداد الدولة لِلمهام الكُبرى التي كانت مسؤولة عنها قبل نكسة أنقرة، لِذلك كان عليه إعادة ما تبقَّى من الأملاك التي خسرتها الدولة في الأناضول بعد النكسة، وتوحيد الأراضي العُثمانيَّة والمُحافظة عليها، وحل المُشكلات العالقة مُنذُ أيَّام مُحمَّد الأوَّل، وإنشاء جيش قوي واقتصاد متين، وحُدُود واضحة لِدولته في وجه أوروپَّا المُتوثِّبة. وحتَّى يتفرَّغ لِهذه المهام هادن الدُول الأوروپيَّة، فعقد مُعاهدةً مع مملكة المجر مُدَّتُها خمسة أعوام، وتفاهم مع الجنويين الذين وعدوه بِإمداده بِالسُفُن والجُنُود، واقترح على الإمبراطور البيزنطي عمانوئيل الثاني تجديد المُعاهدة التي وقَّعها والده من قبل، ومفادها أن يتعهَّد السُلطان العُثماني بِعدم مُحاربة الروم مُطلقًا، لقاء أن يبقى الشاهزاده مُصطفى چلبي بن بايزيد مُحتجزًا في ديارهم. فأرسل الإمبراطور البيزنطي وفدًا إلى مُراد الثاني لِتهنئته بِتولِّيه العرش، وأعلن استعداده تجديد المُعاهدة سالِفة الذِكر بِشرط تسليمه الأميران الصغيران محمود ويُوسُف، شقيقا السُلطان مُراد، لِضمان حُسن تنفيذ المُعاهدة من جهة، وتنفيذ وصيَّة السُلطان مُحمَّد القاضية بأن يرعى الإمبراطور البيزنطي الأميران المذكوران، وهدَّد بِإطلاق سراح مُصطفى بن بايزيد فيما لو لم يُنفَّذ هذا الشرط. ومن المعروف أنَّ السُلطان مُحمَّد كان قد عهد بِالأميرين محمود ويُوسُف إلى الصدر الأعظم بايزيد باشا الأماسيلِّي، لكنَّهُ أوصى في أن يتولَّى الإمبراطور البيزنطي رعايتهما، ويبدو أنَّهُ خشي من نُشُوب صراعٍ على السُلطة قد يُشكِّل خطرًا عليهما، فأراد إبعادهما عن مسرح الأحداث. لكن الحقيقة أنَّ طلب الإمبراطور لِلأميرين الصغيرين كان بِهدف إبقائهما رهينتين بِيده وورقة سياسيَّة يستخدمها لِتحقيق المصالح البيزنطيَّة، أكثر من تنفيذ وصيَّة السُلطان مُحمَّد، ومن الواضح أنَّ السُلطان مُراد أدرك هذا، فرفض الطلب البيزنطي، كما يُروى أنَّ بايزيد باشا سالِف الذِكر ردَّ على طلب الروم بِأنَّ الإسلام لا يسمح بِإيداع أولاد المُسلمين لِتربيتهم عند النصارى، وكان هذا الرفض كافيًا لِتفجير الأعمال العسكريَّة.

وتشكَّل في القُسطنطينيَّة، آنذاك، حزبٌ مُعارض لِسياسة التقارب مع العُثمانيين، بِزعامة وليّ العهد يُوحنَّا بن عمانوئيل، فضغط على والده الإمبراطور حتَّى يُعلن الحرب عليهم، فتذرَّع هذا بِرفض طلبه من جانب مُراد الثاني، وأطلق سراح الشاهزاده مُصطفى بن بايزيد، الذي كان يحتجزه في جزيرة لمنى (لمنوس) تحت حراسةٍ مُشددة، بعد أن كتب الأخير على نفسه أن يرُد إلى الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة جميع ما كان لها من المُدن والأراضي التي فتحها العُثمانيُّون، وتقع على سواحل بحريّ مرمرة والبنطس (الأسود)، بِالإضافة إلى تساليا، إذا ما نجحت ثورته، وأعانه الإمبراطور بِأن قدَّم لهُ عشر سُفنٍ حربيَّةٍ بِقيادة دمتريوس لاسكاريس. وأخلى الإمبراطور سبيل الأمير جُنيد بك بن إبراهيم الآيديني، آخر أُمراء بنو آيدين، الذي عصى السُلطان مُحمَّد الأوَّل مرَّتان، كانت آخرها دعمه الشاهزاده مُصطفى بن بايزيد ووُقوفه في صفِّه لِلمُطالبة بِالعرش العُثماني، وقد عفا عنه السُلطان مُحمَّد في المرَّتين، وفي المرَّة الأخيرة سلَّمهُ إلى الإمبراطور البيزنطي الذي وضعه تحت المُراقبة في إحدى كنائس القُسطنطينيَّة. وبِتلك الصورة، استند مُصطفى چلبي إلى مُساعدة بيزنطة، وجمع أتباعه من حوله، ويُقال أنَّهُ استوزر جُنيد بك الذي ما فتئ يُعارض التوسُّع العُثماني في الأناضول، وسار يُريدُ أدرنة. التمَّ العديد من أُمراء الحُدُود في الروملِّي - الذين لا يرتاحون عادةً لِلسُلطة المركزيَّة - حول مُصطفى چلبي ودعموه في المُطالبة بِالعرش العُثماني، وفي مُقدِّمتهم أولاد «أفرنوس بك»، القائد المُخضرم الذي قاتل تحت راية السُلطانين بايزيد ومُراد الأوَّل، وأولاد طُرخان بك، وأولاد آمُلي بك، وانقادوا لهُ مع أتباعهم. وكان مُصطفى چلبي يُؤكِّد هويَّتهُ لِلأُمراء عبر إظهاره جُرحًا عميقًا على بطنه كان قد اندمل وبقي أثره، وقال إنَّهُ من آثار معركة أنقرة التي خاضها مع أبيه وإخوته ضدَّ المغول، فصدَّقهُ الأُمراء وعظُم جمعُه، فسار معهم واستولى أولًا على سيروز وگليپولي، ثُمَّ سار إلى أدرنة ودخلها وجلس على العرش يوم 1 رمضان 824هـ المُوافق فيه 30 آب (أغسطس) 1421م، وقد اعترف الجيش في الروملِّي بِسلطنة مُصطفى چلبي على أساس أنَّهُ ما دام العم موجودًا فلا مُبرِّر لِجُلُوس ابن الأخ على العرش، ولم يبقَ أمامهُ إلَّا السيطرة على الأناضول وتنحيه ابن أخيه لِيُصبح سُلطانًا بِالتمام والكمال. والواقع أنَّ اختيار توقيت إطلاق سراح الشاهزاده مُصطفى كان جيدًا، إذ كان السُلطان مُراد في غُضون ذلك الوقت مشغولٌ باستمالة أُمراء الأناضول لِإعادتهم إلى حظيرة الدولة العُثمانيَّة دون حربٍ أو قتال، ولمَّا وصلت الأخبار بما حصل في الروملِّي، انتفضت الإمارات الأناضوليَّة في مُحاولة السعي لِلاستفادة من التغيير السياسي في الدولة العُثمانيَّة، فاعترفت بِشرعيَّة مُصطفى، واستعاد أمير مُنتشا استقلاله، وضرب النُقُود باسمه كمُؤشِّر على ذلك، واستردَّ أمير قسطموني، عزُّ الدين إسفنديار بك الجندرلي، بعض الأراضي التي كان قد تنازل عنها لِلعُثمانيين، واستعاد أمير صاروخان جُزءًا من أراضيه، وكان شاهرُخ بن تيمورلنك حريصًا على المُحافظة على التوازن الذي فرضه والده في الأناضول. تُشيرُ إحدى الروايات أنَّ مُراد الثاني لمَّا عَلم بِحركة عمِّه ورأى اعتراف أُمراء الأناضول بِسُلطانه، احتار في أمره، فسار إلى السيِّد شمس الدين مُحمَّد بن علي البُخاري الشهير بِأمير سُلطان، وهو صهر السُلطان بايزيد وأحد أهم عُلماء عصره، فاستغاث به وبِدُعائه في هذا الأمر، فدعا لهُ وربط سيفهُ على وسطه بِيده، وقال لهُ أنَّهُ رأى حُلمًا انتقلت فيه الدولة العُثمانيَّة إلى مُصطفى چلبي، فالتمس من الرسول مُحمَّد ردَّها إلى السُلطان مُراد ثلاث مرَّات، فأُجيب إلى ذلك في المرَّة الثالثة. فتفائل السُلطان مُراد من هذا الحُلم وقال بيتًا من الشعر:

ثُمَّ استشار السُلطان وُزراءه وأُمراءه في هذا الأمر، فأشاروا عليه بِإطلاق سراح بكلربك الروملِّي مُحمَّد بك ميخائيل أوغلي - الذي كان السُلطان مُحمَّد الأوَّل قد نفاه إلى توقاد وزجَّ به في السجن مُنذُ ثماني سنين، بعد أن والى مُوسى چلبي الذي نازع أخاه السُلطان على العرش واستمالته بِالوُعُود والإحسان؛ حتَّى يستميل هو أُمراء الروملِّي إلى جانبه، فإنَّهُ كان أقدمهم وأعظمهم، وكانوا يُحبُّونه ويُطيعونه، فأرسل السُلطان من يأتي بِمُحمَّد بك من توقاد. ثُمَّ أشار الوزيران إبراهيم باشا الجندرلي والحاج عوض باشا على السُلطان بِأن يُرسل الصدر الأعظم بايزيد باشا الأماسيلِّي في جمعٍ من العسكر إلى دفع مُصطفى چلبي قبل أن يعبر إلى الأناضول، لأنَّ أُمراء الروملِّي كانوا يُحبُّون بايزيد المذكور؛ فيميلون إليه، وحسَّنوا هذا الرأي عند السُلطان حسدًا على بايزيد باشا لِتقدُّمه عليهما بِالجلادة والرأي وإتمام المصالح، فقصدا هلاكه بِهذه الطريقة، فمال السُلطان إلى رأيهما المُموَّه. ولمَّا علم ذلك عرُّوج وأمور باشا ابنا البكلربك تيمورطاش باشا، لم يستصوبا هذا الرأي، وكذلك بايزيد باشا؛ على اعتبار أنَّ الجُنُود العُثمانيين غير ثابتين على طاعة السُلطان، وولائهم مُتأرجح بينه وبين مُصطفى چلبي، واحتمال وقوع انشقاق في الجيش واردٌ جدًا، فعرض بايزيد باشا ذلك إلى السُلطان، الذي ألحَّ عليه في العُبُور والمسير، فلم يجد بُدًا من الامتثال لِأمره، فسار ومعهُ أخوه حمزة بك في جمعٍ من العسكر، فعبر البحر من معبر قلعة أناضولي حصار، وقيل من معبر گليپولي نظرًا لِإغلاق الروم حُدودهم أمام العُثمانيين. وفي تلك الفترة، اتصل الإمبراطور البيزنطي، عمانوئيل الثاني، بِالشاهزاده مُصطفى چلبي، وطلب منهُ الإيفاء بِالمُعاهدة، التي بِموجبها تُعاد گليپولي وغيرها من المواقع إلى الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة. غير أنَّ مُصطفى چلبي وجُنيد بك رفضا ذلك الطلب رفضًا قاطعًا، قائلين أنَّ الإسلام لا يُجيز التنازل عن أراضي المُسلمين لِصالح النصارى؛ وإنَّهُما مُضطرَّان إلى القيام بِفتح البلاد المسيحيَّة الأُخرى أيضًا. أمام هذا الرَّد غير المُتوقَّع، حوَّل الإمبراطور البيزنطي أنظاره تجاه السُلطان مُراد مُجددًا، مُحاولًا استغلال تراجُع قُوَّته بِما يصب في مصلحة الروم، فعرض عليه أن يتنازل لِبيزنطة عن مدينة گليپولي ويُسلِّمه الأميران محمود ويُوسُف، مُقابل رفع الدعم عن مُصطفى، لكنَّ السُلطان رفض العرض، وهذا يعني أنَّ السُلطان مُراد الثاني أصبح مُواجهًا لِعمِّه مُصطفى من جهة، ولِبيزنطة من جهةٍ ثانية. ولمَّا عبر بايزيد باشا البحر إلى الروملِّي، خرج مُصطفى چلبي من أدرنة في جمعٍ عظيم، وانضمَّ إليه جُنيد بك الآيديني أيضًا مع عسكره، فلقيه في موضعٍ يُقال له «صازلي دره»، فتقدَّم مُصطفى وخطب في العساكر بِإطاعته لِأنَّهُ أحق بِالمُلك من ابن أخيه، فأطاعته الجُيُوش، وانحرف مُعظمهم إليه، ولم يبقَ مع بايزيد باشا سوى أخيه حمزة وأتباعهما، فاضطرُّوا إلى الاستسلام لِمُصطفى چلبي، الذي أعدم بايزيد باشا مُباشرةً وفق إحدى الروايات، وأبقى على حياة حمزة بك، وفي روايةٍ ثانية أنَّ بايزيد باشا لم يستسلم بل قاتل مُصطفى چلبي وقُتل في المعركة، بل إنَّهُ بِموجب روايةٍ ثالثة فإنَّ بايزيد باشا لم يُقتل في صازلي دره، وإنَّما قُتل في گليپولي أثناء دفاعه عنها. وبِجميع الأحوال فإنَّ بايزيد باشا هو أوَّل صدرٍ أعظمٍ عُثمانيٍّ يُقتل في الحرب. شكَّلت هذه المُحاولة العُثمانيَّة لاستئصال مُصطفى چلبي دعوةً لهُ لِيتوجَّه إلى الأناضول ويُسيطر على بورصة ويُزيح ابن أخيه عن العرش، فانتقل مع العديد من أُمراء الروملِّي عبر مضيق الدردنيل، وهبط البر قُرب بلدة «لپسكي» في 26 مُحرَّم 825هـ المُوافق فيه 20 كانون الثاني (يناير) 1422م.

معركة أولوباط

جهَّز السُلطان مُراد جيشًا كبيرًا بلغ تعداده مائة وخمسة وعشرين ألف جُندي، منهم 120,000 من الخيَّالة و5,000 من المُشاة، وخرج على رأسه لِلتصدِّي لِعمِّه مُصطفى. التقى الجمعان في شطيّ نهر أولوباط: أحدهما في أحد جانبيه، والآخر في الآخر، وكان مع مُصطفى چلبي خمسون ألف فارس وعُشرون ألف راجلٍ عزبيّ، بِالإضافة لِطائفةٍ من عسكر الروملِّي. ولا يبدو أنَّ الطرفان كانت لديهما نيَّةٌ في القتال، فأخذ ينظرُ أحدهما إلى الآخر دون أن يُشهر أحدٌ منهما السلاح، وقرَّر السُلطان مُراد اتباع الأُسلوب السياسي لاستقطاب حُلفاء مُصطفى وإضعافه، وبِخاصَّةٍ جُنيد بك وأُمراء الحُدُود، وكلَّف مُحمَّد بك ميخائيل أوغلي - الذي كان وصل من توقاد - باستمالة هؤلاء إلى صفه، فكتب إليهم بذلك وشنَّع عليهم اتباع رجُلٍ يدَّعي أنَّهُ شقيق السُلطان مُحمَّد الأوَّل، فيما لا شيء يُثبت ذلك تمامًا، فهم يتَّبعون رجُلًا مجهول النسب. اعتقد أُمراء الحُدود بدايةً أنَّ هذه الرسالة قد تكون دسيسةً من وُزراء السُلطان ولم يُصدِّقوا أنَّ مُحمَّد بك المذكور على قيد الحياة، حتَّى سار إليهم ليلًا ووقف على شط النهر وجعل يُنادي الأُمراء بِأسمائهم، وأعلمهم بِنفسه وحياته، واستمالهم إلى السُلطان مُراد، وتعهَّد عفو الأخير عمَّا سلف منهم، فمالوا إليه. كذلك، أرسل الحاج عوض باشا خطابًا إلى مُصطفى چلبي تظاهر فيه بِأنَّهُ من أتباعه، وحدَّثهُ عن خيانة أُمراء الروملِّي واتفاقهم على الغدر به بعدما اتفقوا مع السُلطان على ذلك، وأنَّ التنفيذ سيكون في الليلة الفُلانيَّة بعد أن يمُدُّهم السُلطان بِعسكره، وعلى الرُغم من وُرُود رواية تُفيد بِمُخادعة جُنيد بك الآيديني أيضًا، فإنَّ هُناك اختلافات في تفصيلاتها، لكن الشائع أنَّ رسالةً أُخرى أُرسلت إلى جُنيد بك تُعلمهُ بِالمُخطط المزعوم وتستقطبه إلى جوار السُلطان مُراد، فوقعت تلك الرسالة في يد مُصطفى چلبي، الذي تزلزل لمَّا طابق مضمونها مع ما سبق وأُرسل إليه. ولمَّا أدرك الأخير حقيقة الخطر الداهم، اختار من عسكره خمسة آلاف مُقاتل من فارسٍ وراجلٍ، وأرسلهم ليلًا لِمُباغتة الجُنُود العُثمانيين، ولمَّا عبروا النهر على جسرٍ قائمٍ، فوجئوا بِخمسمائة إنكشاريّ يقفون لهم بِالمرصاد، فتقاتل الطرفان حتَّى هُزم العزبيُّون، وأُسرت منهم جماعة عظيمة بحيث كان كُل إنكشاريّ يُطلق سراح عزبيين مُقابل رأس غنمٍ واحد. أمام هذه الحركة، عبر عوض باشا النهر في جمعٍ من الجُنُود وهُم يصيحون ويُكبِّرون، مما أثار رُعب مُصطفى چلبي وجعله يعتقد بِمجيء الأُمراء لِقتله، فاضطرَّ إلى الهُرُوب، أولًا إلى إزمير، ثُمَّ منها إلى گليپولي. وبناءً على روايةٍ أُخرى، فإنَّ مُصطفى چلبي لم يذهب إلى إزمير، وإنَّما وصل إلى گليپولي بِشق الأنفس خلال ثلاثة أيَّام؛ بل تزيد الرواية أنَّ قاضي بلدة «بيغة» تعاون معه أثناء هُرُوبه، مما أفضى إلى إعدمه لاحقًا بِأمرٍ من السُلطان مُراد. وقيل أيضًا أنَّ انسحاب مُصطفى چلبي كان نتيجة إصابته بِمرض الرُعاف، الذي استمرَّ عليه ثلاثة أيَّام حتَّى ضعف جدًا، فتفرَّق عسكره وهرب هو إلى الروملِّي. أمَّا أُمراء الروملِّي، فقد استقبلوا السُلطان وسُيُوفهم مسلولة على رقابهم في إشارةٍ إلى خُضُوعهم التَّام له، فعفا عنهم وأقرَّهم على إيالاتهم وسناجقهم، ثُمَّ شرع في تعقُّب خُطُوات مُصطفى چلبي لِلقضاء عليه.

القضاء على مُصطفى چلبي

تتبَّع السُلطان مُراد خُطوات عمِّه حتَّى بلدة لپسكي لِيكتشف أنَّهُ عبر إلى الروملِّي، ولم يجد في الساحل سفينة لِلعُبُور ورائه، فأرسل إلى عامل گليپولي - وهو أحد أتباع الوزير إبراهيم باشا الجندرلي - أن يُزوِّده بِالسُفن اللازمة، فاستأجر الأخير مجموعةٍ منها سرًا، من جنويي مُستعمرة «فوچة» لِقاء خمسة آلاف دينار، وأرسلها إلى السُلطان. وبهذه الكيفيَّة تمكَّن العُثمانيُّون من العُبُور إلى ساحل گليپولي، ونزلوا في ناحية «أجه أواسي». وعلى الرُغم من قيام مُصطفى چلبي بِضرب سُفن ابن أخيه من وراء الأسوار، فإنَّهُ لم يتمكَّن من منع قُوَّاته من النُزُول في تلك المنطقة. وبناءً على ذلك، بدأ مُراد الثاني بِوضع الحصار على گليپولي، ويُروى أنَّ مُصطفى چلبي، الذي تيقَّن بِعدم إمكانيَّة مُقاومة ابن أخيه، فرَّ من گليپولي، مُتجهًا إلى أدرنة حيثُ أخذ خزينته وذهب باتجاه الأفلاق. تتبَّع السُلطان مُراد عمَّه إلى أدرنة ودخلها ثُمَّ أرسل الطلب في عقب الهارب، فلُوحق حتَّى أُدرك في ناحية «ينيجة قُزل آغاج»، ووفق إحدى الروايات فإنَّ بعض أتباعه خانوه وسلَّموه إلى الجُنُود العُثمانيين فحملوه مُعتقلًا إلى السُلطان الذي أمر بِصلبه، فصُلب على بُرج سور أدرنة، وقيل أيضًا شُنق. وقيل أدركهُ مُحمَّد بك ميخائيل أوغلي في «جامورلي» بِقُرب مدينة صوفيا، فخنقهُ بِوتر قوسه، وحمل رأسه إلى السُلطان، وهي رواية يستبعدها عدَّة مُؤرِّخين عُثمانيين. وبناءً على روايةٍ ثالثة، فإنَّ مُراد الثاني كان من جُملة المُلاحقين، وقد وجد عمَّهُ مُختبئًا وراء أدغال، فأخرجه منها بِيديه، وجلبه معهُ إلى أدرنة حيثُ علَّقهُ بِأحد أبراج القلعة مصلوبًا، وكان ذلك سنة 825هـ، وقيل كذلك أنَّ مُصطفى چلبي لم يُقتل في ذلك التاريخ وإنَّما أُعدم في سنة 829هـ المُوافقة لِسنة 1426م. وعلى هذا الشكل انتهت فتنة مُصطفى چلبي، بعد أن حكم في الروملِّي 9 أشهر، وثبُت في كُتب التاريخ العُثمانيَّة أنَّهُ كان دجَّالًا مُنتحلًا شخصيَّة مُصطفى بن بايزيد الحقيقي، على أنَّ المُؤرخين المُعاصرين يميلون إلى القول بِأنَّهُ لم يكن مُدعيًا، بل هو الشاهزاده مُصطفى فعلًا.

حصار القُسطنطينيَّة

    كان لِلإمبراطور البيزنطي الجديد يُوحنَّا الثامن أربعة إخوان: منهم تُيُودور أمير المورة، وأندرونيقوس أمير سالونيك، وقُسطنطين ودمتريوس. ويُروى أنَّ أمير سالونيك أندرونيقوس كان إنسانًا بطيئًا، كسلًا لِلغاية، ولم يكن لِسُكَّان المدينة ثقة به، لكنَّ النجاح العُثماني الأخير في إرغام الإمبراطور على التنازل عن جميع القلاع الباقية تحت السيطرة البيزنطيَّة على سواحل الروملِّي، وفتحهم مدينة مودونة، كما أُسلف، جعل السُكَّان يُدركون أنَّ لا قِبَل لهم بِالوُقُوف في وجه القُوَّات العُثمانيَّة، فسلَّموا مدينتهم لِلبنادقة كي يُدافعوا عنها. ويتفرَّد المُؤرِّخ الرومي «مقار (مقاريوس) ميليسينوس» الذي عاش خلال القرن السادس عشر الميلاديّ، بِذكر روايةً مفادها أنَّ أندرونيقوس عامل المدينة مُعاملةً تجاريَّةً غريبة، حيثُ باعها لِلبُندُقيَّة لقاء 50,000 دوقيَّة، رُغمَّ أنَّ جميع المصادر الأُخرى، بما فيها وثائق المُفاوضات بين الأمير الرومي والبنادقة، لا تأتي على ذِكر هذا الأمر ممَّا يجعله أمرًا مُستبعدًا. ويُذكر أنَّ البنادقة كانوا يتحدثون عن قيامهم بِالدفاع عن الميناء التجاري ضدَّ العُثمانيين من جهة، ويقومون في الوقت عينه بِتحويله إلى «بُندُقيَّةٍ أُخرى» من خِلال إعماره، من جهةٍ أُخرى. عدَّ مُراد الثاني هذا التصرُّف من جانب السُكَّان وأميرهم تحديًا له، لِأنَّ البنادقة كانوا من ألدِّ أعدائه، فأعدَّ جيشًا لِفتح سالونيك وحاصرها، وقد أدَّى قرار تولِّي الدفاع عن المدينة إلى تفاقم وضع البُندُقيَّة. حاول البنادقة استرضاء السُلطان العُثماني والحُصُول على اعترافه بِسيطرتهم على المدينة، فتلقَّى منهم العديد من العُرُوض السياسيَّة، لكنَّهُ كان من المُستحيل عليه أن يقبل بِالأمر الواقع، وواصل حصاره لِسالونيك. ولمَّا أصرَّ البنادقة على الحُصُول على اعتراف السُلطان، وأرسلوا له مبعوثًا دبلوماسيًّا لِيُفاوضه، ألقى القبض عليه وزجَّه في السجن، وأرسل إلى البنادقة يُعلمهم أنَّ وُجودهم في المدينة غير شرعي كونها من حق المُسلمين الذين فتحوها سابقًا وبذلوا دمائهم في سبيل ذلك، وأنَّ قواعد الحرب والغزو - السائدة في العالم آنذاك - تنص على هذا. وبحسب المُؤرِّخ البيزنطي «دوكاس» فإنَّ مُراد الثاني قال في رسالته إلى البنادقة: «هَذِهِ المَدِينَة حّقِّي الذِي وَرَثتُه عن آبَائِي، فِإنَّ جَدِّي بَايَزِيد فَتَحَهَا بِسَيفِ الظَّفرِ وَأَخَذَهَا مِنَ الرُّومِ...وإِنَّكُم لَاتِينيين طِليَان، فَمَا الَذِي جَاءَ بِكُم إِلَى هَذِهِ البِلَاد؟ فالتَنسَحِبُوا بِإِرَادَتِكُم، وَإِن لَم تَفعَلُوا فَإِنِّي قَادِمٌ إِلَيكُم عَلَى وَجهِ السُّرعَةِ». وقام الأُسطُول العُثماني بِعمليَّات تدميرٍ في أرخبيل المورة ضدَّ مُمتلكات البُندُقيَّة، وبِخاصَّةٍ في أوبييه، ما شلَّ مُناورات الأُسطُول البُندُقي قبالة گليپولي. وحدث آنذاك ما خفَّف الضغط العُثماني عن سالونيك، إذ نشب النزاع بين العُثمانيين والمجريين حول الصرب والأفلاق، ما أعطى البُندُقيَّة فُرصةً لِإعادة تحصين المدينة.

    الحملات على الأفلاق والأرناؤوط والصرب والتوسُّع في المورة

    أزعج التوسُّع الإسلامي في البلقان سيگيسموند اللوكسمبورغي، ملك المجر وألمانيا ثُمَّ إمبراطور الرومانيَّة المُقدَّسة، وكان قد فشل في الحيلولة دون تمدُّد العُثمانيين في عهد السُلطانين بايزيد ومُحمَّد، فسعى إلى تحريض الأُمراء والحُكَّام المسيحيين المُجاورين على عدوِّهم المُشترك. وفي تلك الفترة، كان حُكمُ بلاد الأفلاق قد آل إلى ڤلاد بن ميرݘه، المشهور بِـ«ڤلاد دراكول»، بعد أن انقلب على الأمير دان، حاكم تلك البلاد. ولقب «دراكول» الذي لُقِّب به هذا الأمير، يعني التنين، وقد خلعهُ عليه سيگيسموند سالِف الذِكر بعد أن انضمَّ إلى طائفة فُرسان التنين التي أسسها سيگيسموند لِلدفاع عن المسيحيَّة في وجه تقدُّم الإسلام، المُمثَّل بِالدولة العُثمانيَّة، في أوروپَّا. وكان ڤلاد المذكور كثير الخُرُوج في حملاتٍ عسكريَّةٍ لِلإغارة على الأراضي العُثمانيَّة، وفي أثناء الحصار العُثماني لِسالونيك، حرَّض الملك المجري جاره الأفلاقي لِيُغير على الأراضي العُثمانيَّة، فما كان منه إلَّا أن عبر إلى سيلسترة وتعرَّض لِبلاد المُسلمين، فأرسل السُلطان مُراد إلى حامي تلك الثُغُور فيروز بك، وأمره بِأن يجمع عسكر تلك الحُدُود ويُغير معهم على الأفلاق، فسار فيروز بك وغزا تلك البلاد وقتل كثيرًا من مُقاتلتها وعاد منها مُحمَّلًا بِالغنائم والأسرى والسبايا. أثارت غزوات فيروز بك الخوف في نفس دراكول، فندم على فعله وأدرك أنَّه غير قادر على مُقارعة الدولة العُثمانيَّة، ولم يعد لديه شك في وخامة عاقبة فعله، وفهم أنَّ عليه مُهادنة السُلطان مُراد، فرتَّب هدايا جليلة وأموالًا عظيمة، ثُمَّ سار مع ولديه إلى السُلطان بِأدرنة، فطلب العفو والأمان، وسلَّم خِراج سنتين، واعترف بِسيادة الدولة العُثمانيَّة عليه، فعفى عنه السُلطان وأقرَّهُ على بلاده، وأعاده حاملًا فرمان التولية الرسميّ. وهُناك رواية تُفيد أنَّهُ ترك ولديه رهينة لدى العُثمانيين. لكن لم يكن هذا الخُضُوع إلَّا ظاهريًّا كما تبيَّن بعد بضع سنين.

    ما كاد مُراد الثاني يُعيد ترتيب أوضاع الأفلاق لِصالح الدولة العُثمانيَّة، حتَّى أتاه خبر نقض قيصر الصرب، أسطفان بن لازار، حلفه مع العُثمانيين مدفوعًا من سيگيسموند، وكان هذا الحلف قائمًا مُنذُ أوائل عهد السُلطان بايزيد الأوَّل. فقبض (أي أسطفان) على أمير الثُغُور المُجاورة علي باشا بن إسحٰق، الشهير بِـ«دلو باشا»، وحبسه. لِذلك، أرسل السُلطان إلى بكلربك الروملِّي سِنان باشا كي يسير مع العسكر إلى ديار الصرب ويُغير عليها، فسار سنان باشا وفتح قاعدة تلك الديار ودار مُلكها آلاجة حصار، ثُمَّ سخَّر أكثر تلك البلاد، وحوَّل عدَّة كنائس من كنائسها إلى مساجد. ثُمَّ أرسل السُلطان إلى أُمراء الروملِّي بِأن ينضمُّوا إلى البكلربك المذكور ويُغيروا على الصرب ويأخذوا ما بيد قيصرها من بلاد، فسار الأُمراء بِجُنُودهم وسيطروا على ولاية «جان أواسي» وفتحوا قلعة «گورجنيلك» وغيرها. كان من نتيجة تلك الغزوات أن خضع أسطفان بن لازار لِلدولة العُثمانيَّة مُجددًا، فأرسل إلى عتبة السُلطان أموالًا عظيمة وهدايا، والتمس العفو، وأرسل أيضًا هدايا إلى الوُزراء والأُمراء فشفعوا إلى السُلطان فيه، فعفا عنه، وأبرم معه صُلحًا في جُمادى الأولى 829هـ المُوافق فيه آذار (مارس) 1426م، تنازل فيه أسطفان عن قسم من أراضيه حتَّى آلاجة حصار، أي حتَّى الشمال الغربي من مدينة نيش في وسط بلاد الصرب. بعد ذلك حوَّل السُلطان مُراد أنظاره ناحية بلاد الأرناؤوط لِمُعاقبة حاكم الإمارة الكستريوتيَّة، يُوحنَّا كستريو، الذي خلع طاعة العُثمانيين أثناء حصارهم سالونيك، وراسل البنادقة يطلب منهم الصفح عنه وعن ابنه جرجس (إسكندر بك) الذي اعتنق الإسلام وحارب في صف المُسلمين، طالبًا منهم السماح له ولِولده أن يعودا تحت حُكم جُمهُوريَّة البُندُقيَّة، تمامًا كما كان الحال قبل فتح العُثمانيين لِبلادهم. وفي سبيل إظهار حُسن نيَّته لِلبنادقة، أرسل يُوحنَّا كستريو جميع الفرمانات التي بعثها إليه السُلطان مُراد إلى مجلس الشُيُوخ البُندُقي، وكان يأمره فيها بِمُهاجمة مُستعمرات ومُمتلكات البُندُقيَّة في الأرناؤوط، وطلب كستريو من البنادقة أن يؤمنوا له الحماية والدعم العسكري فيما لو هاجمه العُثمانيُّون. ولمَّا علم السُلطان بِأمر هذه الخيانة، أرسل الأمير عيسى بك بن أفرنوس إلى الأرناؤوط وتحت إمرته قُوَّة كبيرة، فتقدَّم حتَّى سواحل البحر الأدرياتيكي وهزم يُوحنَّا كستريو وأخضعهُ مُجددًا، وألزمه على تسليم أولاده الأربعة رهائن لِضمان التزامه بِمُسالمة المُسلمين. توجَّه عيسى بك بعد ذلك إلى الجنوب، فهدم سور كورنثة الذي بناه البيزنطيُّون، بِغية منع الفُتُوحات العُثمانيَّة من التقدُّم إلى الأمام، ودخل المورة في يوم السبت 20 جُمادى الأولى 829هـ المُوافق فيه 1 أيَّار (مايو) 1426م، وفتح منطقة لاكونيا. ثُمَّ حدث أن تُوفي قيصر الصرب أسطفان بن لازار يوم 24 رمضان 830هـ المُوافق فيه 19 تمُّوز (يوليو) 1427م، فضمَّ مُراد الثاني ما كان قد فتحهُ إلى أملاكه مُتذرِّعًا بِحق الإرث، بِفعل المُصاهرة القديمة بين البيتان العُثماني والصربي، حينما تزوَّج السُلطان بايزيد بِالأميرة أوليڤيرا دسپينة، الأُخت الصُغرى لِأسطفان، مُنازعًا حُقُوق جُريج برانكوڤيچ، ابن أخ أسطفان، الذي ادَّعى وراثة الحُكم.

    استغلَّ ملك المجر سيگيسموند اللوكسمبورغي وفاة القيصر الصربي لِيضُمَّ إليه بعض بلاده، فزحف باتجاه الصرب واحتلَّ مدينة بلغراد مُتحججًا بِتبعيَّة القيصر الراحل لِلمجر، واعترف بِجُريج برانكوڤيچ حاكمًا على النصف الجنوبي من إقليم «ماچوا» بما فيه ڤاليڤو وكروپانية وزياچة. فردَّ مُراد الثاني بِضم آلاجة حصار ونيش، وحاصر القلعة البيضاء، واتَّخذ من المدينة الأولى قاعدة انطلاقٍ وحماية، وكذلك من قلعة گورجنيلك، الذي وقف قائد حاميتها «إرميا» في صف العُثمانيين ضدَّ أبناء جلدته. دارت بين العُثمانيين والمجريين مُحاربة شديدة تمثَّلت بِعدَّة معارك كانت نتيجتها افتتاح مدينة «كولمباز» الواقعة على شاطئ نهر الطو

    المصدر: wikipedia.org