English  

كتب his artistic career

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

مسيرته الفنيَّة (معلومة)


مع فرقة جورج أبيض

بعد عودته إلى القاهرة، التحق نجيب الريحاني بِفرقة جورج أبيض، الذي كان قد ضمَّ - قُبيل ذلك - فرقته إلى فرقة سلامة حجازي. وكانت أوَّل مسرحيَّة يظهر فيها الريحاني هي «صلاح الدين الأيُّوبي»، وهي ميلودراما تاريخيَّة. وكان جورج أبيض يضطلع فيها بِدور الملك الإنگليزي ريتشارد الأوَّل قلب الأسد، بينما اختير للريحاني دورًا صغيرًا هو ملكُ النمسا، وكان كُل ما عليه أن يفعله هو أن يقف من جورج أبيض موقف المُبارز ويتكلَّم بضع كلماتٍ فقط. وكانت الحرب العالميَّة الأولى قد اشتعلت في ذلك الوقت (سنة 1914م)، وكانت الصُحف والمجلَّات المصريَّة والعُثمانيَّة والأجنبيَّة تنشر صُورًا لِمُلوك وأباطرة الدُول المُتحاربة، ومن بينها صورة الإمبراطور النمساوي فرانس جوزف الأوَّل، فخطر للريحاني أن يتقمَّص شخصيَّة هذا الإمبراطور ما دام دوره هو «ملك النمسا»، فتبرَّج ووضع لحيةً اصطناعيَّة على وجهه، ثُمَّ خرج إلى المسرح حينما حان الوقت، فضجَّ الجمهور بالضحك، ويروي الريحاني في مُذكراته قصَّة هذه الحادثة فيقول: «اندَفَعَ جورج أَبيَض ثَائِرًا مِثلَ رِيتشَارد قَلب الأَسَد، فَفُوجِئ بِمَظهَرِي هَذا. وَتَبَخَّرَت حَمَاسَتُه، وَانطَفَأَت شُعلَتُه، وَأَحسَسْتُ بِأَنَّهُ يُغَالِبُ عَاصِفةً مِنَ الضَّحِك تَكَادُ تَتَفَجَّرُ عَلَى شَفَتَيهِ وَمِن أَسَارِيرِ وَجهِهِ!... كُلُّ ذَلِكَ وَأَنَا وَاقِفٌ فِي مَكَانِي لَا أَبْتَسِمُ وَلَا أُخَالِفُ طَبِيْعَةَ المَوْقِف... أَقُولُ إنَّ جورج أبيض دَخَل ثَائِرًا، وَهُوَ يَصْرِخُ مُرَدِّدًا كَلِمَةَ رِيتشَارد المَأثُورَة: "وَيلٌ لِمَلِكِ النَّمسَا مِن قَلبِ الأَسَد!"... وَلَكِن وَيلٌ إيه وبتاع إيه. مَا خَلَاص مَا خَلَاص، جورج مَا بَاقاش جورج والمسرح بَقَا عيضه، والحَابل اختلط بالنابل زي ما بيقولوا». وعلى أثر ذلك الحادث، فُصل الريحاني من الفرقة، ولم يُصبح بلا عمل فقط، بل إنَّهُ وجد جميع الأبواب مُغلقة في وجهه كذلك.

فرقة الكوميدي العربي والتشارك مع عزيز عيد

بعد فصله من الفرقة، أخذ الريحاني يتردد على المقهى يوميًّا، لِيقضي أوقات فراغه. ولحق به عزيز عيد، الذي ترك هو الآخر فرقة جورج أبيض مع صديقته اللُبنانيَّة روز اليُوسُف، وجلس الاثنان يتشاوران في أمر مُستقبلهما، وسُرعان ما انضمَّ إليهما بعض المُمثلين الذين كانوا يُعانون الإفلاس والبطالة مثلهم، ومنهم: أمين صدقي، واستيفان روستي، وحسن فائق، وعبدُ اللطيف جمجوم، وكانوا جميعًا يتطلَّعون إلى تكوين فرقة جديدة. وذات يومٍ قدَّم لهم ثري من رُوَّاد المقهى عشرة جُنيهات، لِيبدءوا في تكوين الفرقة. فأنشأوا بِهذا المبلغ «فرقة الكوميدي العربي» في صيف سنة 1915م، تحت إشراف عزيز عيد. واستهلَّت الفرقة نشاطها في مسرح «برنتانيا» بِإحدى فارسات جورج فيدو، هي «خلِّي بالك من إميلي» (بالفرنسية: Occupe-toi d"Amélie)‏ وهي من ترجمة أمين صدقي. وأعلن عزيز عيد أنَّ مُشاهدة هذه المسرحيَّة مقصورة على الرجال فقط، إذ ما من سيِّدة مصريَّة مُحترمة كانت - حتَّى ذلك الحين - تجرؤ على حُضور عرض مسرحيَّة تُشيد بِمُغامرات مومس. وعلى الرُغم من طرافة موضوع المسرحيَّة، فإنَّ جُمهور الرجال أخفق في تذُّوق فيدو، لأنَّهُ لم يكن يتقبَّل عرضًا بلا موسيقى. كذلك هاجم النُقَّاد هذه المسرحيَّة بحُجَّة مُخالفتها «لِلواقع والمنطق والأخلاق». وبعد شهرين انتقلت الفرقة إلى مسرحٍ آخر أقل نفقات، وهو مسرح «الشانزليزيه» بِالفجالة. ولم يُكتب لِهذه المُحاولة النجاح، والسبب هو أنَّ فارسات عيد الفرنسيَّة، كانت تخدش حياء الجُمهور. وانخفض دخل الفرقة عمَّا كان عليه في مسرح «برنتانيا»، ممَّا أدَّى إلى توقُّف عُروضها، فاضطرَّ عيد إلى ضم فرقته إلى فرقة عُكاشة في 3 تشرين الثاني (نوڤمبر) 1915م المُوافق فيه 26 ذو الحجَّة 1333هـ، كما كان يفعل مُعظم أصحاب الفرق في ذلك الوقت. وفي نهاية الأمر، حلَّ فرقته، وعاد إلى عمله السَّابق بِفرقة أبيض.

ويرجع فشل مُحاولة عيد الثانية في مجال الكوميديا إلى سببين أساسيين: أولًا شُعور الجُمهور بالخجل أمام فارسات عيد الجريئة. حتَّى إنَّ عنوان إحداها، «يا ستِّي ما تمشيش كده عريانة» (بالفرنسية: Madame ne Marchez Pas Donc Toute Nue)‏ أثار حملة نقد عنيفة في الصُحف والجرائد، إذ خشي البعض - بِوحي العنوان - أن تظهر مُمثلة عارية على المسرح. ثانيًا اعتقاد الجُمهُور أنَّ الميلودرامات الموسيقيَّة وتراجيديَّات جورج أبيض الكلاسيكيَّة هي وحدها الأشكال المسرحيَّة الجديرة بالاحترام، وأنَّ الكوميديا - وبِخاصَّةً الكوميديا المكتوبة بالعاميَّة - لا تستحق الاهتمام. وعلى الرُغم من هذا الفشل، فإنَّ هذه التجرُبة عادت على الريحاني بِفائدةٍ كبيرة، إذ تلقَّى في فرقة عيد تدريباته الفنيَّة الوحيدة في حياته. فتعلَّم فن الإخراج، وتعرَّف على أُسلوب وتقنيَّة الفارس الفرنسي، الذي قُدَّر لهُ أن يكون ذا الأثر الأكبر على أغلب مسرحيَّاته التالية، وأخيرًا تأكَّد الريحاني من أنَّ موهبته التمثيليَّة تتألَّق في الكوميديا، وذلك بعد براعته في تأدية دور «پوشيه» والد إميلي، وقال بالنسبة لِهذا الأمر: «إنَّ نَجَاحي - كَمَا يَقُولُون - فِي هَذَا الدًّور جَاءَ عَجيبًا مُذهِلًا لِي. إِنِّي أُحِبُّ الدّرَامَا وَأُجِيدُهَا، وَمَا تَوَقَّعتُ أَبَدًا أن يَنَالَ تَمثِيلِي لِدَورِ "پوشيه" كُلُّ هَذَا النَّجَاحِ الكَبِير الذي أَحْرَزتُه فِي تِلكَ الليلَة.. وَلَقَد لَفَت نَجَاحِي وَإِقبَالُ الجُمهُورِ وَتَهلِيلِهِ وَصِيَاحِهِ أنظَارَ زُمَلَائِي فِي الفِرقَة، وَخَاصَّةً صَدِيقِي عِيد. وَكَانَ سَبَبًا فِي إِصرَارِ عَزيز عَلَى تَمثِيلِي الأَدوَارَ الفُكَاهِيَّةَ دَائِمًا». على أنَّ الريحاني لم يلبث أن اختلف مع عيد في إحدى المسائل الحيويَّة. فقد كان يرى أنَّ اقتباس المسرحيَّات الفرنسيَّة ينبغي أن يتماشى مع ذوق المُجتمع المصري والعربي والشرقي عُمومًا، ومع عاداته وتقاليده وطباعه، وألَّا تخرج هذه المسرحيَّات مُطابقة لِصُورتها الأصليَّة. واتَّسعت هُوَّةُ الخلاف بينهما، حتَّى اضطرَّ الريحاني إلى ترك الفرقة في شهر نيسان (أبريل) سنة 1916م بعد أن أتمَّ تدريباته، مُكملًا بذلك المرحلة الأولى من حياته في المسرح، مُؤهلًا لِكي يشق طريقه الخاص.

مرحلة «الأبيه دي روز» وكشكش بك (1916 - 1917م)

بانفصال الريحاني عن عزيز عيد تبدأ المرحلة الثانية من حياته الفنيَّة، التي بدأ يلمع فيها كفنَّان كوميدي أصيل، ابتكر ما يُعرف باسم الكوميديا «الفرانكوعربيَّة» أو «الفرانكو-آراب» (بالفرنسية: Franco-Arabe Comédie)‏، كما ابتكر شخصيَّته المشهورة «كشكش بك»، العُمدة الريفي. وحتَّى شهر حُزيران (يونيو) سنة 1916م، كان الريحاني مُتعطلًا، تمضي حياته بلا هدف. وفي مساء أوَّل حُزيران (يونيو) من السنة سالِفة الذِكر، كان الريحاني جالسًا في مقهى مسرح برنتانيا، فأتى شخصٌ يرتدي سترة فاخرة ويمسك عصا ذهبيَّة المقبض وجلس بجانبه وناوله سيجارة دون مُقدِّمات، ولم يتعرَّف الريحاني على هذا الشخص في بادئ الأمر، ولمَّا أمعن النظر فيه تبيَّن أنه استيفان روستي، زميله الذي عانى معه من الشقاء والفقر. وأخذ روستي يُحدثه عن مصدر ثروته، وكيف أنَّهُ بعد انفصاله عن فرقة عزيز عيد، وجد عملًا بِملهى «الأبيه دي روز» الذي كان ملكًا لِشخصٍ يونانيٍّ يُدعى «روزاتي». هُناك كان استيفان روستي يُقدِّم تمثيلات خيال الظل، ويُؤدي مع إحدى المُمثلات مشاهد غراميَّة كوميديَّة خلف ستارة شفَّافة تُضاء من الداخل، فتسقط ظلالهما على الستار. وهذا اللون من التمثيل كان مألوفًا لدى جُمهور الملهى، وكان روستي يتقاضى عن دوره أجرًا مُرتفعًا، بلغ ستين قرشًا في الليلة الواحدة. وطلب الريحاني من روستي أن يجد لهُ عملًا مُماثلًا في «الأبيه دي روز». وكان دور الريحاني في تمثيليَّة خيال الظل بسيطًا للغاية. إذ تُقدم راقصة حسناء مُثيرة - وراء الستار - بِمُصاحبة الريحاني، الذي كان يُؤدِّي دور خادمٍ نوبيٍّ، على رأسه طُربوشٍ مُرَّاكشيٍّ. وكانت الكوميديا تنبعُ أساسًا من التلاعب بِزُر الطُربُوش، أو مُغازلة الراقصة، أو الاستجابة لِحركاتها المُثيرة بِحركاتٍ هزليَّةٍ. وكان أجر الريحاني أربعين قرشًا عن الليلة الواحدة. وهو ما يُعدُّ ثروةً إذا ما قورن بِالقرشين أو الثلاثة التي كان يتكسَّبُها في فرقة عيد. وفي تلك الفترة، توافدت الجُيوش الأوروپيَّة الحليفة على مصر، بعد أن فشلت حملة ترعة السويس الأولى من قِبل الجيش العُثماني لِإخراج البريطانيين من مصر وتمهيدًا للزحف على ما تبقَّى من الممالك العُثمانيَّة في الشَّام والعراق، فصار مُعظم رُوَّاد ملهى «الأبيه دي روز» من الجُنود الأجانب. ورأى الريحاني أنَّ الوقت قد حان لِكي يهجر دوره في تمثيليَّة خيال الظل الهابطة، فأقنع «روزاتي» - صاحب الملهى - بأن يسمح لهُ ولِروستي بِتقديم كوميديا قصيرة من فصلٍ واحدٍ بالفرنسيَّة. إلَّا أنَّ هذه الخُطوة لم تنجح، إذ أنَّ كُل ما كان يحرص عليه الرُوَّاد - من مصريين وأجانب - هو مُشاهدة الحسناوات من راقصاتٍ ومُغنياتٍ على منصة العرض. وما أن كان تمثيلُ المسرحيَّة الفرنسيَّة يبدأ، حتَّى كان المُشاهدون يُديرون ظُهورهم لِلمنصة ويتبادلون الأحاديث.

وذات يومٍ - من صيف سنة 1916م - خطرت للريحاني فكرة جديدة، في وقتٍ حلَّ به الإرهاق بِسبب جُهوده المُستميتة، وانتابه فيه إحساسٌ مريرٌ بالخيبة لِإعراض الجُمهور عنه. وكانت هذه الفكرة هي شخصيَّة «كشكش بك». وقد تضاربت الآراء في تفسير نشأة هذه الشخصيَّة. فبعض الباحثين قال أنَّ الفكرة مأخوذة عن الكاتب أحمد شفيق المصري، وقال آخرون أنَّ «كشكش» هذا مُستوحى من شخصيَّةٍ «ساتيريَّة» تحملُ نفس الاسم، جاء ذكرها في صحيفةٍ معروفةٍ في تسعينيَّات القرن التاسع عشر الميلاديّ، وهي «حمارة منيتي». وهُناك رأيٌ ثالث يُرجع شخصيَّة كشكش إلى عُمدة مُشابه جاء ذكره في كتاب «حديث عيسى بن هشام» الذي ظهر سنة 1907م. وتقول روز اليُوسُف إنَّ الريحاني أخذ شخصيَّة كشكش من ميلودراما قصيرة بِعنوان «القرية الحمراء» أخرجها عيد سنة 1917م. واسم «كشكش» - كما قالت روز اليُوسُف - هو اسمُ التدليل الذي كانت تُنادي به الريحاني صديقته الفرنسيَّة «لوسي دي فريزني». أمَّا الريحاني نفسه فقال أنَّهُ ابتكر شخصيَّة كشكش من خِلال تجارُبه مع عُمد الريف، فكثيرًا ما كان يلتقي بهم في أثناء عمله بالبنك الزراعي، عندما كانوا يترددون عليه لِلحُصول على قُروض، بعد فقدهم أموالهم أو تعرُّضهم للاحتيال في المدينة، على أن تُسدد القُروض بعد عودتهم إلى قُراهم أو تُقيَّد كدينٍ يُخصم من ثمن محصول السنة التالية. فخطر بباله أن يبتكر عُمدةً عجوز شهواني، محبوبٌ لِطيبته وسذاجته ومرحه وشغفه بالحياة، يرتدي الجبَّة والقفطان والعمامة، وفد حديثًا من الريف إلى القاهرة وبجُعبته الكثير من المال، فالتفَّ حوله فريقٌ من الحِسان أضعن ماله، وتركنه مُفلسًا، فيعود إلى قريته يعضُّ بنان الندم، ويُقسم أغلظ الأيمان بأن يعود إلى رُشده، وألَّا يعود إلى ارتكاب ما فعل. فهو إنسانٌ فيه براءة الريفيين وخفَّتهم الفطريَّة، وعلى الرُغم من مكره ودهائه إلَّا أنَّهُ بريءٌ من زيف المدينة وخداعها ونفاقها.

وفي أوَّل شهر تمُّوز (يوليو) - من تلك السنة - كتب الريحاني وأخرج أولى مسرحيَّات «كشكش بك» بِعنوان «تعالي لي يا بطَّة»، التي استغرق عرضها عشرين دقيقة، وكان يشعرُ بالقلق الشديد مخافة فشلها. ولكن لم يكن هُناك ما يدعو للقلق، فقد ابتهج جُمهُور حفل الافتتاح، ورفع روزاتي أجر الريحاني الذي تعهَّد بِإخراج مسرحيَّة جديدة كُل أُسبُوع. فأخرج بعد «تعالي لي يا بطَّة» مسرحيَّتيّ «بِستَّة ريال» و«بُكره في المشمش». وسُرعان ما ذاعت أنباء هذه المسرحيَّات وتهافت الناس على مُشاهدتها، ممَّا دعا روزاتي إلى فرض رسم لِدُخول الملهى، كما رفع أجر الريحاني إلى سبعة وعشرين جُنيهًا في الشهر. وتألَّفت مسرحيَّات الريحاني المُبكرة من أحداثٍ كوميديَّة بسيطة، تتخلَّلُها أغانٍ ورقصات، وحوارها مزيجٌ من العربيَّة والفرنسيَّة والإنگليزيَّة، بحيثُ يقع سوء تفاهم لفظي مُضحك. ويُعدُّ هذا الأُسلوب من أهم عناصر الإضحاك في المسرحيَّات الفرانكوعربيَّة. وقد كان حفل السهرة عبارة عن عرضٍ حافل بالمُنوَّعات، واشتمل القسم الأوَّل منهُ على عُروضٍ راقصة، وأغانٍ إفرنجيَّة، وينتهي بِمسرحيَّة كشكش بك. وكان عرض الملهى الترفيهي يستمر من حوالي الساعة التاسعة مساءً حتَّى مُنتصف الليل. وقد لاحظ الريحاني أنَّ المقاعد كانت تمتلئ تمامًا في الساعة الحادية عشرة، وهو موعد بدء المسرحيَّة. ولمَّا كانت تقاليد ذلك الوقت لا تسمح للنساء بارتيادالملاهي أو المسارح بِصُحبة الرجال، فقد فكَّر روزاتي في تقديم حفلات نهاريَّة خاصَّة بالسيدات، كما كان مُتبعًا في المسارح. وفي مُنتصف شهر تشرين الأوَّل (أكتوبر)، ظهر إعلانٌ في جريدة الأهرام ينص على أنَّ إدارة الملهى ستعرضُ مسرحيَّة «بُكره في المشمش» خصيصًا للسيدات يوم 17 تشرين الأوَّل (أكتوبر)، وأنَّ المُؤلِّف ومُؤدي دور كشكش بك هو «نجيب أفندي الريحاني». فكانت تلك أوَّل مرَّة يظهر فيها اسم الريحاني في الصُحف، فسُرَّ سُرورًا كبيرًا ولم يُصدِّق ما رآه بادئ الأمر، فقام بشراء أكثر من عشر نُسخ من الجريدة، تعمَّد أن يضع إحداها مفتوحة على الإعلان أمام والدته في صباح اليوم التالي، غير أنَّها نظرت إليه بامتعاض بعد أن قرأت الإعلان، ووضعت الجريدة جانبًا ولم تُعلِّق، ما زاد من حُزنه وإحساسه بأن نجاحه لم يكتمل بعد، فهاهو اسمه في أكبر جريدة مصرية، مكتوبٌ إلى جوار الباشوات والوُجهاء، لكنه لم يزل في نظرها «مُشخصاتي». تطلَّب إخراج مسرحيَّة جديدة - كُل أُسبوع - جُهودًا شاقَّةً من الريحاني. غير أنَّ شعبيَّة هذه المقاطع الاستعراضيَّة، جعل عرضها يمتد إلى أُسبوعين، ممَّا أتاح لِلمُؤلِّف المُخرج المُتعب فُرصة الرَّاحة. ومع ذلك فكَّر الريحاني في الاستعانة بِأمين صدقي، مُترجم فرقة عزيز عيد، كما قام بِتنمية فرقته الصغيرة المُؤلَّفة من استيفان روستي وعبدُ اللطيف المصري بأن ضمَّ إليها: كلود ريكانو وعبدُ اللطيف جمجوم، وهُما من فرقة عيد القديمة. وكان صدقي كاتبًا موهوبًا، غزير الإنتاج، ابتكر عدَّة شخصيَّات منها «أم شولح» حماة كشكش بك، التي كان يُؤدي دورها بنفسه. وفي أواخر سنة 1916م، قدَّم الريحاني أربع مسرحيَّات جديدة، هي على التوالي: «خلِّيك تقيل!»، و«هزِّ يا وز»، و«إدِّيلو جامد»، و«بلاش أونطة». وكان للمسرحيَّة الأخيرة أثرٌ في ذاكرة الريحاني من حيث أنها خففت عنهُ بعض حُزنه جرَّاء عدم شُعور والدته بالفخر من إنجازاته، فبينما كان يتنزَّه في حديقة الأزبكيَّة في إحدى الأيَّام سمع مُصادفةً من بعض النساء المُتنزهات - اللواتي يبدو إنهنَّ كُنَّ من بين من حضرن الرواية - لحنًا كُنَّ يُنشدنه من ألحان رواية «بلاش أونطة»، وما أن انتهين حتَّى تعمَّد أن يمشي أمامهنَّ، فسمعهنَّ يُشرن إليه ويتحدثن عنه، وما إن ابتعد عنهنَّ حتَّى وقف ونظر خلفه وقال: «تعالي يا أُم توفيق اسمعي. شوفي الأملة اللي فيها ابنك المشخصاتي... النَّاس بتشاور عليه في الشَّارع». صادفت مسرحيَّات الريحاني سالِفة الذِكر نجاحًا كبيرًا، حتَّى أنَّ ملهى «الكازينو دي پاري» بادر بِتقليدها، وعندئذٍ أصرَّ الريحاني على رفع أجره. لكنَّهُ حين طلب زيادةً أُخرى - قدرُها ثلاثة جُنيهات - رفض روزاتي، فترك الريحاني «الأبيه دي روز». ولم تكن قد انقضت عدَّة أشهر - من أواخر الصيف إلى أوائل الشتاء - حتَّى ارتقى الريحاني من مُمثل صغير إلى مُؤلِّف مشهور ونجم لامع، وعلى أثر ذلك قرَّر أن يعمل لِحسابه الخاص.

في مسرح «الرينيسانس»

نظَّم الريحاني فرقته، بِوصفه مُمثلًا - مُديرًا، وانتقل إلى مسرحٍ صغيرٍ سعة مائتي مقعد يقع في شارع بولاق، هو مسرح «الرينيسانس» الذي كان ملكًا لِيُونانيّ يُدعى «ديموكُنگس»، وكان يستثمرُ أموالهُ في الفرقة. وقد وكَّل إليه الريحاني مُهمَّة الإشراف على ميزانيَّتها، نظير حُصوله على نسبةٍ مُرتفعة من الأرباح. وارتفع أجر الريحاني إلى 120 جُنيهًا في الشهر. وفي 18 كانون الأوَّل (ديسمبر) 1916م المُوافق فيه 23 صفر 1335هـ، بدأت مرحلة جديدة من حياة الريحاني الفنيَّة كمُمثل ومُدير فرقة، ففي هذا اليوم نشرت جريدة الأهرام إعلانًا مفاده أنَّ الريحاني مع جوقه سيعرض رواية «إبقى قابلني!» في «تياترو الرينيسانس»، وأنَّ هذه الرواية «قابلة لِحُضور العائلات والسيِّدات» كونها عبارة عن «تسلية بريئة» لا أكثر. وقد أدرك الجُمهور مغزى عنوان المسرحيَّة الأولى «إبقى قابلني!»، وهو فيما يبدو عديم المعنى، إلَّا أنَّهُ يتهكم علنًا من روزاتي، الذي كان يُريد أن يمنع الريحاني من أداء شخصيَّة «كشكش بك» بِدعوى أنَّهُ - أي روزاتي - هو صاحب هذه الشخصيَّة بِحُكم أنها ظهرت أولًا في «الأبيه دي روز»، لكنَّ المحكمة رفضت دعواه. وقد مُثِّلت «إبقى قابلني!» في شهر كانون الثاني (يناير)، ثُمَّ تلتها «كشكش في باريس» في شُباط (فبراير)، و«أحلام كشكش بك» في آذار (مارس)، ثُمَّ «وداع كشكش بك»، و«وصيَّة كشكش بك» في نيسان (أبريل). وهُنا انتهى عقد الريحاني بِمسرح الرينيسانس، بعد أن استغرق عمله فيه أربعة أشهر، وكان موسمًا على قدرٍ كبيرٍ من الأهميَّة، لأنَّ المسرحيَّات التي عُرضت فيه غدت أكثر نُضجًا من مسرحيَّات ملهى «الأبيه دي روز». ولمَّا كان الريحاني قد عمد إلى شغل مُدَّة العرض كُلَّها - وكانت تبلغ ثلاث أو أربع ساعات، في حين أنَّها في «الأبيه دي روز» ساعةٌ واحدةٌ تُعرض خلالها مسرحيَّة قصيرة - فقد شجَّع أمين صدقي على تأليف مسرحيَّات من فصلين بدلًا من فصلٍ واحدٍ.

مرحلة المسرحيَّة الاستعراضيَّة (1917 - 1920م)

على أثر نجاح الريحاني في عُروض الكوميديا «الفرانكوعربيَّة»، ظهر مُقلِّدون عديدون دأبوا على ابتكار شخصيَّاتهم الكوميديَّة المحليَّة. لكنَّهم كانوا يُمثلون هذه الشخصيَّات على أي نحو، في عُروض مُنوَّعات قوامها الأُغنية والاستعراضات الراقصة، بدلًا من إدماجها في مسرحيَّةٍ كوميديَّةٍ قصيرة. وسُرعان ما تطوَّر هذا اللون من التسلية إلى استعراضٍ عرَّفه مُحمَّد تيمور - رائد النقد المسرحي في ذلك الوقت - بِقوله: «لَيْسَ الرِّيفيُّو غَيرَ مَعرَضَ الحَوَادِثِ الهَامَّةِ التي تَجرِي فِي بَلَدٍ مِنَ البِلَادِ، يَنظُرُ إليهَا المُؤلِّفُ نَظرَةَ الهَازِئ، أو السَّاخِر، ثُمَّ ينقُلها إلى المسرَح مُشوَّهَة تَشويهًا». وقد حظي الاستعراض بِشعبيَّةٍ هائلةٍ، حتَّى أنَّهُ طغى - بين سنتيّ 1917 و1920م - على مجالات الترفيه بالقاهرة. وجرف الريحاني في تيَّاره، وترك بصماته على الكوميديا «الفرانكوعربيَّة» حديثة النشأة. وبالرُغم من أنَّ جورج أبيض وهو أكبر مُمثل - مُدير في ذلك الوقت - كان يُمثِّل بِنجاح تراجيديَّات أوروپيَّة باللُغة العربيَّة الفُصحى، فإنَّهُ انقاد بالرُغم منهُ لِهذه الموجة، فقدَّم استعراضًا غنائيًّا بِعنوان «فيروز شاه» كتبه أديب يُدعى عبد الحليم دلاور. وفي ملهى «الكازينو دي پاري» كان علي الكسَّار يُقلِّد الريحاني بِنجاحٍ كبير. والكسَّار هو مُبتكر شخصيَّة رجل نوبي بربري يُدعى «عُثمان»، كان نموذجًا لِفئة الخدم، وكان يُماثل «كشكش» في نواحٍ عديدة، فهو بسيطٌ وطيِّب لكنَّهُ ماكرٌ مُخادع. وتقليدًا لِمسرحيَّات الريحاني، فقد أطلق الكسَّار على استعراضاته عناوين مُماثلة لِعناوين مسرحيَّات الريحاني، مثل «البربري في باريس». غير أنَّ الريحاني كان أقدر على الفُكاهة من الكسَّار وأرحب خيالًا، وتُعدُّ شخصيَّة «كشكش بك» أكثر أهميَّة من شخصيَّة «عُثمان»، ومع ذلك لم يكن في استطاعة الريحاني أن يصمد لِمُنافسته، طيلة عمل فرقته بِمسرح «الرينيسانس»، الذي لم تسمح إمكانيَّاته الفنيَّة بِتقديم عُروض فخمة، ولم يتمكَّن من ذلك إلَّا بعد انتقاله إلى مسرح «الإجپسيانا» (بالفرنسية: Egyptianna)‏ الذي يفوق «الرينيسانس» اتساعًا، وتدعيم فرقته بِعناصر جديدة وجيِّدة. كان مسرح «الإجپسيانا» - قبل إنشائه - مقهى، وعندما استولى عليه الريحاني في شهر أيلول (سپتمبر) 1917م، أسرع بِتحويله إلى مسرحٍ بدائيٍّ، وكانت أرضه غير مكسوُّة بالبلاط، كما كان سقفه مُغطى بالخيش، وقد رُصَّت به - في صُفوفٍ غير مُنتظمة - مقاعد مصنوعة من قشٍ رخيص. وقد بلغت الفرقة درجةً عاليةً من القُوَّة والتماسُك، كما انضمَّ إليها مُمثلون مشهورون أمثال عبدُ اللطيف جمجوم واستيفان روستي (الذي تخصص في دور الخواجة الأجنبي)، وكلود رينو (في دور الشَّامي)، وعبدُ اللطيف المصري (صاحب شخصيَّة زعرب)، وحسن إبراهيم (مُتخصص في أدوار نسائيَّة)، وحسين رياض. وقد افتتحت الفرقة موسمها في 17 أيلول (سپتمبر) 1917م المُوافق فيه 1 ذو الحجَّة 1335هـ بِمسرحيَّة أكثر نُضجًا، بِعنوان «أم أحمد»، من تأليف أمين صدقي. وتقع هذه المسرحيَّة، على عكس مسرحيَّات صدقي والريحاني التي مُثِّلت في «الأبيه دي روز» في ثلاثة فُصول. وقد رُوعي في تأليفها التسلسُل المنطقي للأحداث، ويحتوي كُل فصل على أُغنيتين. وتدور أحداث المسرحيَّة حول كشكش بك الذي تخلَّى عن دوره التقليدي، عُمدة القرية، لِيُؤدي دور كاتبٍ بسيط، وكانت الأحداث تمضي في عالم ألف ليلة وليلة. وقد أخرج الريحاني - بعد مسرحيَّة «أُم أحمد» - ثلاث مسرحيَّاتٍ قصيرة عن العجوز السوقيَّة، وهي على التوالي: «أُم بكير» و«حماتك بتحبَّك»، و«حلق حوش».

وعلى الرُغم من أنَّ هذه المسرحيَّات لم تكن أقل نُضجًا من الطائفة الأولى، إلَّا أنها لم تصمد لِمُنافسة استعراضات الكسَّار في الملهى. وفي شهر كانون الأوَّل (ديسمبر) 1917م، هبط احتياطي الريحاني إلى خمسين جُنيهًا، فأجرى بعض التغييرات على إدارة الفرقة، مما مكَّنهُ من السيطرة عليها ماليًّا وفنيًّا. فهو أولًا قد استبعد «ديموكُنگس» من إدارة الفرقة، وبذلك استطاع أن يُشرف على 70% من الإيرادات. وثانيًا، وجد الريحاني أنَّ الوقت قد حان لإجراء تحسينات فنيَّة، فإذا لم يتذوَّق الجُمهور ما يطرأ على كوميديَّاته من تطوُّرٍ فنيٍّ، اتجه بِكُل مواهبه إلى تقديم استعراضات فنيَّة رفيعة. وكان الريحاني قد شاهد أحد استعراضات الكسَّار في الملهى، فداخلتهُ الثقة بِقُدرته على إنتاج استعراضات ذات موضوعات جادَّة ومضمون مصري وعربي ومشرقي، تكون أرفع بِكثير من سخافات الكسَّار، وضمَّ إلى فرقته مجموعة من الراقصات والمُغنيات الأوروپيَّات، واستعان بِأوركسترا موسيقيَّة كبيرة، حتَّى يتسنَّى لهُ تقديم استعراضات فخمة. وزوَّد المسرح بالتصميمات اللازمة، كما طلب من أمين صدقي كتابة استعراض جديد يحمل عنوان «حمار وحلاوة». ومن غير المعروف متى بدأ عرض هذه المسرحيَّة، لكن يُرجَّح أنَّ ذلك كان في أوائل شهر كانون الثاني (يناير) 1918م. وقد حققت «حمار وحلاوة» نجاحًا هائلًا، فاستمرَّ عرضها أربعة أشهر. وبلغت أرباح الريحاني وحده - في الشهر الأوَّل - 400 جُنيه. وسرت إشاعة تقول أنَّ الريحاني قد كوَّن ثروةً ضخمة، حتَّى أنَّهُ اشترى ضيعة أسماها «حمار وحلاوة». على أثر نجاح استعراض «حمار وحلاوة» طلب أمين صدقي من الريحاني منحه نسبة من الأرباح، لكنَّ الريحاني رفض. فاستقال صدقي من مسرح «الإجپسيانا»، وألَّف مع الكسَّار فرقة مسرحيَّة، واستأجرا مسرح «الماجستيك» لِحسابهما الخاص. وقد خلف صدقي - في «الإجپسيانا» - شاعر ومُدرِّس شاب يُدعى بديع خيري، ما لبث أن أصبح صاحب الفضل في نجاح استعراضات الريحاني التالية، بِأزجاله الوطنيَّة. ولم يكن ما حبَّب للريحاني أزجال خيري هو موضوعها المصري فحسب، بل راقت له وطنيَّتُها المُتدفقة، في وقتٍ كانت فيه الحرب العالميَّة الأولى قد وضعت أوزارها وأخذت تزداد في مصر مشاعر الكراهيَّة للاستعمار البريطاني. ووجد خيري - في الوقت نفسه - في صُحبة الريحاني فُرصةً للعمل المُثمر والتقدير المادي ولاستخدام مواهبه كسلاح في خدمة النضال السياسي. وقد نجح أوَّل استعراض كتب خيري أغانيه وهو «على كيفك»، حتَّى أنَّ عرضه استمرَّ شهرين ونصف الشهر، وحقَّق أرباحًا قدرها ثلاثة آلاف من الجُنيهات. وكان الريحاني سعيدًا بِجُهود خيري، فرفع راتبه إلى ثلاثين جُنيهًا. وكان هُناك كاتبٌ آخر هو حُسين شفيق المصري - يُعالج حبكة المسرحيَّة - في حين يتولَّى تلحينها الموسيقار الشَّامي كميل شامبير. وقد بثَّ خيري في أزجاله النُكتة المصريَّة التي كان الريحاني شغوفًا بِإظهارها. وبعد أن قرَّر شامبير الانسحاب من الفرقة، أغرى الريحاني موسيقارٌ شاب موهوب هو سيِّد درويش بِترك فرقة جورج أبيض مُقابل أربعين جُنيهًا في الشهر بدلًا من الثمانية عشر التي كان يتقاضاها من أبيض. وخلال هذه الفترة، عُرضت للريحاني عدَّة مسرحيَّات هي على التوالي: «مصر في 1918 - 1920»، و«قولوا له» التي مُثِّلت في أيَّار (مايو) 1919م، و«إش!» في حُزيران (يونيو)، و«ولو!» في تمُّوز (يوليو)، و«رن!» في كانون الأوَّل (ديسمبر)، و«فشر» في أيَّار (مايو) 1920م. وفي تلك الفترة بلغ مسرح «الإجپسيانا» أوج مجده، وقد بلغت أرباح الريحاني - حتَّى نهاية السنة الأولى - 28 ألف جُنيه.

مرحلة الأوپريت (1920 - 1926م)

كان وقود نجاح استعراضات الريحاني هو الاضطرابات السياسيَّة التي عصفت بِمصر وسائر البُلدان العربيَّة المشرقيَّة عقب سُقوط الدولة العُثمانيَّة وإعلان فرنسا وبريطانيا رغبتهما في اقتسام الولايات والأراضي العُثمانيَّة السَّابقة، وما نجم عن ذلك من رُدود فعل شعبيَّة غاضبة ورافضة لِلمُقرَّرات الأوروپيَّة وللهيمنة الاستعماريَّة على بلادها، ومن ذلك ثورة سنة 1919م في مصر، التي ساهم خيري والريحاني وسائر المسرحيين في مصر بإذكاء روحها من خلال الاستعراضات التي كانت تُقام على المسارح، وقام كُلٌ من خيري والريحاني خُصوصًا بِتخصيصها بِوظيفتها في إثارة الكراهيَّة ضدَّ الاستعمار. ومع بداية سنة 1920م خمدت الاضطرابات السياسيَّة التي كانت تُغذي الاستعراضات، وأخذ الجُمهور يتطلَّع إلى شكلٍ من أوپريت أرقى من هذا المُستوى. وقد تبيَّن للريحاني بعد أن سئم اللون الاستعراضي بِسبب شكله غير الدرامي، والقُيود التي فرضها على موهبته في الكوميديا، أنَّ الأوپريت بِفُصولها الثلاثة وبنائها المنطقي وطبيعتها الرومنطقيَّة، هي أنسب شكل فنِّي يُتيح لهُ فُرصًا أفضل لِلعناية بالفكرة والشخصيَّة والحوار، في المشاهد التي تتخلَّلُها أغاني الأوپريت. ولِهذا كان الريحاني يُريد أن يُعالج الأوپريت بِهذا الأُسلوب الذي يُعطي الأولويَّة لِلعناصر الكوميديَّة على العناصر الموسيقيَّة.

وقد كانت جميع أوپريتات الريحاني تقريبًا تعتمد على رواياتٍ من «ألف ليلة وليلة». واستطاع بذلك أن يُحقق عن طريق حبكاتها نموذجًا رومنطقيًّا راقيًا من الكوميديا الخالية من «الفارس». وهُنا بدأت مرحلة الكوميديا الناضجة عند الريحاني، فقد تخلَّى عن شخصيَّة «كشكش بك» والشخصيَّات النمطيَّة، وتقنيَّة الكوميديا الفرانكوعربيَّة، واستخدم بدلًا منها شخصيَّات واقعيَّة، حتَّى لقد تحوَّل اهتمام الريحاني بشكلٍ ظاهرٍ إلى الاستعانة بِنماذج من عامَّة الشعب - كالإسكافي، والترزي، والموسيقار، ونماذج أُخرى من الطبقة العاملة - وإلى مُعالجة قضايا هامَّة أيضًا. وفي تلك الفترة كان جُمهور المسرح يمر بِتحوُّلٍ تدريجيٍّ، وذلك أنَّ رُوَّاد فترة الملاهي من الأجانب وأثرياء الحرب أفسحوا المجال لِطبقةٍ مُتوسِّطةٍ صاعدة من المُوظفين والطلبة والمهنيين المُتعلمين، الذين ازداد إقبالهم على المسرح. كما أخذت الروح الوطنيَّة والقوميَّة تتغلغل بين الناس بعد تفتت الدولة العُثمانيَّة وانفصال الولايات إلى عدَّة دُول مُستقلَّة، فكان رُوَّادُ المسرح لأوَّل مرَّة يرغبون بأن يُخاطبهم المسرح كمصريين. وقد عبَّر عن آمال الجُمهور - في تلك الفترة - طائفة جديدة من نُقَّاد المسرح الذين شغلتهم قضيَّة مُشتركة هي النُهوض بالمسرح الحديث. وكان هؤلاء يتوقون إلى تحرير المسرح من الترجمة والاقتباس عن المسرح الفرنسي الكلاسيكي، وإلى إنتاج مسرحيَّات تُصوِّر الحياة المصريَّة والعربيَّة والمشرقيَّة تصويرًا صادقًا أمينًا، وتهدف إلى ترقية الأخلاق. وقد كان لِهذه الأفكار تأثيرٌ قويٌّ على الريحاني، لهذا أخذت أوپريتاته تتجاوز مرحلة «فارسات» كشكش بك لكي تُعبِّر عن مضمونٍ أخلاقيٍّ ساذج لكنَّهُ لا يتسم أبدًا بالنفاق. وتُعدُّ مسرحيَّة «العشرة الطيِّبة» التي مُثِّلت في شهر آذار (مارس) 1920م، باكورة إنتاج الريحاني في المرحلة الجديدة. وكان قد كلَّف بِترجمتها الناقد والكاتب المسرحي المعروف «مُحمَّد تيمور»، عن مسرحيَّة فرنسيَّة بِعنوان «اللحية الزرقاء» (بالفرنسية: La Barbe bleue)‏، ثُمَّ عهد إلى بديع خيري بِكتابة أزجالها، وإلى سيِّد درويش بِتلحين موسيقاها، وأسند إلى عزيز عيد إخراجها. وكوَّن الريحاني فرقةً جديدةً من كُلٍ من: روز اليُوسُف، ومُحمَّد رضا، وزكي مُراد، ومُنسَّى فهمي، ومُختار عُثمان، واستيفان روستي، وبرلنتِ حلمي، ونازلي مزراحي. كما استأجر مسرح «كازينو دي پاري» لِمُدَّة سنة بِمبلغ ألف جُنيه، واشترى مجموعة فخمة جديدة من الملابس والمُهمَّات والأثاث. ولم تنجح «العشرة الطيبة» برُغم ما توفَّر لها من مزايا، فقد انزلق الريحاني وزُملاؤه إلى فخٍ سياسيٍّ عندما سخروا من الأتراك في ذلك الوقت بالذات، بعد هزيمة الدولة العُثمانيَّة في الحرب العالميَّة الأولى، وبعد أن تجلَّى أنَّ البريطانيين كانوا - في سنة 1920م - أكبر عقبة في سبيل استقلال مصر، وأنَّهم يفعلون الأمر نفسه في فلسطين والعراق وتُركيَّا، إذ فرضوا احتلالًا على تلك البلاد كما في مصر، كما كانت الأفكار في مصر ما زالت تحن وتعطف على الدولة العُثمانيَّة السَّابقة، ولمَّا تضافر عامل الاحتلال البريطاني لِمصر مع كون البريطانيين أقوى عامل في هزيمة العُثمانيين، انحازت عواطف الشعب المصري إلى تُركيَّا، ولم تعد السُخرية من الأتراك أمرًا مقبولًا. لِذلك استغلَّ خُصوم الريحاني الموقف، وراحوا ينشرون الخبر بأنَّهُ «دسيسة بريطانيَّة»، وأن القصد من عرضه لرواية «العشرة الطيبة» هو تجسيم مساوئ العُثمانيين في عين المصريين، وتقريب البريطانيين لِقُلوبهم، أو أي إساءة للتُرك، ولم تكن تمر ليلة إلَّا ويقف في إحدى مقاصير «كازينو دي پاري»، أثناء التمثيل، أو في فترة الاستراحة، خطيب يُنادي بالويل والثُبور وعظائم الأُمور، ويهتف بِسُقوط الريحاني. وكثيرًا ما كان يقف بين المُتفرجين بعض العُقلاء والمُتنورين، فيرُدون على تلك التُهم ويُهدؤون من روع الهاتفين.

تركت هذه الأحداث أسوأ الأثر في نفسيَّة الريحاني، فقرَّر الابتعاد عن الجُمهور المصري قليلًا. وفي بداية الموسم الشتوي لِسنة 1920م، جمع الريحاني أعضاء فرقته القديمة وشرع في تقديم مسرحيَّات «كشكش بك» الأولى في جولةٍ في بعض الأقطار العربيَّة. وكان يأمل من وراء هذه الرحلة رفع معنويَّاته، بالإضافة إلى تحقيق ربحٍ ماديٍّ. لكنَّهُ تبيَّن بعد وصوله إلى الشَّام أنَّهُ لن يُحقق أهدافه. فقد كان لدى الشوام في لُبنان ودمشق نسخة عن «كشكش بك» هو «كاشكاش» الذي كان يُمثِّل دوره أمين عطا الله، الذي لعب دور «الشيخ ينسون» مع الريحاني في المسرحيَّات الاستعراضيَّة سابقًا. ولم يكن أمين عطا الله قد سطا على ابتكار الريحاني فقط، بل إنَّهُ انتحل أيضًا مسرحيَّاته. وكان تمثيل عطا الله لِشخصيَّة كشكش مُوجهًا لِلجُمهور الشَّامي: فهو يتحدَّث بِلهجةٍ لُبنانيَّة تارة ودمشقيَّة تارةً أُخرى، ويرتدي الملابس المألوفة لدى الشوام بدل زي العُمدة الريفي المصري. لِهذا لم يلقَ «كشكش» الريحاني استجابةً أو قُبولًا لدى الشوام، بل إنهم اتهموا الريحاني بِتقليد أمين عطا الله. وبرُغم ذلك، فقد حقَّقت رحلة الريحاني إلى الشَّام نتيجةً طيِّبةً في جانبٍ آخر، ذلك أنَّهُ التقى في مدينة زحلة البقاعيَّة في لُبنان بامرأةٍ جميلة، تُدعى بديعة مصابني، أغراها بالانضمام إلى فرقته واتخذها خليلةً له، وعاد معها إلى مصر. ولم يكن الحظ حليف الريحاني بعد عودته إلى مصر، في أوائل سنة 1921م. فقد رفع عليه «ديموكُنگس»، صاحب مسرح «الإجپسيانا» اليوناني، دعوى قضائيَّة يُطالبه فيها بِتعويضٍ عن الخسائر التي لحقته بِسبب غياب فرقته عن المسرح. واستغرق نظر الدعوى شهرين، وصدر الحُكم في النهاية لِصالح الريحاني. وقد أعاد الريحاني تقديم المسرحيَّات الفرانكوعربيَّة في الفترة الباقية من الموسم، كما قدَّم بضع حفلات من أوپريت «العشرة الطيِّبة».

وفي سنة 1921م، أخرج الريحاني ميلودراما من أعنف ما شهد المسرح المصري، بِعنوان «ريَّا وسكينة». وتتناول هذه المسرحيَّة قصَّة عصابة القتل التي اكتُشفت في العام نفسه، وكانت تتزعمها ريَّا وسكينة علي همَّام، اللتان كانتا تستدرجان النساء إلى وكرهما، حيثُ تسرقان حليهنَّ، ثُمَّ تقتُلاهُنَّ بالتعاون مع زوجيهما (حسب الله سعيد مرعي زوج ريَّا، ومُحمَّد عبدُ العال زوج سكينة). ويروي الريحاني أنَّهُ قام بإخراج هذه المسرحيَّة بعد أن أصبحت ريَّا وسكينة حديث الناس أجمعين، وبِسبب مُيوله الطبيعيَّة للدراما عوض الكوميديا، وقد نجحت تلك المسرحيَّة نجاحًا باهرًا، بحيثُ يقول الريحاني أنَّهُ كان يسمع النحيب والبُكاء صادرين من الناس عند العرض. لكن على الرُغم من ذلك، تعرَّض الريحاني لِمُشكلةٍ مُلحَّة خلال تلك الفترة، فقد انخفض دخله كثيرًا، حتَّى اضطرَّ في أوائل سنة 1922م إلى توقيع عقد مع إحدى شركات السجائر لِتمويل فرقته لِمُدَّة ثلاثة أشهر، نظير استغلال إسمه في الإعلانات. وظلَّ الريحاني يُقدِّم عُروضه من شهر آذار (ماس) إلى أيَّار (مايو)، على مسرح «كونكورديا» بالإسكندريَّة. وفي تلك الفترة أخذ اسم بديعة مصابني يتردد مع اسم الريحاني. وعند انتهاء العقد، قرَّر الريحاني القيام بِرحلةٍ أُخرى إلى الشَّام، يُراوده نفس الأمل في تنمية إيراداته. وشجَّعه على ذلك عدم توافر مسرح يعمل به بالقاهرة. ذلك أنَّ «ديموكُنگس» صاحب «البرنتانيا» - وهو الاسم الجديد لِمسرح «الإجپسيانا» - كان قد قرَّر تأجير مسرحه لِلفرق المسرحيَّة الأجنبيَّة. ولم يسمح للريحاني بالعمل به، إلَّا في الفترات التي تتخلل العُروض الصيفيَّة. فلم يكن أمام الريحاني من خيارٍ سوى أن يقوم بِرحلةٍ إلى الشَّام. وكان الريحاني بِحاجةٍ إلى نسيان صدمة من أقسى صدمات عُمره، وهي اختفاء أخيه الأصغر فجأة، دون أن يُعثر لهُ على أثر، ثُمَّ وفاة أُمِّه في نفس الفترة تقريبًا. ولم تؤدِّ هذه الرحلة إلى نتيجةٍ أفضل مما أتاحته الرحلة الأولى. فقد ظلَّت المتاعب تؤرقه، وساءت حالته الماديَّة، مما جعلهُ يُفكِّر باعتزال المسرح، حتَّى علم أنَّ مُمثلًا شابًا يُدعى يُوسُف وهبي قد عاد لتوِّه من إيطاليا، حيثُ درس التمثيل، وشرع في تكوين فرقة جديدة، يتَّبعُ فيها أُسلوبًا مسرحيًّا جديدًا هو «الميلودراما». ولم يكن مُخرج فرقة وهبي الجديدة سوى عزيز عيد. عندئذٍ قرَّر الريحاني على الفور أن يعود إلى مصر، وأن يُواجه هذه المُشكلة الوشيكة. وكانت أوَّل مُشكلة صادفت الريحاني بعد عودته إلى القاهرة، في شهر كانون الثاني (يناير) 1923م، هي العُثور على نص. وذات يومٍ حدثت مُفاجأة مُدهشة، إذ قدَّم لهُ بديع خيري أوپريت مُقتبسة من قصَّة «علاءُ الدين والمصباحُ السحريّ»، وأخبر الريحاني بِأنَّهُ كتبها بالاشتراك مع شقيقه (أي شقيق الريحاني) مُنذ بضعة شُهور، وأنَّهُ كان مُترددًا في عرضها عليه. وعندما طالعها الأخير، وجد أنَّها حائزة لِإمكانيَّات العرض، بِرُغم مشاهدها الخمسة والثلاثين، وقام هو وخيري بِمُعالجتها في صورةٍ أفضل. وعندئذٍ تبيَّن للريحاني أنَّ خيري يتمتع بِمقدرةٍ فذَّة في تصوير الحياة المصريَّة وصياغة اللهجات المحليَّة. وأضاف الريحاني إلى هذه الموهبة، موهبته في رسم الشخصيَّات وكتابة الحوار، فضلًا عن خفَّة ظلِّه وتقنيَّاته وأفكاره المُبتكرة. وبهذا، أصبح بإمكان الريحاني الشُروع في خلق كوميديا مصريَّة صميمة.

نجحت المسرحيَّة سالفة الذِكر بِمُجرَّد عرضها، وأحبَّ الجمهور بديعة مصابني، كما أثنى على مناظر المسرحيَّة وملابس المُمثلين الرائعة وعلى طابعها العربي. وعندما ظهر الريحاني على المنصَّة في ليلة الافتتاح، استقبلهُ الجُمهور بِعاصفةٍ من التصفيق. وفي 24 أيَّار (مايو) 1923م أخرج الريحاني أوپريت جديدة تحمل عنوان «الشاطر حسن»، وكانت هي الأُخرى مُقتبسة عن «ألف ليلة وليلة». وفي 4 شُباط (فبراير) 1924م، قدَّم الريحاني أوپريت جديدة هي «البرنسيس» التي تقترب أكثر من الكوميديا الخالصة، بِرُغم ما فيها من شوائب ميلودراميَّة. وكانت هذه الأوپريت غير مُقتبسة من «ألف ليلة وليلة»، إنَّما تقع أحداثها في صالة غُرفة استقبال عصريَّة في القاهرة، وتُمثِّل شخصيَّاتها الواقعيَّة قطاعًا من البُرجوازيَّة الكبيرة والصغيرة، كما تتناول قصَّتها الخيانة وأهميَّة المال لِتحقيق السعادة الزوجيَّة. وعكست تلك المسرحيَّة بما تضمَّنته من عواطف حارَّة ومغزى أخلاقي اهتمام الريحاني البالغ بِمسائل الثراء والزواج والخيانة، التي كان مصدرها جوانب مُعينة من حياته الخاصَّة في ذلك الوقت، إذ يذكر في مُذكراته أنَّهُ مرَّ بِصدمةٍ شخصيَّةٍ قاسية سنة 1923م، فسَّرها ابن شقيقه «بديع الريحاني» بأنَّها صدمة اكتشاف خيانة بديعة له. وفي شهر شُباط (فبراير) أيضًا، أخرج الريحاني أوپريتين جديدتين هُما: «أيَّام العز» و«الفلوس»، ثُمَّ «مجلس الأُنس» في شهر نيسان (أبريل). والأوپريت الأخيرة - في تلك السنة - هي «لو كُنت ملك»، فقد انتهى عقدالريحاني مع مسرح «برنتانيا» في شهر تمُّوز (يوليو). ذلك أنَّ خلافًا دبَّ بين الريحاني والحاج حفني مُدير المسرح، رفض الأخير على أثره تجديد العقد، بل إنَّهُ أخذ يُطالبه بِدفع أُجور الحفلات النهاريَّة، التي كان الريحاني قد وافق على سدادها، حتَّى لو أُلغيت هذه الحفلات لِعدم إقبال الجُمهُور. ولمَّا لم يكن الريحاني قادرًا على سداد المبلغ المطلوب، وقدره 720 جُنيهًا، فقد اضطرَّ إلى ترك ديكوراته وملابسه. كُل هذا أفضى بالريحاني إلى حالةٍ نفسيَّةٍ سيئة، ممَّا جعله يُفكِّر بِالقيام بِرحلةٍ جديدةٍ، كما اعتاد أن يفعل - من قبل - في مثل هذا الموقف، مُتطلعًا من وراء رحلته إلى تحقيق أهدافٍ ترفيهيَّةٍ وماديَّةٍ. وكان قد علم أنَّ أمريكا الجنوبيَّة تضم جالية عربيَّة ضخمة، سوف تُرحِّب بِقُدوم فرقةٍ عربيَّةٍ كفرقته. وقبل أن يُبحر الريحاني، اتخذ قرارًا آخر يفوق الأوَّل أهميَّة، وهو أن يتزوَّج بديعة مصابني. وكانت عندما أبدى رغبته في إتمام الزواج منها تُقيم مع صديقها الثري في مسكنه. فتوجَّه إليها، وطلب منها أن تنصرف معهُ لِيتزوَّجها، ووافقت بديعة لكنَّها - كما تروي في مُذكراتها - كانت تعُد هذه الزيجة تنطوي على تضحية من جانبها، لأنها سوف تحرمها من الحياة الرغدة التي كان يُوفرها لها صديقها، من أجل حياة بوهيميَّة غير مُستقرَّة تعيشها كزوجة للريحاني. وفي 11 أيلول (سپتمبر) 1924م، المُوافق فيه 12 صفر 1343هـ تمَّ زواجهما. وفي أواخر سنة 1924م، أبحر الريحاني وزوجته إلى البرازيل، وبصُحبته بعض أعضاء فرقته على ظهر السفينة «غاريبالدي».

كانت مُفاجأة سارَّة للريحاني إذ اكتشف أنَّهُ معروفٌ للشِّوام في ساو پاولو وغيرها من المُدن البرازيليَّة، بل وجد لديهم نسخهم المحليَّة من «كشكش بك» أيضًا. ففي البرازيل كان جورج استاتي السوريّ الأصل يُمثِّل مسرحيَّات الريحاني القديمة، وقد أطلق على نفسه «كشكش البرازيلي». وفي الأرجنتين كان يوجد كشكش آخر يُمثله جُبران الطرابُلسي. أمَّا كشكش بك الحقيقي وعروسه فقد استُقبلا بِحفاوةٍ في ريو دي جانيرو ومونتڤيدو، ومثَّلت الفرقة في هاتين المدينتين فُصولًا من أوپريتات المواسم الماضية. وفي أثناء عودة الريحاني وعروسه، توقفا في باريس، حيثُ أمضيا أُسبوعين، أنفقا خلالهُما مُعظم أرباحهما. وعاد الريحاني وبديعة في 25 تشرين الأوَّل (أكتوبر) 1925م المُوافق فيه 8 ربيع الآخر 1344هـ، بعد حوالي سنة من مُغادرة مصر، وكان في انتظارهما بِميناء الإسكندريَّة أمين صدقي، الذي كتب لِلريحاني مسرحيَّات «الأبيه دي روز». وكان صدقي قد اختلف مع الكسَّار، وأبدى رغبته في مُعاودة نشاطه مع الريحاني، ووافق الريحاني، لِأنَّ بديع خيري - الذي كان مُختصًّا بِكتابة مسرحيَّات فرقة الريحاني - كان مُنشغلًا بِتأليف أوپريتات الكسَّار. فاشترك الريحاني مع صدقي في تكوين فرقة للأوپريت، مقرُّها «دار التمثيل العربي». وترجم صدقي أوپريتتين فرنسيتين شائعتين بباريس هُما: «الليل والنهار» (بالفرنسية: Le Jour et la Nuit)‏، التي اقتبسها باسم «قُنصل الوِز»، ومُثِّلت في كانون الأوَّل (ديسمبر) 1925م. والثانية هي «La Vingt huit jour de clarette» التي اقتبسها بِعنوان «مراتي في الجهاديَّة»، وقد مُثِّلت بعد فترةٍ قصيرة من تمثيل الأولى. وفي ليلة افتتاح «قُنصل الوِز» استقبل الجُمهور الريحاني استقبالًا حارًّا. ولم يدم التعاون بين الريحاني وصدقي طويلًا، فقد انفصلا بعد شهرين في شُباط (فبراير) 1926م. وفي نفس الفترة، تشاجر الريحاني مع بديعة وانفصل عنها، وذهب كُلٌ منهُما إلى حال سبيله. فافتتحت بديعة صالتها الخاصَّة وكانت قد اشتهرت في ذلك الحين كمُغنية وراقصة. أمَّا الريحاني فقد مضى في طريقٍ مُغايرٍ تمامًا. وفي تلك الفترة، تضاءلت تلك الشعبيَّة التي كان يتمتَّع بها الريحاني في مرحلة الاستعراض، عندما كان يعمل في الميدان بلا مُنافسة. وأصبح يتقاسم جُمهور المسرح مع الفرق الأُخرى، واضطرَّ أيضًا إلى خزض مُنافسة عنيفة مع يُوسُف وهبي الذي أدخل عن طريق الميلودراما اتجاهًا وأُسلوبًا جديدين في المسرح المصري، مُنذ أن شرع يُقدمها على المسرح سنة 1923م. وسُرعان ما أصبحت الميلودراما أكثر الألوان شعبيَّةً في المسرح المصري، في مُنتصف عشرينيَّات القرن العشرين الميلاديّ. ولمع اسم يُوسُف وهبي كأشهر مُمثلي تلك الفترة بلا مُنازع. ولمَّا لم تصمد أوپريتات الريحاني أمام مُنافسة ميلودرامات وهبي، فقد قرَّر أن يلقى وهبي على أرضه.

مرحلة الفوضى الفنيَّة (1926 - 1931م)

لم يقم الريحاني بِنشاطٍ مُنتظم بين سنتيّ 1926 و1931م. فقد تاه فجأةً خط النُموِّ المُطرد لِأعماله، وسط جوٍّ مشحون بالاضطراب الفنِّي والمتاعب الماديَّة والأزمات العاطفيَّة. وقرَّر الريحاني وقتها أن يهجر الكوميديا إلى الميلودراما، بعد أن أخذت تشق طريقها بِنجاحٍ مُتزايدٍ مُنذ أن تبنَّاها يُوسُف وهبي. وكانت هي الأُخرى قد ظهرت في أعقاب الثورة الوطنيَّة، في وقتٍ بدأ المصريُّون فيه يُدركون معنى المُساواة الاجتماعيَّة. ومُنذ أن هبطت الميلودراما بالانفعالات والأحداث إلى مُستوى الإنسان العادي، فقد صادفت استجابةً فوريَّةً في نُفوس الجماهير. فلِأوَّل مرَّة في تاريخ المسرح الجاد في مصر، تُشاهد الطبقة المُتوسِّطة صورتها في مسرحيَّات اجتماعيَّة مُعاصرة. وكان يُوسُف وهبي هو أوَّل من قدَّم للجُمهور المصري أوَّل دراما اجتماعيَّة باللهجة العاميَّة. وقد أثنى النَّاس على وهبي في كُل مكان، لا سيَّما في الأماكن التي كان أهلُ الفن يترددون عليها، كمقهى «فينكس» بِشارع عماد الدين، حيثُ كان الريحاني يُمضي أوقاته، بعد انفصاله عن أمين صدقي. وفي الوقت نفسه كان يُفكِّر في اتخاذ قرار بِشأن مُستقبله، إذ لم تكن لهُ فرقة بعد أن حلَّ فرقته قبل سفره إلى أمريكا الجنوبيَّة، ولا بطلة بعد أن تركته بديعة لِتعمل في صالتها، ولا مُؤلِّف لانشغال خيري في كتابة أوپريتات الكسَّار، ولا مسرح لأنَّ «برنتانيا» كانت تشغله المُطربة الشهيرة مُنيرة المهديَّة. وكان الريحاني ما زال يطمح في أن يُصبح مُمثلًا تراجيديًّا، وبخاصَّةً بعد نجاحه في مسرحيَّة «ريَّا وسكينة»، ويبدو أنَّ نجاح وهبي زاده إصرارًا على هذا الأمر. وذات يومٍ، بينما كان الريحاني جالسًا بالمقهى سالف الذِكر، بلغتهُ أنباء بِأنَّ نُجوم فرقة وهبي قد اختلفو

المصدر: wikipedia.org