اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
لَمَّا طلبت حكومة السودان من الشيخ محمد عبده اختيار قضاة السودان الشرعيين، كان الإمام المراغي في مقدمة من اختارهم، فسافر الشيخ الإمام محمد مصطفى المراغي قاضيًا لمديرية دنقلة، وبعد قليل نُقل الشيخ الإمام قاضيًا لمديرية الخرطوم.
وفي هذه الفترة كان الشيخ الإمام المراغي دائم الاتصال بأستاذه الإمام المفتي الشيخ محمد عبده، فقد تبادلا رسائل قيمة في الشؤون الدينية والوطنية، وظلَّ الشيخ الإمام المراغي وفيًّا لأستاذه في حياته وبعد مماته.
وفي سنة 1907م اختلف هو وقاضي القضاة والسكرتير القضائي في وجهة النظر في اختيار المفتشين بالمحاكم الشرعية في السودان، فقدَّم استقالته وعاد إلى مصر.
ومما يُؤثر عنه أن مُرَتَّب القاضي في السودان كان أربعة عشر جنيهًا، غير أنه مُنح زيادة قدرها ستة جنيهات، فرفض قبولها واحتج لدى السكرتير القضائي (منصب يشبه منصب وزير العدل) المستر كارتر، فقال له السكرتير القضائي: إني لأعجب لقاضٍ شرعي يرفض ستة جنيهات علاوة في الشهر، فقال له الشيخ: إن عجبي مثل عجبك من أن القاضي الإنجليزي يتناول خمسين جنيهًا، بينما تستكثر على القاضي الشرعي المصري عشرين جنيهًا، وطلب الشيخ إجازة ثلاثة أشهر، وعاد إلى مصر، وألحَّ عليه السكرتير طالبًا عودته فرفض وقدَّم استقالته.
وفي الثاني من شعبان سنة 1325هـ الموافق التاسع من سبتمبر سنة 1907م عُيِّن مفتشًا للدروس الدينية بديوان عموم وزارة الأوقاف، ولكنه لحبه للبحث والدراسة عاد إلى التدريس بالأزهر مع احتفاظه بوظيفته في الأوقاف.
وفي سنة 1908م زاره سلاطين باشا، وكان وكيلا لحكومة السودان بمصر، وعرض عليه أن يكون قاضي القضاة، فقال له الإمام: إن حكومة السودان أبت عليَّ في العام الماضي وظيفة مفتش بالمحاكم الشرعية، فكيف ترضى اليوم أن أكون قاضي القضاة؟ فأجابه: إن الحكومة اقتنعت اليوم بما لم تكن تقتنع به، وإنني أريد أن أعرف الشروط التي تجعلها أساسًا لقبول هذا المنصب الأخير، فاشترط شروطًا أهمهما:
أن يكون تعيينه بأمر من خديوي مصر (الحاكم المسلم) وأصرَّ على رأيه، وتمَّ له ما أراد، وصدر أمر بتعيينه في 4 من رجب سنة 1326هـ الموافق 1 من أغسطس سنة 1908م. على الرغم من أن السياسة الإنجليزية كانت تُخطط لقطع كل صلة تربط السودان بمصر، لهذا وُلِّيَ القاضي الذي خَلَفَه بأمر الحاكم الإنجليزي.
ولما أرادت حكومة السودان تعديل لائحة المحاكم الشرعية بالسودان، تمسك الشيخ الإمام بأن من سلطته أن يختار للقضاة الآراء الفقهية التي يحكمون بها، وأبى السكرتير القضائي قبول هذا، وأصرَّ الشيخ الإمام المراغي على رأيه، واحتكما إلى الحاكم العام، فنصر الشيخ على خصمه ونفَّذ له ما أراد.
فالشيخ كان يعمل على ترقية القضاء بالسودان، فقد أشرف على القسم الشرعي من كلية (غاردون) وزوده بأساتذة من العلماء المصريين الممتازين من الأزهر ودار العلوم، وبهذا نهض بالقضاة وكرامة القضاء.
ولما اشتدت الثورة بمصر، التف المصريون بالسودان حول الشيخ الإمام المراغي فقاد جموعهم في مظاهرة كبيرة، وأخذ يجمع التوقيعات لتأييد زعامة سعد زغلول وأصحابه والإقرار بأنهم وكلاء الأمة، وهنا ثار حُكَّام الإنجليز بالسودان، فاقترح بعضهم سجنه، واقترح بعضهم اعتقاله ونفيه، ولكن السكرتير القضائي رأى في ذلك خطرًا، ورأى أن يمنحه إجازة عاجلة غير محددة، وبهذا عاد إلى مصر دون أن تلحقه أي إساءة أو يناله أي ضرر.
وبهذا انتهى عمله بالسودان، وكان في هذه المرة ممتدًّا من سنة 1908م حتى سنة 1919م.