اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
ازداد اتصال آل رشيد بالعثمانيين الأتراك من أجل دعم موقفهم ضد عبد العزيز آل سعود، وأخذ العثمانيون الأتراك يمدون سعود بن رشيد بالسلاح والذخيرة، وكانت الدولة العثمانية التركية تعمل جاهدة لضرب النفوذ السعودي عن طريق آل رشيد لعدائها الشديد عبر الحقب التاريخية لآل سعود، ومحاربة للدعوة السلفية.
وكانت الحرب العالمية الأولى، قد اندلعت في في أوروبا في 28 يوليو 1914م. واحتل الإنجليز البصرة، وأخرجوا العثمانيين منها. وأرسلوا موفدهم، الضابط وليام شكسبير وكان الوكيل البريطاني في الكويت، ومعه تفويضات من حكومته، للتباحث مع ابن سعود، الموجود، آنذاك، في القصيم. كما أرسل الأتراك إلى ابن سعود، في بريدة، وفداً، برئاسة الأديب المعروف، محمود شكري الألوسي، مزوداً بمبلغ عشرة آلاف ليرة عثمانية، في محاولة استقطاب ابن سعود في مصلحتهم. وردّ الأمير عبد العزيز الوفد التركي رداً جميلاً. وخاطب شكري الألوسي بقوله: "إن الأمور على ماترى. فلا يمكنني مقاومة الإنجليز، وقد احتلوا البصرة". أمّا الموفد الإنجليزي، الضابط شكسبير، فبقى لدى ابن سعود.
وقرر آل رشيد خوض مجابهة جديدة مع عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل آل سعود. وخرج سعود بن رشيد، يريد القضاء على ابن سعود، بعد ما جهز جيشاً، قوامه ألف وخمسمائة رجل، من الحضر، وألفان وستمائة، من بوادي شمر وثلاثمائة فارس. فاستعد الأمير عبد العزيز للقائه بجيش، قوامه ألف وستمائة فارس مزود بمدفع واحد. خرج بهم من الرياض، وانضم إليه كثير من بوادي مطير والعجمان وسبيع والسهول، ولحقت به حاضرة القصيم. والتقى الطرفان في موضع يعرف بماء جراب شرقي بلدة الزلفي وشمالي الأرطاويّة، وهي أول هجرة منظمة أنشئت لتوطين البدو في نجد، وكان ذلك في 7 ربيع الأول عام 1333هـ، الموافق 24 يناير عام 1915م. واحتدم بينهما القتال. (حتى ذلك الحين قتل زامل السبهان) . ويصعب اعتبار هذه الأرقام صحيحة ، ولكنها تبين على وجه التقريب نطاق العمليات . وكان للبدو في تلك الوقعة دور كبير في أحداثها ونهايتها. فانسحب العجمان وتركوا عبد العزيز آل سعود، وفروا من الوقعة من أجل خذلانه والإمعان في انكساره. وهجم بدو شمر على خيام عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل آل سعود وأمعنوا في نهبها. وهجم بدو مطير على خيام ابن رشيد ونهبوها أيضاً. وماكان على عبد العزيز آل سعود وابن رشيد إلا أن يطاردا البدو ويمعنا قتلاً فيهم من أجل أن يستردا منهم مانهبوه من خيامهما، فاختل بذلك نظام الوقعة وانشغل الطرفان كل في أموره وترتيباته، وتفرقا دون أن يحرز أي منهما انتصاراً على الآخر، وفاز البدو بالغنائم والأسلاب من كلا الجانبين.
وأغار فرسان شمر على ما بقي من معسكرات ابن سعود، وغنموا ما بها. ولحقت الهزيمة بجيش الأمير عبد العزيز، بسبب خيانة العجمان، ولتفوق ابن رشيد، بالأسلحة الحديثة، التي زودته بها الدولة العثمانية.
وكانت عند عبد العزيز عدة مدافع يقود بطاريتها الكابتن شكسبير ، مع أن روايات أخرى تقول أن شكسبير كان مجرد مراقب . ويبدو أن ابن سعود ما كان يريد لإنجليزي أصلا ، ناهيك عن أنه إنجليزي رفض ارتداء الزي العربي ، أن يتواجد ضمن قواته في وقت انتشر فيه أكثر فأكثر تعصب الإخوان . وحاول الأمير إقناع المبعوث البريطاني أن يبقى في الزلفى ، ولكن هذا الأخير أصر على المشاركة في الحملة ، وربما كان يعتقد بأن القضية تمس شرفه ، أو ربما كان ذلك لأجل التأكد من نوايا عبد العزيز والحيلولة دون تنصله عن القتال . وفي أواخر كانون الثاني (يناير) 1915 تصادمت قوات الطرفين قرب بئر جراب شمالي الزلفى . وبدأت معركة استمرت عدة أيام . وتفيد بعض المعطيات أن الشخص الوحيد الذي قتل هو الكابتن شكسبير ، وتفيد معطيات أخرى أن الطرفين فقدا مائة شخص لكل منهما . وكان محاربو عبد العزيز المتأثرون بميول الإخوان تأثرا شديدا يطلقون صيحاتهم الحربية . أما الشمريون الذين يشكلون أساس قوات حاكم حائل فقد كانوا يقاتلون وسط صيحات قبيلتهم الحربية التي تطلقها فتيات حسناوات جالسات على الإبل بشعور مسترسلة . وهذه الوقائع ذات دلالة ليس فقط لأنها تشكل مشهدا صغيرا من حرب نشبت في أوروبا واستخدمت فيها لمدفعية والغازات السامة والطائرات ثم الدبابات . فبالنسبة للجزيرة العربية تجدر الإشارة إلى أن واقع انتقاء صيحات الحربي يبين اختلاف قاعدتي الأميرين : القاعدة القبلية لجبل شمر والقاعدة العربية العامة المستندة إلى التوحيد الوهابي عند الإخوان لإمارة نجد . كان الشمريون يستنهضون بعضهم البعض بصيحات جد قبيلتهم ، أما المحاربون السعوديون فكانوا يستعينون بالجنة الموعودة في حالة الممات . وانتهت المعركة بتعادل الطرفين . إلا أنها جعلت أمير الرياض طوال عامين أوث لاثة يرفض الدخول في حرب كبيرة.
خسر الفريقان، في موقعة جراب، خسائر فادحة. ولم يحقق أي منهما الانتصار الحاسم. وقتل في هذه المعركة الضابط الإنجليزي وليام شكسبير برصاصة قاتلة، أثر أصراره على مرافقة ابن سعود في تلك الحملة. وعاد ابن سعود إلى الرياض.
تمكن شكسبير من إجراء مباحثات سياسية مع عبد العزيز . فوضعا مسودة معاهدة التزم الإنجليز بموجبها بضمان مواقع أمير الرياض في نجد والإحساء وحمايته من الهجمات العثمانية المحتملة من جهة البحر والبر إذا التزم بمساعدة الحلفاء . وتخلى الإنجليز عن سياستهم القديمة لعدم التدخل في الشئون الداخلية لشبه الجزيرة العربية . وألزمت المعاهدة ابن سعود بعدم إقامة علاقات مع البلدان الأخرى بدون مشاورة تمهيدية مع السلطات البريطانية . وتبين الدراسة التي أجراها ترولير لوثائق الأرشيفات الإنجليزي أن عبد العزيز كان يدرك بدقة مضامين السياسة البريطانية في الجزيرة العربية.
فبعد مقارنة النص الأولى للمعاهدة الذي اقترحه الإنجليز مع التعديلات تأكد ترولير من أن جميع اعتراضات أمير نجد تهدف إلى تقوية استقلاليته وتقليل تحكم بريطانيا بسياسته . وعندما كان ابن سعود يتباحث مع شكسبير وصل إلى نجد مبعوثون أتراك كانوا لايزالون يؤملون في اجتذاب الإمام للمشاركة في الجهاد ضد الكفرة .