وقد سجَّل النحاة أكثر من ثلاثين موضعاً يصحُّ فيه الابتداء بالنكرة، والبعض جعلها أكثر من أربعين موضعاً، حتى قيل أنَّ المُلكة وموافقة السليقة واللسان العربي بشكل عام هو المطلوب ليكون المبتدأ نكرة، وقال بذلك سيبويه الذي اشترط حصول الفائدة لجواز الابتداء بالنكرة. ومع ذلك لم يجد النحاة بأساً في عرض كثير من تلك المواضع لما في ذلك من مرانة وإطلاع، وأيضاً لتكون مرجعاً لمن لا يثق بسليقته واستقامة عربيته. ومعظم هذه الحالات تعود في النهاية إلى دلالة النكرة على العموم أو الخصوص. وفي سبيل توثيق كلِّ مواضع الفائدة كَثُرَ الخلاف وعَظِمَ بين النحاة المجتهدين، غير أنَّ هناك مواضع استقرَّ عليها جمهور النحاة، وتكرَّرت بينهم على اختلاف آرائهم وتوجهاتهم النحوية، ومن أكثر هذه الحالات شيوعاً:
- إذا كان الخبر شبه جملة مفيدة متقدمة على المبتدأ، سواءً كانت شبه الجملة من الجار والمجرور، مثل: «فِيِ المُحِيطَاتِ حَيَاةٌ». أو من ظرف ومضاف إليه، مثل: «فَوقَ الشَجَرَةِ طَيرٌ». وبعض النحاة يجعل الخبر من الظرف فقط، وليس شبه الجملة من الظرف والمضاف إليه. ويصحُّ في بعض الأحيان الابتداء بالنكرة إذا كان الخبر جملة كاملة الأركان متقدمة على المبتدأ، مثل: «آلَمَكَ عِتَابُهُ صَدِيقٌ».
- إذا كانت النكرة موصوفة، مثل: «طَيرٌ جَمِيلٌ يُحَلِّقُ عَالِياً». وقد يكون النعت تقديريّاً، مثل: «امتِحَانٌ أَسهَلُ مِن امتِحَانَينِ» وتقدير النعت المحذوف: «امتِحَانٌ وَاحِدٌ أَسهَلُ مِن امتِحَانَينِ». ويُشترط في الوصف أن يكون وصفاً مخصِّصاً ليصحَّ الابتداء بالاسم النكرة الموصوف قبله، فإن لم يكن الوصف مخصصاً لم يصح الابتداء بالنكرة، فلا يقال: «دَرسٌ مِنَ الدُّرُوسِ دَرَستُهُ». وقد يحدث أحياناً أن يُحذف المبتدأ النكرة ويبقى النعت ظاهراً دالاً على المبتدأ المحذوف، ويكثر هذا في الأمثلة التي يكون فيها المبتدأ معروف مشهور، مثل: «مُثقَلٌ استَعَانَ بِذَقنِهِ» ويطلق المثل على من يعتمد ويستعين بمن هو أضعف منه وأقلُّ قدرة، وأصل المثل: «بَعِيرٌ مُثقَلٌ استَعَانَ بِذَقنِهِ»، لأنَّ البعير إذا لم يستطع جسمه النهوض بالثقل استعان بذقنه أي بما هو أضعف.
- إذا كانت النكرة مضافة، مثل: «ثَورَةُ الشَّعبِ أَطَاحَت بِالطَّاغِيَةِ». فبالإضافة تكون النكرة قد أفادت وأصبحت أقرب إلى التعريف. ولا يشترط أن تكون الإضافة ظاهرة، فقد تكون تقديرية، مثل: «سَلَامٌ عَلَيكَ» وتقدير الجملة بعد إظهار المضاف إليه: «سَلَامُ اللَّهِ عَلَيكَ». وبعض النحاة يجد أنَّ المبتدأ النكرة هو في الواقع مُعَرَّفاً إذا أُضيف إلى اسم معرفة، فيكون المبتدأ في المثال السابق مُعَرَّف بالإضافة وليس اسم نكرة، ووفقاً لمن يأخذ بهذا القول فإنَّ الابتداء بالنكرة في هذه الحالة سيقتصر فقط عندما يضاف المبتدأ النكرة إلى اسم نكرة آخر، مثل: «كَلبُ شَخصٍ عَضَّنِي».
- إذا جاء اسم النكرة دَالّاً على العموم، مثل: «كُلٌّ يَحتَرِمُ الشُّجَاعَ». ويرى البعض أنَّ النكرة هنا ليست دالّة على العموم وإنَّما هي مخصوصة بالإضافة المعنوية، فكأنَّ قائل الجملة السابقة عنى بقوله: «كُلُّ أحَدٍ يَحتَرِمُ الشُّجَاعَ» وتخصيص النكرة بالإضافة في هذه الحالة هو السبب للابتداء بها وليس دلالتها على العموم.
- إذا سُبِقَ المبتدأ بأداة نفي أو استفهام، مثل: «هَل مِثَالِيَّةٌ وُجِدَت مِن قَبلِ؟» أو «مَا مِثَالِيَّةٌ وُجِدَت مِن قَبلِ». وعلة الابتداء بالنكرة في هذه الحالة هو دلالتها على العموم.
- عندما يَعمَل المبتدأ عمل الفعل، فيرفع فاعلاً وينصب مفعولاًُ، مثل: «ضَربٌ المُعَلِّمُ تَلمِيذَهُ مَكرُوهٌ» فالمبتدأ هنا هو المصدر العامل عمل فعله «ضَربٌ»، حيث رفع «المُعَلِّمُ» فاعلاً ونصب «تَلمِيذَ» مفعولاً به. وقد يكون المبتدأ اسم فاعل أو اسم تفضيل نكرة، وغيرهما من الأسماء المشتقة العاملة عمل أفعالها.
- إذا جاءت النكرة بعد حرف الجرٍّ الزائد «رُبَّ»، مثل: «رُبَّ عِلمٍ يَنفَعُ». ويرى بعض النحاة أنَّ المبتدأ يكون نكرة إذا سُبق بأي حرف جر زائد، وليس «رُبَّ» بالتحديد، مثل: «بِحَسبِكَ كُرمُ أَحمَدِ».
- إذا كانت النكرة مُبهمة يصحُّ الابتداء بها، كأن تكونَ اسماً من أسماء الشرط أو من أسماء الاستفهام. مثل: «مَنْ يَصدِقُ فِي قَولِهِ يَصدِقُ فِي عَمَلِهِ» أو «مَنْ أَنتَ؟». وذلك لأنَّ أسماء الشرط والاستفهام أسماء مُنَكَّرة ولا تُعَرَّف على الإطلاق. وتقع «مَا» التعجبية في محل رفع مبتدأ لنفس السبب أيضاً، مثل: «مَا أَجمَلَ كَلَامَكَ».
- اِذا جاءت النكرة بعد «إِذَا» الفجائية، مثل: «خَرَجتُ فَإِذَا رَجُلٌ يُكَلِّمُنِي» أو «لام الابتداء»، مثل: «لَصَدِيقٌ خَيرٌ مِن عَدُوِّ» أو «كَمْ» الخبرية، مثل: «كَم مُحَاضَرَاتٌ حَضَرتُهَا ولَم اَستَفِد مِنهَا كَثِيراً»، أو «فَاءِ» الجزاء، مثل: «» أو «لَولَا»، مثل: «لَولَا قَانُونٌ لَعَمَّتِ الفَوضَى البِّلَادَ». و«كَم» في المثال السابق هي مفعول مطلق واجب التقديم، وأصل الجملة: «مُحَاضَرَاتٌ كَم حَضَرتُهَا حَضرَةً».
- إذا جاءت النكرة مصغّرة، مثل: «شُجَيرَةٌ نَبَتَت». ويرى بعض النحاة أنَّ السبب الكامن خلف الابتداء بالاسم المُصَغَّر مُنكَّراً هو أنَّ الاسم المصغر في الأصل اسم طبيعي موصوف بالصُغر، أي موصوف بلفظ «صَغِير»، فكأنَّ قائل الجملة السابقة عنى بقوله: «شَجَرَةٌ صَغِيرَةٌ نَبَتَت»، ووصف الاسم النكرة هو العلة الأصلية في الابتداء به.
- إذَا دَلَّت النكرة على الدعاء، مثل: «وَيلٌ لِلمُعتَدِينِ». أو إذا دلَّت على التعجب، مثل: «عَجَبٌ لرَجُلٍ يُحِبُّ الكَذِبَ».
نقل البطليوسي عن الفراء أنَّه يجيز الابتداء بالنكرة على الإطلاق، ولم يضع قيوداً أو شروطاً للابتداء بها.
يختصر عدد من النحاة الحالات السابقة في حالتين فقط، فيجوز الابتداء بالنكرة وفقاً لمذهبهم إذا دلّت النكرة على الخصوص أو إذا دلّت على العموم. فدلالتها على الخصوص يجعلها قريبة من التعريف، وقربها هو العلة في جواز الابتداء بها. ودلالتها على العموم هو في الأصل دلالتها على جميع أفراد الجنس الذي دلّت عليه، فيجعلها هذا قريبة من الاسم المعرف بأل الجنسية. وجميع الحالات المذكورة سابقاً تؤول في النهاية إلى أحد الأمرين، فوصف النكرة أو إضافتها أو الإتيان بها مصغرة يجعلها مخصوصة، وكونها اسم استفهام أو اسم شرط أو مجيئها بعد أداة استفهام أو نفي أو وقوعها بعد فاء الجزاء أو كم الخبرية أو حرف الجر رُبَّ يجعلها مُعمّمة. ويكتب يوسف الصيداوي أنَّ جميع الحالات التي يكون فيها المبتدأ نكرة تُرَدُّ إلى حالتين فقط، فإمَّا يكون المبتدأ النكرة منعوت نعت ظاهر أو تقديري، أو أن يكون المبتدأ النكرة مضاف إضافة ظاهرة أو تقديرية. ففي جملة مثل: «وَيلٌ لَهُ» أو «سَلَامٌ عَلَيكَ» علة الابتداء بالنكرة في المثال الأول هو كونه منعوت نعتاً خفيّاً تقديره: «وَيلٌ عَظِيمٌ لَهُ»، وفي المثال الثاني إضافته إلى لفظ غير ظاهر تقديره: «سَلَامُ اللَّهِ عَلَيكَ».
المصدر: wikipedia.org