اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
يقول المسيري في “رحلتي الفكرية”:
وفي معرض تناوله لأسباب نشوء الجماعات الوظيفية والأمثلة عليها كذلك، يرجع المسيري السبب إلى أن عملية التبادل المحايد في ظل الاعتبارات الأخلاقية أو العاطفية ستكون مرهقة للغاية من الناحية العصبية النفسية، وستؤدي إلى أن يفقد المجتمع إحساسه بقدسيته وطهارته، وإلى تصعيد التنافس داخله وزيادة حرارته. لكل هذا كان المجتمع يكل وظائف معينة تتطلب الحياد والموضوعية مثل التاجر أو المرابي أو جامع الضرائب، يكلها إلى متعاقدين وافدين لكي يتم عزلهم والاستفادة منهم في هذه الوظيفة.
وقد ذكر المسيري مثال “المرتزقة” فهذا العنصر الذي يؤدي وظيفة قتل أعداء سيده الذي يدفع أجره، عليه أن يتسم بالحياد والموضوعية والقسوة، وعليه ألا يمارس تجاههم أي إحساس بحرمتهم وقدسيتهم، حتى يمكن له أن يقتلهم بشكل آلي ومحايد بارد. فإن مارس مع ضحيته بعض الحب أو الكره، وأحس بأنها تقع داخل نطاق المحرم وتتمتع بشيء من القداسة، فإنه لن يقوم بعمله بشكل آلي وهو ما قد يؤدي إلى تدمير جهازه العصبي لأنه يكبح مشاعره باستمرار.
ومن الأمثلة كذلك وظيفة “البغاء” فمهنة كهذه تتطلب قدراً كبيراً من الموضوعية والحياد والانفصال عن المجتمع حتى يتمكن الإنسان من تحويل جسد إنسان آخر إلى آلة أو أداة فحسب. وهذا أمر مستحيل للغاية في إطار الترابط الاجتماعي والألفة والإيمان بقداسة الجماعة التي ينتمي إليها الفرد، فالآلة لابد أن تكون الغريب كما أن البغي إن مارست عواطف الحب والكره أثناء ممارسة وظيفتها فإنها تستهلك تماماً.
من أهم الأمثلة التي يذكرها المسيري كذلك ما حدث للقوات البريطانية في الهند نهاية القرن التاسع عشر، إذ اجتذبت هذه القوات عدداً من البغايا البريطانيات ويبدو أن هذا قد أنقص من هيبة القوات أمام نفسها، كما بدأ بعض الجنود البريطانيين يرتبطون عاطفياً بالبغايا من أبناء جلدتهم، وهو ما أدى إلى حالة من التنافس بين الذكور وزيادة حرارة هذه الجماعة العسكرية، فأخل هذا بالضبط والربط فتم على الفور إرجاع البغايا البريطانيات واستيراد بعض البغايا اليهوديات الروسيات من منطقة الاستيطان في روسيا، وبالتالي تم التخلص من فائض الطاقة الجنسية بطريقة محايدة لا تدخل فيها أي عواطف حب أو كره، وذلك دون الإخلال بالتماسك الداخلي للمجتمع ودون تصعيد التوتر الاجتماعي بين أعضائه.
والأمر نفسه يسري على المشتغلين بمهن متميزة، فالإنسان المتميز يتمتع برهبة غير عادية تحيط به الهالات. والخبرات النادرة التي يمتلكها الإنسان المتميز تجعله يقترب من السحرة والكهنة الذين يقفون على حدود الطبيعة على علاقة بعالم الغيب وما وراء الطبيعة، يحاولون الحصول على المعرفة من خلال هذه العلاقة للسيطرة على الطبيعة. وإن تحوّل المشتغلون بمثل هذه الوظائف إلى مثل يحتذى فإنهم سيولّدون قدراً عالياً من التوتر في المجتمع، الذي يتطلب دورانه اليومي وجود عدد من الناس يدخلون في علاقة تتسم بحد أدنى من التراحم والمساواة. ولذا لابد من عزلهم. والإنسان المتميز (الطبيب-الساحر-الكاهن) إن أصبح إنساناً عاديا مساوياً للآخر فلن يحتفظ بهيبته ولن يتمكن من أداء وظيفته التي تتطلب قدراً من الانفصال عن مجتمع الأغلبية والتعالي عليه.
ويعقب المسيري على ذلك بأنه يمكن القول بأن تركُّز الحياد والدنس والتعاقد في جماعة بشرية هامشية يعني أن بقية أعضاء المجتمع المضيف يمكنهم التمتع بالدفء والتراحم، وأن تركُّز التميز في مجموعة هامشية يعني خفض حدة التوتر الاجتماعي، وأن تركُّز الشَّيْن في مجموعة ثالثة يعني أن المجتمع سيتمتع بطهره الأخلاقي والفعلي المادي.
ومن أهم الأسباب الأخرى لظهور الجماعات الوظيفية الذي يذكرها المسيري، حاجة أعضاء النخبة الحاكمة إلى جماعات بشرية ليست لها قاعدة من القوة (بسبب عزلتها عن الجماهير) يمكن استخدامها (لتنفيذ مخططاتها ولخدمة مصالحها) دون أن تكون لهذه الجماعة المقدرة على المشاركة في السلطة بسبب افتقادها للقاعدة الجماهيرية، وهي لهذا السبب ستلتصق تماماً بالنخبة وستقوم على خدمتها بولاء أعمى، إذ أن بقاءها الجسدي ذاته منوط بمدى رضا النخبة الحاكمة. وعادة ما تكون قوات الحرس الملكي (وأحياناً كل من يعمل داخل البلاط الملكي) من المتعاقدين الغرباء. بل ويُلاحظ أن النخبة الحاكمة قد تستجلب جماعة وظيفية لضرب طبقة صاعدة. ففي بولندا، لاحظَت النخبة الحاكمة الإقطاعية (شلاختا) أن ظهور بورجوازية محلية قد يهدد سلطتها وقد يسرب كثيراً من فائض القيمة (التي تود أن تحتكره لنفسها) إلى أعضاء هذه الطبقة الجديدة المنافسة، كما أن ضمها لأوكرانيا كان يعني أنها في حاجة إلى وسطاء تجاريين يقومون بإدارة أوضاعهم هناك، فاستجلبت الطبقة الإقطاعية عدداً من التجار الألمان (من بينهم اليهود) ووطنتهم مدن خاصة بهم (الشتتل) وقامت بحمايتهم بالقوة العسكرية البولندية. وقامت هذه الجماعة الوظيفية الجديدة بتنشيط التجارة في إطار خطة النخبة الخاصة بضرب العناصر التجارية المحلية ومنعها من المشاركة في السلطة.