اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
يجوز دخول الحاجّ إلى مِنى قبل اليوم الثامن من أيّام الحجّ، إلّا أنّ دخوله في اليوم الثامن أفضل، واستحبّ العلماء جميعهم أن يدخل الحاجّ المُتمتِّع إلى مِنى في يوم التروية بعد أن يُحرم من مكّة؛ ويوم التروية هو اليوم الثامن من شهر ذي الحجّة، والحُكم هنا النُّدب والاستحباب، وليس الوجوب، وفي هذا تأكيدٌ على مظاهر التيسير التي تتجلّى في الحَجّ؛ بأن يكون للحاجّ الخيار في القدوم إلى مِنى في اليوم السادس، أو السابع، أو قبلهما.
ثبت في السنّة النبويّة عن النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- أنّه كان يَقصر الصلاة الرُّباعية بمِنى في أيّام التشريق لأهل مكّة، والحجيج، وقد ورد عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قوله: (صَلَّيْتُ مع النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ رَكْعَتَيْنِ، ومع أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عنْه رَكْعَتَيْنِ، ومع عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عنْه رَكْعَتَيْنِ)؛ وعلماء الحديث مجمعون على أنّ النبيّ -عليه الصلاة والسلام-، وعمر بن الخطاب، وأبا بكر الصدِّيق -رضي الله عنهما- قَصروا الصلاة في الحَجّ في مِنى.
يجوز للحاجّ أن يدخل إلى عرفة في ليلة التاسع من ذي الحِجّة؛ تفادياً للزحام الذي يحصل عادةً بعد صلاة الفجر وطلوع الشمس يوم عرفة؛ إذ إنّ عدد الحُجّاج الكبير، وخروجهم في الوقت ذاته إلى الطُّرُق التي تُؤدّي إلى جبل عرفة يُسبّب زحاماً شديداً قد يضطرّ الحاجّ إلى المشي عدداً من الساعات، والسماح للحاجّ بأن يصل إلى عرفة دون الوقوف فيها من مظاهر التيسير ورَفع المَشقّة والحَرَج عنه؛ فالسنّة في ذلك الخروج إلى عرفة بعد طلوع شمس يوم عرفة، إلّا أنّه يجوز للحاجّ أن يصل إليها في ليلة التاسع من ذي الحِجّة، ومن مظاهر التيسير أيضاً أنّه يُجزئ عن الحاجّ الوقوف في عرفة ولو لحظات؛ إذ لا يجب عليه الوقوف وقتاً طويلاً، ومن ذلك أيضاً أنّ مَن وَقف في عرفة ليلاً ولو مروراً، أو لحظات قليلة بسبب فوات الوقوف فيه نهاراً، فإن ذلك يُجزئه، ويُعَدّ وقوفه صحيحاً.
يمكث الحُجّاج في مُزدلفة إلى ما بعد صلاة الفجر؛ وهو الوقت المَسنون عن النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-، والأكثر كمالاً للمسلم أن يقتدي بالنبيّ -عليه الصلاة والسلام- في ذلك؛ ابتغاءً للأجر، والثواب، إلّا أنّ الشارع -من باب التيسير على الحُجّاج من أهل الأعذار ورَفع المَشقّة عنهم- أباح لِمَن لا يستطيع منهم المَبيت في مُزدلفة أن ينصرف منها، وأهل الأعذار المأذون لهم بذلك هم الضعفاء من الشيوخ، والأطفال، والنساء، ويدخل في ذلك من يُرافقهم؛ فهم في حُكمهم؛ ودليل ذلك ما ورد عن عائشة -رضي الله عنها-؛ إذ قالت: (اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لَيْلَةَ جَمْعٍ، وكَانَتْ ثَقِيلَةً ثَبْطَةً، فأذِنَ لَهَا).
ويُعَدّ أخذ المسلم برُخَص الله -سبحانه وتعالى- من تمام التعبُّد له، وقد أخذ بعض الصحابة -رضي الله عنهم- بهذه الرُّخصة، ومنهم: عبدالله بن عباس، وعبدالله بن عمر -رضي الله عنهما-؛ قال عبدالله ابن عبّاس: (أَنَا مِمَّنْ قَدَّمَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لَيْلَةَ المُزْدَلِفَةِ في ضَعَفَةِ أهْلِهِ)؛ فقد كان عبدالله بن عمر يقدم الضِّعاف من أهله إلى مُزدلفة ليلاً، فيقفون عند المَشعر الحرام، ويذكرون الله -تعالى-، ثمّ ينصرفون، ولأهل الأعذار أن ينصرفوا من مزدلفة بعد أن يغيب القمر، وذلك بعد مُضِيّ ثُلثَي الليل، وهذا مذهب من قال بوجوب مَبيت الحاجّ في مزدلفة حتى صلاة الفجر، فاستُثنِي من ذلك أهل الأعذار بانصرافهم بعد مُضِيّ ثُلثَي الليل، وأئمة المذاهب الفقهية متّفقون على أنّ الوقوف بمزدلفة والمَبيت فيها واجب، إلّا لصاحب العُذر، ومَن ترك الوقوف في مُزدلفة، فإنّ عليه دماً عند من قال بوجوبه.
ذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة إلى أنّ تأدية أعمال يوم النَّحر بالترتيب الذي أدّاه النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- مُستحَبّ؛ والترتيب هو الابتداء برَمي جمرة العقبة، ثمّ النَّحر، ثمّ الحلق أو التقصير، وبعد ذلك تأدية طواف الإفاضة؛ ودليلهم في ذلك حديث عبدالله بن عمر -رضي الله عنه- قال: (أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وقَفَ في حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ، فَقالَ رَجُلٌ: لَمْ أشْعُرْ، فَحَلَقْتُ قَبْلَ أنْ أذْبَحَ، قالَ: اذْبَحْ ولَا حَرَجَ، فَجَاءَ آخَرُ فَقالَ: لَمْ أشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أنْ أرْمِيَ، قالَ: ارْمِ ولَا حَرَجَ، فَما سُئِلَ يَومَئذٍ عن شيءٍ قُدِّمَ ولَا أُخِّرَ إلَّا قالَ: افْعَلْ ولَا حَرَجَ)، إلّا أنّ الشرع أجاز تقديم بعض هذه الأعمال على الأخرى؛ وذلك من باب التيسير، ورَفع المَشقّة عنهم؛ فلا حرج إن ذبح الحاجّ الهَدي قبل أن يرميَ الجمرة، أو طاف طواف الإفاضة قبل أن يرميَ الجمرات، أو حَلق قبل أن يرمي.
أجاز الفقهاء بلا خِلاف توكيل العاجز الذي له عُذر لغيره في رَمي الجمرات عنه بشكل كُلّي، أو جزئيّ، وأصحاب الأعذار هم المرضى، وكبار السنّ، والصِّغار، وكلّ مَن لا يستطيع أن يرميَ لأيّ عُذر، ويجوز أن يُوكل غيره بالرَّمي بأُجرة، أو على سبيل التطوُّع، وذلك من مظاهر التيسير في أعمال الحَجّ، ومنها أيضاً إمكانيّة تأخير رَمي جمرات اليوم الحادي عشر إلى اليوم الثاني عشر لأهل الأعذار؛ ودليل ذلك إذن النبيّ -عليه الصلاة والسلام- لرُعاة الإبل بجَمع رَمي يومَين في يوم واحد، فمَن شَقّ عليه الذهاب إلى الرَّمي؛ بسبب بُعد مكان الرَّمي، وغيره من الأعذار، فإنّه يجوز له التأخير، ومن صُور التيسير أيضاً أنّ وقت الرَّمي واسع؛ إذ لم يُحدّد النبيّ -عليه الصلاة والسلام- نهاية وقت رَمي جمرة العقبة، إلّا أن تطلع شمس يوم الحادي عشر من ذي الحِجّة، ويبدأ أهل الأعذار المأذون لهم في التأخير برَمي جمرات اليوم الحادي عشر، فإن انتهوا منهنّ، فإنّهم يرمون جمار اليوم الثاني عشر، ويبدأ وقت رَمي الجمار الثلاثة في اليوم الحادي عشر من ذي الحِجّة بعد زوال الشمس، وينتهي مع غروب شمس اليوم الثالث عشر لمَن أخّرها.
يصحّ أن يُؤخِّر الحاجّ طواف الإفاضة إلى وقت طواف الوداع، وتأديتهما معاً، بنيّة طواف الإفاضة، ويُجزِئ طواف الإفاضة عن طواف الوداع، ومن مظاهر التيسير في الحجّ أنّ طواف الوداع يسقط عن المرأة الحائض، والنفساء؛ إذ يمكنهما عند الانتهاء من أعمال الحَجّ أن تخرجا من مكّة، وترجعا إلى بلديهما دون طواف الوداع، ولا تنتظرا حصول الطهارة؛ ودليل ذلك ما رواه ابن عبّاس -رضي الله عنه- عن النبيّ -عليه الصلاة والسلام- قال: (أُمِرَ النَّاسُ أنْ يَكونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بالبَيْتِ، إلَّا أنَّه خُفِّفَ عَنِ الحَائِضِ).