اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
(2) المبدأ الثاني: "السلطات مقيدة مشتركة".
يقرر هذا المبدأ أربعة أسس مهمة تتعلق بممارسة السلطة، وهي:
أ. الحكم الرشيد لا يعترف بالسلطات المطلقة للحاكم، ونحن نتحدث هنا عن سلطة الحاكم، وليس عن سلطة الناس التي تحدثنا عن قيودها سابقاً. وتقييد سلطات الحاكم يؤدي إلى الحيلولة دون وقوع الاستبداد، وتقويم أداء الحاكم، وتنظيم ممارسة الحكم. وكل سلطة تقيد وتوازن السلطات الأخرى. وتقيد سلطة الحاكم بثلاثة قيود، الأول: فصل السلطات، والثاني: رقابة الشعب (عبر المؤسسة الرقابية)، والثالث: التشاور مع الشعب (عبر مؤسسة الشورى).
وتقيد سلطة الحاكم بثلاثة قيود:
1. القيد الأول: فصل السلطات. فالحاكم هو رئيس السلطة التنفيذية، ولا سلطان له على غيرها من السلطات. ونظام الحكم الرشيد لديه أربع سلطات، وليس ثلاث، وهي: السلطة التنفيذية، والقضائية، والتقنينية، والرقابية. وإذا كنا نتحدث عن مبادئ اختيار الحاكم باعتباره سيد السلطة التنفيذية، فللسلطة القضائية طرقها في الاختيار الذي يضمن نزاهتها، وحياديتها، وعدالتها، وحفاظها على القانون. كما أن للشعب طرقه في اختيار ممثليه للسلطة الرقابية (مجلس الشعب)، بما يضمن إقرار السياسات العامة للدولة، وممارسة الرقابة على أجهزة الدولة. والسلطة التقنينية (سن القوانين) ينبغي ألا تكون من اختصاص السلطة الرقابية، حتى لا يكون ثمة ازدواج، وحتى نضمن سلامة أدوات الرقابة وحياديتها. والفصل بين السلطات مبدأ مهم؛ منعا للاستبداد، وإرساء للتوازن في السلطات، وحماية لحقوق الشعب، وتنظيما لسيروة الحكم.
2. القيد الثاني: رقابة الشعب. يراقب الشعب أداء الحاكم الذي اختاره، ويساءله، ويقومه. كما يراقب أداء السلطتين التقنينية والقضائية. وفي النظام الديمقراطي تكون الرقابة جزءا من مهام السلطة التقنينية، إلا أننا ندعو أن تكون هناك سلطة رقابية مستقلة، لا تمارس التقنين أو التنفيذ أو القضاء، فتكون رقابة على تلك السلطات. ولا بد من إيجاد آليات متقدمة ليمارس الشعب هذه السلطة، ونحن بحاجة إلى آليات مرنة، لا تثقل كاهل الدولة، وتكون متحررة من أي ضغوط يمكن أن تمارسها سلطات الدولة عليها. ورقابة الشعب تمثل السلطة المجتمعية المهيمنة على كل السلطات. ومجلس الشعب الرقابي ينبغي أن يكون رقابيا، يقوم بالرقابة والمساءلة وإقرار السياسات والخطط العامة، ولا يمارس السلطة التقنينية. وتنشأ أجهزة رقابية متخصصة تابعة لمجلس الشعب وليست تابعة لأي سلطة أخرى (رقابة أداء كبار موظفي الدولة، ورقابة أجهزة السلطة التنفيذية، ورقابة أموال الدولة، ورقابة السلطة القضائية، ورقابة السلطة التقنينية،... الخ).
ومبدأ الرقابة ترسيخ لمبدأين عظيمين، الأول: مبدأ النصيحة، كما في الحديث الشريف: "الدين النصيحة، قلنا لمن: قال: لله ولكتابه ولرسوله ولدينه ولأئمة المسلمين وعامتهم"، وقال تعالى واصفا الناجين من البشر بأنهم من "وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر". والثاني: مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأعلى مستويات هذا المبدأ هو أن يمارسه الشعب مع الحاكم وأعوانه ومستشاري الشعب. وقد كان ذلك واضحا لدى الخليفة الأول حين ولاه المسلمون فقال: "يا أيها الناس إني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني". وقال عليه السلام: "إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه يوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده".
3. القيد الثالث: التشاور مع الشعب. القيد الثالث هو قيد الشورى، فالحاكم ملزم بأن يشاور الشعب الذي اختاره، ويشاركه في اتخاذ قراراته، وخصوصا في القرارات السيادية. وعلى الشعب أن يختار من يمثله في مجلس الشورى، وهذا المجلس تختلف معاييره عن معايير المجالس الأخرى، فهو مجلس لخبرات الدولة وعلمائها ومفكريها، ومعيار الانضمام إليه لا يخضع للمعايير الحزبية، بل للمعايير العلمية والمهنية، فمجلس الشورى هو مجمع المستشارين والخبراء في مختلف المجالات التي تحتاج إليها سلطات الدولة، وليس مجمع المقعدين فكريا، أو المعوقين سياسيا. وهذا المجلس يقوم بثلاث مهام: تقديم الاستشارات لبقية أجهزة الدولة، وسن القوانين – يقترحها ويناقشها ويقرها، والمصادقة على القرارات السيادية، فهو يمتلك السلطة التقنينية. ولا يتخذ الحاكم القرارات السيادية إلا بعد موافقة المجلس عليها. فسلطته لا تقف عند حد تقديم المشورات، بل تلتزم بها السلطة التنفيذية.
ب. تنوع "محافظ إدارة الدولة". أستخدم هذا المصطلح الجديد لأقصد به أن الحياة المجتمعية ثرية، وأن إدارة الدولة لا تقتصر على السلطات السابق ذكرها، بل إن هناك عناصر مهمة تعمل على إيجاد التوازن في سلطات الدولة، وتثري إدارة الدولة، مما تحقق معه نهضة مجتمعية كبرى، يكون عامة أفراد الشعب منخرطين فيها، ومسؤولين عنها. فالشعب لا تنتهي مسؤوليته عند اختيار الحاكم وممثليه في الرقابة والتقنين، بل عليه أن يمارس مسؤوليته في إدارة الدولة من خلال محافظ إدارة الدولة. هذه المحافظ غير رسمية، وتصبغ الحياة السياسية والمجتمعية والاقتصادية للبلد. فالمعارضة الرشيدة التي لم توفق في الوصول إلى الحكم، تستطيع أن تمارس نقدها البناء؛ بهدف التوعية الشعبية، وتقويم الحاكم، وكذلك الإعلام المستقل، وكذلك هيئات العلماء، والنقابات العمالية، والمنظمات الحقوقية، والجمعيات العلمية، والهيئات المكملة المستقلة (هيئة الوقف، وتطوير التعليم...الخ).
ج. على ممثلي سلطة الشعب احترام الحق العام للشعب. فالشعب هو صاحب السلطة، ومن اختارهم لشغلها إنما هم نواب عنه، وعليهم أن يحترموا حقه العام، وألا يستغلوا مراكزهم في التعدي على هذا الحق. عليهم أن يدركوا أنهم أجراء عند هذا الشعب، مسؤولون عن القيام بمهامهم المنوطة بهم على أحسن وجه. ومن تلك الحقوق العامة: تداول السلطة، وصيانة المال العام، وعدم احتكار المؤسسات العامة، وحقه في الحصول على المعلومات (مبدأ الشفافية)، وحقه في الحريات (حرية الرأي، والاعتقاد، والتملك، والعمل، والتعليم، وحرية الصحافة. والحرية السياسية: التعبير عن الرأي، والنقد، واختيار الحاكم وممثلي الأمة، وسحب الثقة منهم، والاحتجاج، والمظاهرات، والتشكيل الحزبي... الخ).
د. للحاكم على شعبه حق الطاعة وتنفيذ قراراته، فكما نطالب الحاكم باحترام حق الشعب، فكذلك نطالب الشعب باحترام حق الحاكم، وما ثمة فائدة من وجود حاكم لا تمضي قراراته، ولا تنفذ إرادته. كما أن معارضة الحاكم والرقابة عليه لا تعني استخدام حق الفيتو في كل قرار يتخذه الحاكم، بل لا بد من الموضوعية والحيادية في النقد، واحترام حقوق ممثلي الشعب في سلطاتهم المختلفة، والرضا بإرادة الشعب كما تعبر عنه أغلبيته. قال عليه السلام في الحديث المتفق عليه: "السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب أو كره، ما لم يؤمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة". ومن حقه تأييده، ونصرته، ومعاونته، وتقديره، واحترامه.