اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
جاء الحديث عن الغلو في السنة النبوية في موضوع الغلو في عدة جوانب، أهمها: الغلو في اتباع السنة، والغلو في الدين والتطرف فيه، والغلو في الأشخاص والذوات، وهذا الأخير هو مدار الحديث هنا.
أخذ موضوع الغلو في الأشخاص من الأنبياء والصالحين مجالا كبيرا في خطاب النبي ( ) لأصحابه. ونجده في ذلك يبدأ بنفسه ( ) حيث قال لأصحابه مرة: ((لا تُطروني كما أطرى النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله)). والإطراء المقصود هو المديح بالباطل، وقيل هو مجاوزة الحد في المدح والكذب فيه.
كان ينهاهم عن إطرائه، وهو يذكّرهم بقوله لهم: ((إياكم والغلو؛ فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين)). لذا ذكر أنس بن مالك أن رجلا قال للنبي ( ): يا سيدنا، وابن سيدنا، ويا خيرنا، وابن خيرنا، فقال النبي ( ): ((يا أيها الناس، قولوا بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله، ورسول الله، والله ما أحب أن ترفعوني فوق ما رفعني الله)). وورد أن أعرابيًّا قال للنبي ( ): جهدت الأنفس وجاع العيال وهلك المال فادع لنا فإنا نستشفع بك على الله وبالله عليك، فسبح رسول الله حتى عرف ذلك في وجه أصحابه فقال ( ): ((ويحك أتدري ما الله، إن شأن الله أعظم من ذلك إنه لا يستشفع بالله على أحد)).
جاء في السنة عدة أحداث تبين مدى حرص النبي ( ) على سلامة المجتمع من الغلو في البشر. لذا نجده يقول مرة: ((اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)). ولذا مرة جاءت أم حبيبة وأم سلمة وذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير، فذكرتا ذلك للنبي ( ) فقال: ((إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات، بنوا على قبره مسجدا وصورا، فيه تلك الصور، فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة)). ثم في آخر رمق من حياته عندما جاءته المنية قدم تنبيها لأمته بقوله: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)). قال النووي: قال العلماء: "إنما نهى ( ) عن اتخاذ قبره، وقبر غيره مسجدا؛ خوفا من المبالغة في تعظيمه والافتتان به، فربما أدى ذلك إلى الكفر كما جرى لكثير من الأمم الخالية". فهذه الأحاديث مرتبطة بسلوك تعظيم قبور الأنبياء والصالحين مما قد يؤدي للغلو فيهم، ولذا قال الإمام المهلب -فيما نقله عنه الإمام ابن بطال الشافعي- أن هذا النهى من باب قطع الذريعة، لئلا يعبد قبره الجهال كما فعلت اليهود والنصارى بقبور أنبيائها.