اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
قصيدة المساء من عيون الشعر العربي الحديث، ألفها الشاعر اللبناني إيليا أبو ماضي، يُظْهِرُ فيها فلسفته ونظرته إلى الحياة، حيث يدرك أن كثيراً من البشر (ممثلين بشخصية سلمى) يعيشون في شقاء وتعاسة، لأنّهم لا يرون إلّا الألوان القاتمة من الطبيعة، ويقضون حياتهم في أوهام لا مبرّر لها، في حزنٍ على الماضي ، وخوف من المستقبل، فيدعوهم من خلال القصيدة إلى التفاؤل والأمل والتمتع بجمال الطبيعة.
إيليا أبو ماضي (1889 أو 1890 - 23 نوفمبر 1957) شاعر عربي لبناني يعتبر من أهم شعراء المهجر في أوائل القرن العشرين.
للقصيدة موسيقا خاصة بسبب تنوع القوافي و نظام القطع الشعرية المتنوعة، زادها تميّزاً تكرار تفعيلة البحر الكامل (متفاعلن) لأربع مرات في كل بيت شعرّي.
و الشمسُ تبدو خلفها صفراءَ عاصبةَ الجبينْ
و البحرُ ساجٍ صامتٌ فيه خشوعُ الزاهدينْ
لكنّما عيناكِ باهتتان في الأفقِ البعيدْ
سلمى... بماذا تفكّرينْ ؟
سلمى... بماذا تحلمينْ ؟
أم أبصرتْ عيناك أشباحَ الكهولةِ في الغيومْ ؟
أم خفتِ أن يأتيَ الدّجى الجاني و لا تأتي النجومْ ؟
أنا لا أرى ما تلمحينَ من المشاهدِ إنّما
أظلالها في ناظريكِ
تنمُّ، يا سلمى، عليكِ
يرجو صديقاً في الفـلاة، وأين في القفرِ الصديقْ
يهوى البروقَ وضوءها، و يخافُ تخدعهُ البروقْ
بل أنتِ أعظمُ حيرةٍ من فارسٍ تحت القتامْ
لا يستطيعُ الانتصارْ
و لا يُطيقُ الانكسارْ
فلقد رأيتكِ في الضّحى و رأيتهُ في وجنتيكِ
لكنْ وجدتكِ في المساء وضعتِ رأسكِ في يديكِ
و جلستِ في عينيك ألغازٌ، و في النّفس اكتئابْ
مثل اكتئاب العاشقينْ
سلمى... بماذا تفكّرينْ ؟
أم بالمروجِ الخضرِ سادَ الصّمتُ في جنباتها ؟
أم بالعصافيرِ التي تعدو إلى و كناتها ؟
أم بالمسا ؟ إنّ المسا يُخفي المدائنَ كالقرى
و الكوخَ كالقصرِ المكينْ
و الشّوكُ مثل الياسمينْ
يُخفي ابتساماتِ الطروبِ كأدمعِ المتوجّعْ
إنّ الجمالَ يغيبُ مثل القبحِ تحتَ البّرقعْ
لكنْ لماذا تجزعينَ على النهارِ و للدّجى
أحلامهُ و رغائبهْ
و سماؤهُ و كواكبهْ ؟
لم يسلبِ الزهرَ الأريج و لا المياه خريرها
كلّا، و لا منعَ النّسائمَ في الفضاءِ مسيرها
ما زالَ في الورقِ الحفيفُ و في الصّبا أنفاسها
و العندليب صداحهُ
لا ظفره و جناحهُ
واستنشقي الأزهارَ في الجنّاتِ ما دامت تفوحْ
و تمتّعي بالشّهبِ في الأفلاكِ ما دامتْ تلوحْ
من قبلِ أن يأتيَ زمانٌ كالضّبابِ أو الدّخانْ
لا تبصرينَ به الغديرْ
و لا يلذّ لك الخريرْ
و لتملإ الأحلام نفسك في الكهولة و الصّبى
مثل الكواكب في السماء و كالأزاهر في الرّبى
ليكن بأمر الحبّ قلبك عالما في ذاته
أزهاره لا تذبلْ
و نجومه لا تأفلْ
إنّ التأمّل في الحياةِ يزيدُ أوجاعَ الحياةْ
فدعي الكآبة والأسى واسترجعي مرحَ الفتاةْ
قد كان وجهك في الضّحى مثل الضّحى مُتهلّلا
فيه البشاشةُ والبهاءْ
ليكن كذلكَ في المساءْ