اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
انتهت فترة نيابة السلطانة كوسم التي دامت نحو تسع سنوات، وأصبح مراد الرابع طليق اليد في إدارة شئون الدولة، بعد أن ضرب بيد من حديد على الثائرين، وقتل كل من ثبت أن له علاقة بالفتنة، فسكنت الثورة واستقرت الأوضاع، وبدأ السلطان في اتخاذ الإجراءات التي تعيد النظام إلى الدولة؛ حتى يفرغ لاستعادة ما فقدته الدولة من أراضيها.
كان فخر الدين المعني الثاني أمير الدروز وأحد الولاة في الشام قد أعلن استقلاله عن الخلافة العثمانية. كانت تجربته فريدة من نوعها حيث استفاد من قضائه لـ 5 سنوات منفيا في فلورانسا ليتأثر بالنهضة الإيطالية ويعقد اتفاقات سياسية وعسكرية سرية مع البابا وأمير فلورانسا. عاد الأمير فخر الدين إلى الأراضي الشامية العثمانية بعد صدور عفو عنه، وتمكن من بسط سيطرته على معظم أراضي لبنان الحديث واتخذ من صيدا مقرا لملكه. عمل على بناء جيش حديث مسلح بالأسلحة الإيطالية كما استقدم خبراء أوروبيين، وجعل لبنة عساكره من الطائفة الدرزية، وفي إحدى مكاتباته لحلفائه الإيطاليين عرض تسليم القدس وقبرص للإيطاليين وحمايتهما في سبيل حصوله على دعم البحرية الإيطالية ومزيد من الدعم العسكري.
انكشفت المكاتبات للسلطان مراد وأراد أن يستأصل شأفته قبل أن يستفحل أمره، ويوقع البلاد والعباد في ما لا تحمد عقباه فأوعز إلى والي دمشق، فتقدم ذلك الأخير مع جيش فاق جيش الأمير فخر الدين عددا وعدة وخبرة فوقع في الأسر مع ابنيه، وعند وصوله إلى إسطنبول حاول مراد الرابع الإبقاء على حياة أمير الدروز للمنجزات الحضارية التي كان قد خلفها في ولايته والخدمات السياسية التي أداها للأستانة إلا أن قيام ثورة حفيد فخر الدين جعلت الخليفة العثماني يأمر بقتله مع ولديه.
خرج السلطان بنفسه على رأس حملة كبيرة إلى بلاد فارس في سنة (1045 هـ - 1635 م) و كان النظامُ يسود فرق الجيوش البالغة نحو 200 ألف جندي، فأعاد الانضباط و ما كانت عليه الجيوش العثمانية في أيام سليمان القانوني من ضبط و نظام. و إستهل الجيش انتصاراته بفتح مدينة "أريوان" في الشمال الغربي من إيران في (25 من صفر 1045 هـ - 10 من أغسطس 1635م) ثم قصد مدينة "تبريز" ففتحها في (28 من ربيع الأول 1045هـ - 10 من سبتمبر 1635م ) ، و لم يواصل الجيش فتوحاته في إيران؛ إذ عاد السلطان إلى بلاده طلبًا للراحة.
و ما كاد السلطان يستقر في إسطنبول حتى عاود الصفويون القتال، فاستردوا "أريوان" بقيادة الشاه "صافي" بعد حصار لها دام ثلاثة أشهر، و استعادوا مدينة "تبريز" مع أجزاء كبيرة من أذربيجان .
استنفرت هذه الأخبار حماس السلطان الشاب، فخرج في جيش كبير أحسن إعداده، وإتجه إلى بغداد، و شرع في حصارها في (8 من رجب 1048 هـ - 15 من نوفمبر 1638م) و كان في المدينة المحاصرة حامية كبيرة تبلغ 40000 جندي، و لم يستطع الشاه الإيراني الاقتراب من الجيش العثماني، و أعتمد على قوة جيشه المرابط في المدينة، و أبراج قلعتها الحصينة، لكن ذلك لم يغن عنها شيئا، فسقطت المدينة بعد حصار دام تسعة و ثلاثين يومًا و قتال شديد و عنيف، في (18 من شعبان 1048 هـ - 25 من ديسمبر 1638م ) ، وعادت المدينة إلى الدولة العثمانية بعد أن بقيت في يدي الصفويين خمسة عشر عامًا.
بعد ذلك رغب الشاه الصفوي في الصلح، و عرض على الدولة العثمانية أن يترك لها مدينة بغداد مقابل أن تترك له مدينة " أريوان" ، ودارت المفاوضات بينهما نحو عشرة أشهر، انتهت بعقد الصلح بينهما في ( 21 من جمادي الأولى 1049 هـ - 19 من سبتمبر 1639م ) .