اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
التفت ناصر الدولة، بعد تثبيت أقدامه في الموصل، إلى توسيع رقعة أراضيه عن طريق ضم الشَّام، فاستغلَّ وفاة مُحمَّد بن رائق في 21 رجب 330هـ المُوافق فيه 11 نيسان (أبريل) 942م لِيُهاجم هذه البلاد، وقد عدَّ نفسهُ وريثًا لابن رائق ويجب أن تنتقل أملاكه إليه. والمعروف أنَّ الأمير الحمداني نظر إلى الشَّام على أنَّها منطقة نُفُوذ له ومجاله الحيوي ورفض أن يُنازعه عليها أحد، ولاحت مطامحه في حلب وضواحيها، وتُعدُّ هذه المدينة ذات أهميَّة بالغة لأيَّة قيادة عسكريَّة وسياسيَّة تسعى لِمُواجهة البيزنطيين وتبُّوء مركز مُتقدِّم في العالم الإسلامي، بِفضل ما تتمتَّع به من حصانة عسكريَّة ومركز مُتميِّز وإمكانات اقتصاديَّة وبشريَّة وسياسيَّة هامَّة، بِالإضافة إلى موقعها على خُطوط المُواصلات بين فارس والعراق من جهة والشَّام وآسيا الصُغرى من جهةٍ أُخرى، وغدت مُنذُ عهدٍ طويل قاعدة لا يُمكن من دونها السيطرة على الجهات الشماليَّة والوُسطى من الشَّام، في الوقت الذي يُمكنها فيه الاتصال بِالقوى الإسلاميَّة المُنتشرة في الجزيرة الفُراتيَّة والأناضول وشمالي الشَّام وأواسطه، ما يُعدُّ أساسًا حيويًّا لاستمرار حركة الجهاد ضدَّ البيزنطيين، لِذلك كان ضمُّها إلى الموصل بِمثابة فتح الطريق أمام ناصر الدولة لِيتبوَّأ مركزًا مُتقدمًا في العالم الإسلامي. وساعدت الظُرُوف السياسيَّة، التي كانت تمُر بها الشَّام بِعامَّة وحلب بِخاصَّة بعد وفاة ابن رائق، ناصر الدولة لِتحقيق تطلُّعاته حيثُ استقلَّ نُوَّاب ابن رائق بما تحت أيديهم. فقد انفرد مُحمَّد بن يزداد الشهرزوري بِحُكم دمشق، وانضوى تحت جناح مُحمَّد بن طُغج الإخشيد، فأقرَّهُ هذا على عمله، وحكم أحمد بن عليّ بن مُقاتل مدينة حلب ومعهُ مُزاحم بن مُحمَّد بن رائق كمُساعدٍ لهُ في إدارة شُؤونها. ونهض ناصر الدولة لِضم حلب إلى الموصل، فعيَّن أحد أتباعه، ويُدعى عليّ بن خلف، واليًا على ديار مضر والشَّام، وأرسلهُ لانتزاعها من يد أحمد بن عليّ بن مُقاتل، وطلب من أمير دمشق يانس المُؤنسي أن يُساعده. اجتمع القائدان في منبج، وأرسل يانس المُؤنسي كاتبه ومعهُ غُلامه نذير إلى حلب وحمَّلهُما رسالة إلى أحمد بن علي بن مُقاتل يدعُوه فيها إلى طاعة الحمدانيين، فرفض هذا دعوته وكان يرغب بالاستقلال بِحلب، واستعدَّ لِمُواجهة القُوَّات الحمدانيَّة، فاصطدم بها على شاطئ الفُرات ثُمَّ في وادي بطنان بين منبج وحلب، إلَّا أنَّهُ تعرَض لِلهزيمة. ودخلت القُوَّات الحمدانيَّة مدينة حلب وضمَّها ناصر الدولة إلى الموصل.
أثار ضمُّ حلب إلى الموصل مُحمَّد بن طُغج الإخشيد، فنهض لاستعادة نُفُوذه في شماليّ الشَّام وتثبيت أقدامه فيها، فدخل مُحمَّد بن يزداد الشهرزوي في طاعته وسلَّم إليه دمشق، فأقرَّهُ عليها، ثُمَّ تقدَّم باتجاه حلب، فخشي عليّ بن خلف على مركزه فيها في ظل انهماك ناصر الدولة في مُحاربة البريديين في البصرة والأهواز وواسط، فترك طاعة الحمدانيين وانضمَّ إلى الإخشيد الذي استوزره، وارتفع شأنه عنده، حتَّى إذا رأى فيه الإخشيد الرفعة وكثرة الأتباع، أمر بِالقبض عليه وسجنه، وظلَّ مسجونًا حتَّى وفاة الإخشيد في شهر ذي الحجَّة سنة 334هـ المُوافق فيه شهر تمُّوز (يوليو) 946م. وتسلَّم يانس المُؤنسي ولاية حلب حتَّى سنة 331هـ المُوافقة لِسنة 942م، فاعترف بِسيادة الإخشيد وخطب لهُ على المنابر في المناطق الواقعة تحت نُفوذه. لم ييأس ناصر الدولة من استعادة سيطرته على حلب، فأجرى في سنة 332هـ المُوافقة لِسنة 943م مُباحثاتٍ مع أمير الأُمراء توزون لاقتسام مناطق النُفوذ بينهُما، أسفرت عن اتفاق يقضي بِأن يتولَّى ناصر الدولة الأراضي في الموصل إلى آخر أعمال الشَّام، وأن يُسطر توزون على أعمال السن إلى البصرة بِالإضافة إلى ما يفتحه من وراء ذلك، وأن لا يتعرَّض أحدهُما لِعمل الآخر. ونتيجةً لِهذه القسمة، ولَّى ناصر الدولة أبا بكر مُحمَّد بن علي بن مُقاتل، حلب وديار مضر والعواصم، وكان قد استقطبه، فسار إليها من الموصل، إلَّا أنَّهُ لم يتمكَّن من دُخُول المدينة، لِذلك عهد ناصر الدولة إلى أحد أفراد البيت الحمداني القيام بِذلك. فعيَّن ابن عمِّه الحُسين بن سعيد بن حمدان واليًا على المنطقة وما يفتحهُ من بلاد، فتوجَّه إلى الشَّام في شهر رجب سنة 332هـ المُوافق فيه شهر آذار (مارس) 944م يُرافقه أبو بكر مُحمَّد بن علي بن مُقاتل، فاستولى على الرقَّة عنوةً بعد أن منعهُ أهلها من دُخولها وأسر واليها مُحمَّد بن حبيب البلزمي، وأحرق قسمًا من البلدة وقبض على زُعمائها، ثُمَّ توجَّه إلى حلب. أدرك والي حلب يانس المُؤنسي أنَّهُ عاجزٌ عن التصدِّي لِلقُوَّات الحمدانيَّة، فهرب منها وطارده الأمير الحمداني إلى معرَّة النُعمان ثُمَّ إلى حِمص فدخل المدينة وهرب منها واليها إسحٰق بن كيغلغ، وأخضع الحُسين القبائل العربيَّة المُجاورة وعاد إلى حلب.
أقام الأمير الحمداني مُدَّة قصيرة في حلب حيثُ تعرََّض لِهُجومٍ نفَّذهُ مُحمَّد بن طُغج الإخشيد، واضطرَّ تحت ضغط القتال إلى مُغادرتها إلى الرقَّة ولكنَّهُ لم يتمكَّن من دُخولها، لِأنَّ الخليفة المُتَّقي لم يأذن لهُ بِذلك، وكان قد وصل إليها هاربًا من توزون ومعهُ سيفُ الدولة الحمداني الذي فارق أخاه ناصر الدولة لِخلافٍ وقع بينهُما، وأُغلقت أبواب المدينة في وجهه، وتوترت العلاقات بينه وبين ابن عمِّه سيف الدولة، فتوسَّط الخليفة بينهما، ثُمَّ غادرها إلى حرَّان فالموصل. واختبأ مُحمَّد بن مُقاتل حتَّى دخل الإخشيد مدينة حلب، فخرج من مخبئه واستأمنه، فقلَّدهُ الإخشيد أعمال الخِراج والضياع في مصر. واجتمع الخليفة المُتقي مع الإخشيد في الرقَّة، فاعترف لهُ ولِأبنائه من بعده بِحُكم الشَّام قاطعًا بِذلك الطريق أمام الحمدانيين لِلوُلوُج إلى هذه البلاد، وأضحى الإخشيد من القُوَّة ما مكَّنهُ من إعادة بسط سيطرته على كامل البلاد، واستقطب كُلًّا من عليّ بن خلف ويانس المُؤنسي وعليّ بن مُقاتل. ومرَّ الإخشيد أثناء عودته من الرقَّة بِمدينة حلب، فعيَّن عليها أبا الفتح عُثمان بن سعيد الكلابي، وولَّى أخاه مدينة أنطاكية. وأدرك الحمدانيُّون بعد هذه التطوُّرات السياسيَّة أنَّ الشَّام لا تؤخذ إلَّا بِالقُوَّة المُسلَّحة، فلم يُعيروا تقليد الخليفة لِلإخشيد أي اهتمام، كما لم يكن لهُ أي تأثير سلبي على مطامعهم فيها. وبرز آنذاك سيف الدولة الحمداني كرجُلٍ طموحٍ يسعى إلى تأسيس إمارة مُستقلَّة لهُ تُشبع نزوته السياسيَّة، إذ لم يقتنع بِتبعيَّته لِأخيه ناصر الدولة والعمل في ظلِّه، وأمل، بما حقَّقه من إنجازات وما قدَّمهُ من خدماتٍ جليلةٍ إلى الأُسرة الحمدانيَّة، أن يُكافئه بِولايةٍ يحكُمها، لكن خاب أمله عندما ولَّى أخوه ابن عمِّه الحُسين بن سعيد إمارة الثُغُور والعواصم وما يفتحهُ من بلاد الشَّام، ما كان لهُ أثرٌ سيِّءٌ في نفسه. ويبدو أنَّ ناصر الدولة انتابه القلق من أخيه سيف الدولة ووُجوده معه، وبخاصَّةً بعد أن بدت ملامح الشجاعة والطُمُوح السياسي تظهر عليه، وارتاب في نواياه لِذلك راح يُفكِّر بِالتخلُّص منه من واقع إبعاده عن الموصل والجزيرة الفُراتيَّة، فلفت نظره إلى الشَّام مُدركًا في الوقت نفسه ما يُعيط بِهذه البلاد من مصاعب بِسبب التنازُع عليها بين الخِلافة والإخشيديين، وكانت هزيمة ابن عمِّه الحُسين بن سعيد أمام الإخشيد في حلب لا تزال ماثلة أمام عينيه. والواقع أنَّ سيف الدولة تطلَّع إلى حُكم الشَّام مُنذ سنة 331هـ المُوافقة لِسنة 942م، وكان آنذاك نائبًا لِأخيه ناصر الدولة في واسط، فحاول أن يُزهِّد التُرك في العراق ويُرغِّبُهم في قصد الشَّام، إلَّا أنَّهُ فشل في ذلك بِفعل بُعد الشَّام عن العراق، وقد نضجت ظُروف الاستيلاء عليها في سنة 333هـ المُوافقة لِسنة 944م، بعد أن غادرها الإخشيد عائدًا إلى مصر وترك فيها نُوَّابًا ضعافًا، غير أنَّهُ كان بِحاجةٍ إلى الرجال والمال، فطلب من أخيه أن يُمدَّه بِألف رجُلٍ وبقدرٍ من المال، فرفض ناصر الدولة طلبه وردَّ عليه بِجفاء، وفشلت مُحاولاته العديدة في إقناعه حتَّى أنَّهُ لجأ إلى زوجته فاطمة الكُرديَّة علَّها تؤثِّر عليه قليلًا.
عند ذاك، انتابت سيف الدولة الريبة من أخيه، فغادر الموصل على عجلٍ إلى بلد. ويبدو أنَّ ناصر الدولة استدرك الواقع السياسي، وشعر بِأنَّهُ أخطأ بِحق الأُسرة الحمدانيَّة وبِحق أخيه، بِفعل أنَّ طُمُوح الأُسرة يتعدَّى الموصل وإقليم الجزيرة الفُراتيَّة إلى الشَّام ومصر، وأنَّ أي نجاحٍ يُحقِّقهُ أحد أفرادها يصب في المصلحة العامَّة، كما أنَّ أخاه كان ساعده الأيمن وساندهُ بِإخلاص في كُل ما صادفهُ من صِعاب، فتراجع عن موقفه وأرسل إلى أخيه ما يلزمهُ من الرجال ومعهم خمسين ألف دينار، وشجَّعهُ على المسير إلى الشَّام، ونصحهُ باستغلال فُرصة الاضطراب التي كانت تشهدُها، لِأنَّ أهلها يُساندون من يُنقذهم من هذه الحالة. وهكذا هيَّأ ناصر الدولة لِأخيه الجيش الي استولى بِواسطته على حلب وأسَّس الإمارة الحمدانيَّة في شماليّ الشَّام. وما حدث من حسد إخوة الوالي أبي الفتح عُثمان بن سعيد الكلابي نائب الإخشيد، وحقدهم عليه بِسبب عُلُوّ مكانته، أتاح لِسيف الدولة أن يدخُل المدينة، فقد استدعاه الكلابيُّون ووعدوه بِتسليمها له، فسار نحوها. وأدرك أبو الفتح عُثمان بن سعيد أنَّهُ عاجزٌ عن التصدِّي له في ظل انفضاض الكلابيين من حوله وافتقاره إلى حاميةٍ إخشيديَّةٍ، وحتَّى يُحافظ على حياته، خرج من المدينة واجتمع بِسيف الدولة على نهر الفُرات وأعلن ولاءه له، فأكرمهُ سيف الدولة من دون إخوته وأركبهُ معهُ العماريَّة (الهودج). ودخل الأمير الحمداني المدينة يوم الإثنين 8 ربيع الأوَّل 333هـ المُوافق فيه 26 تشرين الأوَّل (أكتوبر) 944م، وأعلن قيام الإمارة الحمدانيَّة. وأخذ سيف الدولة يُوطِّدُ نُفوذه في حلب، فعزل قاضيها أحمد بن مُحمَّد بن ماثل وولَّى أبا حصين عليّ بن عبد الملك الرقِّي، واستولى على ما حولها من المُدن والقُرى، ثُمَّ أقام الخطبة لِلخليفة العبَّاسي أبو القاسم عبدُ الله المُستكفي بِالله ولِأخيه ناصر الدولة ولِنفسه من بعدهما، ووجد الخليفة نفسهُ عاجزًا عن التدخُّل والحد من نُفُوذ سيف الدولة، فاعترف بِالأمر الواقع، فبارك خطوته وأرسل إليه الخُلع.
التفت سيف الدولة، بعد أن ثبَّت أقدامه في حلب وجوارها إلى التوسُّع، فاستولى على قنَّسرين والثُغُور الشَّاميَّة وأنطاكية وحِمص، واستعدَّ لِلزحف نحو دمشق، في ظل ضعف الخِلافة العبَّاسيَّة وضعف النُفُوذ الإخشيدي في الشَّام الذي اقتصر على حُكم وُلاةٍ ضعاف. وصلت أنباء هذه التطوُّرات إلى مُحمَّد بن طُغج الإخشيد في مصر، فرأى أنَّ أطماع سيف الدولة قد تجاوزت الحد، فتدخَّل لدى الخليفة العبَّاسي أبو القاسم عبدُ الله المُستكفي بِالله وشكا لهُ ما أقدم عليه الأمير الحمداني، وطلب منهُ أن يحُد من اندفاعه، إلَّا أنَّ الخليفة كان عاجزًا عن التأثير المُثمر، وحتَّى يُهدئ من روع الإخشيد ويُعبِّر لهُ عن ثقته به أرسل الخِلع لهُ ولِابنه أُنوجور. كان من الطبيعي، بعد هذا التطوُّر السلبي، أن ينهض مُحمَّد بن طُغج الإخشيد لِلدفاع عن نُفوذه في الشَّام وينتقم من سيف الدولة ويطرده من أملاكه التي استولى عليها بِالقُوَّة، فأرسل جيشًا ضخمًا إلى الشَّام بِقيادة أبي المسك كافور ويانس المُؤنسي. والتقى الجيش الإخشيدي بِسيف الدولة عند الرستن، في مُنتصف الطريق بين حمص وحماة، وجرى بينهما قتالٌ ضارٍ أسفر عن هزيمة الجيش الإخشيدي، وغرق بعض أفراده في نهر العاصي عندما ازدحموا على جسر الرستن، ووقع بيده أربعة آلاف أسير إخشيدي، فأكرمهم وأحسن استقبالهم ولم يتعرَّض لهم بِأي سوء، ثُمَّ أمر بِإطلاق سراحهم، فمضى هؤلاء وشكروا فضله، ما أكسبهُ سُمعةً طيِّبةً لدى الإخشيد وحاشيته في مصر وبين عُمُوم المُسلمين. كانت دمشق الهدف التالي لِسيف الدولة، وبِخاصَّةً أنَّ حاميتها باتت ضعيفة بعد الهزيمة التي مُني بها الجيش الإخشيدي، وأصبحت مدينةً مفتوحةً أمامه، فتقدَّم إليها على رأس قُوَّاته، ووصل إلى مشارفها. ويبدو أنَّ الدمشقيين كانوا مُتخوفين منه وقد شعر هو بِذلك، وحتَّى يُطمئنهم كتب إليهم كتابًا تعهَّد لهم فيه بِالمُحافظة على أرواحهم وأموالهم ومُمتلكاتهم مُبينًا دوره في جهاد البيزنطيين. واستغلَّ التأثير الديني في نُفوسهم فأوحى إليهم أنَّهُ لم يأتِ طامعًا أو غازيًا وإنما مُدافعًا عنهم ضدَّ عدوِّهم وعدو الله، ودعاهم إلى المواظبة على حياتهم العاديَّة. وقُرئ الكتاب على منبر الجامع الأُموي وأُرسلت نسخة منه إلى مُحمَّد بن طُغج الإخشيد في مصر، ثُمَّ دخل سيف الدولة إلى المدينة في شهر رمضان من سنة 333هـ المُوافق فيه شهر أيَّار (مايو) سنة 945م.
مضى الجيش الإخشيدي إلى مصر عن طريق الرملة، وأرسل كافور وهو بِالمدينة سالِفة الذِكر رسالة إلى سيِّده في مصر يُخبره بِتطوُّرات الوضع العسكري في الشَّام وهزيمته أمام سيف الدولة. حاول مُحمَّد بن طُغج الإخشيد التفاهم مع سيف الدولة ومُصالحته كي يتفرَّغ لِلخطر الفاطمي الآتي من المغرب، فأرسل إليه يطلب المُوادعة والوفاق واقتسام الشَّام على أن يحتفظ سيف الدولة بِالأراضي الواقعة شمالي دمشق، وتكون دمشق وما يليها جنوبًا تحت سيطرة الإخشيد. رفض سيف الدولة سياسة التفاهم مع الإخشيد وردَّ عليه ردًا قاسيًا هدَّدهُ فيه بالزحف إلى مصر واستخلاصها منه. أمام هذا الرد لم يكن أمام الإخشيد سوى الخُروج بِنفسه إلى الشَّام لِلثأر لِهزيمة جيشه عند الرستن وطرد سيف الدولة من الأراضي التي اغتصبها. فغادر مصر على رأس جيشٍ ضخم واستقطب مُعظم وُلاته وعُمَّاله السَّابقين الذين دخلوا في طاعة سيف الدولة، في الوقت الذي كان فيه الأخير في الشماسية لِإخضاع بعض الأعراب. ودعا الإخشيد أهالي دمشق إلى الدُخول في طاعته مُجددًا، فاستجابوا له مدفوعين بكُرههم لِسيف الدولة، رُبما لِأسبابٍ مذهبيَّةٍ. وكان لِهذا التوجُّه الدمشقي أثرٌ في انهزامه، إذ عندما عاد إلى دمشق بعد قضائه على ثورة الأعراب، منعهُ أهلها من الدُخُول، فانسحب إلى حِمص في طريقه إلى حلب، ويبدو أنَّهُ شعر بِتفوُّق الإخشيد عليه في العتاد والعدد وبِخاصَّةً بعد أن انضمَّ إليه مُعظم أفراد جيشه.
طارد الإخشيد وجيشه فُلُول الحمدانيين واصطدم بهم في قنَّسرين وهزمهم هزيمةً نكراء، فانسحب سيف الدولة ناجيًا بنفسه وتوجَّه إلى الجزيرة الفُراتيَّة حيثُ دخل الرقَّة. ودخل الإخشيد وأصحابه مدينة حلب فأفسدوا في جميع النواحي، وانتقم الجُنُود الإخشيديُّون من السُكَّان لِميلهم إلى سيف الدولة، وبالغوا في إيذائهم. لم يتمكَّن الإخشيد من البقاء طويلًا في حلب، وبِخاصَّةٍ بعد أن تقدَّم سيف الدولة إليها وقد عسكر في مُواجهة قُوَّاته، فأدرك أنَّ الحرب ستدوم إلى أن يقضي أحد الطرفين على الآخر، فعاد إلى دمشق ومال إلى التفاهم، وقد عدَّهُ الطريق السليم لِكلا الإمارتين ولِلدولة العبَّاسيَّة ولِعُموم المُسلمين، فتردَّدت الرسائل بينهما، وأدَّى الحسن بن طاهر العلوي دورًا هامًّا في تقريب وجهات النظر، وتوصَّل معهُما إلى عقد اتفاق صُلح في شهر ربيع الأوَّل سنة 334هـ المُوافق فيه شهر تشرين الأوَّل (أكتوبر) سنة 945م تضمَّن أربعة بُنُود: أن يكون لِسيف الدولة البِلاد المُمتدة من قرية جوسية إلى حِمص وسائر أعمالها، وأن يكون لِلإخشيد جميع البِلاد المُمتدَّة من دمشق وما بين يدها إلى آخر أعمالها، وأن يدفع الإخشيد أتاوة لِسيف الدولة عن دمشق، وأن تتصاهر الأُسرتان الحمدانيَّة والإخشيديَّة، فيتزوَّج سيف الدولة فاطمة ابنة أخي الإخشيد عُبيد الله بن طُغج. عارض أركانُ حرب الإخشيد ما أقدم عليه من الصُلح، وكانوا يودون مُواصلة القتال لِلقضاء على سيف الدولة، فطلبوا من شيخ شُيُوخ دمشق، وكان الإخشيد يأنس به، أن يلومه على ما أقدم عليه من الصُلح والمُصاهرة مع سيف الدولة، فلمَّا حدَّثهُ الشيخ برَّر تصرُّفه بأنَّ المُسالمة والصُلح هي أفضل من الهزيمة والفضيحة على يده، وأيضًا أفضل من المصاريف التي تتوجب على خزينة الدولة الإخشيديَّة بِحال الفوز. والواقع أنَّهُ كان لِلإخشيد من الدوافع ما جعلهُ يُقدم على عقد الصُلح في ظل ظُروفٍ سياسيَّةٍ مُعقدة على الرُغم من انتصاره، لعلَّ أهمها الحركات الانتفاضيَّة التي قامت في مصر آنذاك، وتذبذب الخِلافة العبَّاسيَّة في تعامُلها مع الإخشيديين، وقُوَّة الحمدانيين الكبيرة في الشَّام وميل الكثير من السُكَّان العرب إليهم وتفضيلهم على التُرك (كالإخشيديين) والفُرس، ولعب الحمدانيين دور حرس حُدود ديار الإسلام ضدَّ الغزوات البيزنطيَّة وصدَّهم هذا الخطر المُشترك على جميع الإمارات والدُويلات الإسلاميَّة بِما فيها الإخشيديَّة، وبالتالي فإنَّ المصلحة الإخشيديَّة الخاصَّة والمصلحة الإسلاميَّة العامَّة تقضي في تنمية هذه القُوَّة الفتيَّة وتشجيعها. هدأت الأوضاع، مُؤقتًا، في الشَّام بعد عقد اتفاق الصُلح بين سيف الدولة والإخشيد، وتفرَّغ الأوَّل لِلجهاد ضدَّ البيزنطيين.
تُوفي مُحمَّد بن طُغج الإخشيد في دمشق يوم 22 ذي الحجَّة 334هـ المُوافق فيه 25 تمُّوز (يوليو) 946م، ونُقل جُثمانه إلى بيت المقدس ودُفن هُناك. وعلى أثر وفاة الإخشيد خلفهُ ابنه أُنوجور، وكان في دمشق مع وصيِّه كافور، لكنَّ أُمورًا طارئة حدثت في مصر استدعت عودتهما، فانسحبا مع مُعظم قُوَّاتهما من دمشق، فخلت المدينة من حاميةٍ قويَّةٍ ترُدُّ عنها الحمدانيين، فاستغلَّ سيف الدولة هذه الفُرصة وهاجمها، ناقضًا بِذلك الاتفاق المعقود مع الإخشيديين، ودخلها في شهر صفر سنة 335هـ المُوافق فيه شهر أيلول (سپتمبر) سنة 946م، واستسلم حاكمها الإخشيدي يانس المُؤنسي، ثُمَّ توجَّه سيف الدولة إلى الرملة واستولى عليها، وراودتهُ أفكارٌ في مُواصلة الزحف إلى مصر وانتزاعها من الإخشيديين، لكنَّ أوضاع دمشق المُضطربة دفعتهُ إلى التوقُّف عن الزحف والعودة إلى المدينة، ذلك أنَّ سياسته الماليَّة واشتطاطه في طلب الأموال، من واقع مُطالبة الدمشقيين بِودائع الإخشيد، بِالإضافة إلى مُحاولة مُصادرة الأملاك العامَّة وتحويلها إلى ملكيَّة خاصَّة له؛ أثارت الدمشقيين، ويروي المُؤرخون أنَّ سيف الدولة كان يتنزَّه يومًا في الغوطة بِظاهر دمشق مع الشريف العُقيلي، أحد وُجهاء المدينة، فأعجبتهُ وقال لِلعُقيلي: «والله ما تصلحُ هذه الغوطة إلَّا لِرجُلٍ واحدٍ». فقال لهُ العُقيلي: « هي يا مولاي لِأقوامٍ كثيرة». فقال لهُ سيف الدولة: «لئِن أخذتها القوانين السُلطانيَّة لِتبرَّأون منها». فأسرَّها الشريف في نفسه، وأعلم أهل دمشف بذلك، فخشوا أن يُصادر سيف الدولة أملاكهم، فكاتبوا كافور يستدعونه لِيُخلِّصهم من طُغيانه، فاستغلَّ كافور هذه الفُرصة الثمينة لِكي يسترد ما فقده الإخشيديُّون من الأراضي في الشَّام، فغادر مصر على رأس جيشٍ ضخم واصطحب معهُ أُنوجور. وخرج سيف الدولة من دمشق لِلتصدي له وعسكر في اللجون، على بُعد عشرين ميلًا من طبريَّا، وأقام أيَّامًا في مُواجهة الجيش الإخشيدي. وحدث يومًا أن تفرَّق العسكر الحمداني في القُرى بحثًا عن العلف والقُوت، فداهمتهم القُوَّات الإخشيديَّة، وجرى قتالٌ ضارٍ بين الطرفين أسفر عن انهزام الجيش الحمداني ومقتل وأسر الكثير من أفراده، واضطرَّ سيف الدولة إلى الانسحاب إلى دمشق، فأخذ أهله وأمواله ومتاعه وسار خفيةً إلى حِمص من دون أن يعلم به أحد من الدمشقيين، فأعاد تنظيم صُفُوف قُوَّاته، وجمع جيشًا كبيرًا من الأعراب من بني عُقيل ونُمير وكلب وكلاب، وخرج على رأسه من حِمص للاصطدام بِالجيش الإخشيدي، غير أنَّهُ تعرَّض لِخسارةٍ جسمية اضطرَّتهُ إلى الانسحاب إلى حلب ثُمَّ إلى الرقَّة بعد أن تتبَّعهُ الجيش الإخشيدي وسيطر على المدينة. عيَّن كافور يانس المُؤنسي واليًا على حلب بعد أن استماله، وولَّى بدر الإخشيدي على دمشق، ثُمَّ عاد مع أُنوجور إلى مصر. لم يمكث يانس المُؤنسي في حلب أكثر من شهر، فقد هاجمه سيف الدولة وهزمه وأجبره على الهرب إلى سرمين. ثُمَّ مال الطرفان الحمداني والإخشيدي إلى الصُلح، وتردَّدت الرُسل بينهُما، واتَّفقا على إعادة إحياء صُلح سنة 334هـ 945م مع إلغاء البند المُتعلِّق بِدفع الإخشيديين الضريبة عن دمشق، لِأنَّ كافور رفض أن يدفعها، فتوقَّف المد الحمداني باتجاه جنوبيّ الشَّام، واستقرَّ السلام بين الطرفين وتفرَّغ سيف الدولة لِلجهاد ضدَّ البيزنطيين انطلاقًا من حلب.
واجه سيفُ الدولة خِلال حياته السياسيَّة أخطارًا داخليَّةً عدَّة نجمت عن خُرُوج الأعراب وثورات القرامطة على حُكمه، وقد هدَّدت كيان إمارته. والواقع أنَّ سياسة الحمدانيين العامَّة الماليَّة والاقتصاديَّة القاسية، أثارت القبائل العربيَّة سواء في الجزيرة الفُراتيَّة أو في الشَّام، والمعروف أنَّ الحمدانيين عمدوا إلى توفير المال اللازم لِلإنفاق على مشروعاتهم العُمرانيَّة وحُروبهم التي لا تنقطع ضدَّ الروم البيزنطيين بِالأخص، وخُصُومهم المُسلمين في أحيانٍ أُخرى، وبلاطهم الفخم؛ فنهبوا أموال الناس. أمَّا ثورات القرامطة فقد اتصفت بِالفرديَّة بِفعل الطُمُوح الشخصي وانتشار المذهب القُرمُطيّ والخارجيّ بين قبيلة كلب بشكلٍ خاص. ففي سنة 336هـ المُوافقة لِسنة 947م ظهر قُرمُطيٌّ في الشَّام، دعى نفسهُ «صاحبُ الخال»وتلقَّب بِالهادي وسُمِّي بِالمُبرقع، فادَّعى النُبُّوَّة وراح يدعو الناس بِدعوته فساندتهُ قبائل طيء وكلب، وأخذ يُهاجم المُدن والقُرى. وحدث أن خرج بعضُ الأعراب، وعاثوا في أعمال حِمص، واعتصموا بِقرية الحدث، إحدى الثُغُور الجزريَّة، فخرج أبو تغلب داود بن حمدان، ابن عم سيف الدولة ونائبه على حِمص، لِإخضاعهم، فتصدَّى لهُ صاحبُ الخال وأسره. وما أن علم سيفُ الدولة بما جرى لابن عمِّه حتَّى خرج من حلب لِلتصدِّي لِصاحب الخال وتحرير ابن عمِّه، فمرَّ بِمعرَّة النُعمان، وسار منها إلى حماة ثُمَّ إلى حِمص، والتقى بِصاحب الخال في قرية وادي العرب على بُعد خمسين ميلًا من حِمص، فهزمهُ وقتلهُ وحرَّر ابن عمِّه، وهدم قرية الحدث، وغرَّم أهلها خمسة آلاف دينار لِتمرُّدهم عليه.
انتقل الصراع بين الحمدانيين والبيزنطيين من أعالي الجزيرة الفُراتيَّة وأرمينية إلى شماليّ الشَّام على أثر انتقال سيف الدولة إلى حلب وتأسيسه إمارة له في رُبُوعها في سنة 333هـ المُوافقة لِسنة 944م. والمعروف أنَّ الحُدود بين الدولتين، الحمدانيَّة والبيزنطيَّة، تبدأ من نُقطة على الفُرات تقع شماليّ سُميساط، وتمُرُّ بين حصن منصور وزبطرة، وشمالي الحدث ومرعش، وقد اتبعت سلسلتيّ جبال طوروس حتَّى أبواب قيليقية ونهر اللامس، واتَّجهت، من ناحية، نحو الشمال إلى شرقيّ سُميساط فأرمينية. وفي سنة 334هـ المُوفقة لِسنة 945م تولَّى قسطنطين السابع العرش البيزنطي وافتتح عهدهُ مع المُسلمين بالاتفاق على تبادل الأسرى، وقد جرى التبادل في شهر ربيع الأوَّل سنة 335هـ المُوافق فيه شهر تشرين الأوَّل (أكتوبر) سنة 946م. استأنف البيزنطيُّون نشاطهم العسكري في سنة 336هـ المُوافقة لِسنة 947م، فأغاروا، بِقيادة الدمستق برداس فوقاس، على أطراف الشَّام، فسبوا وأسروا، فطاردهم سيف الدولة واستردَّ منهم ما أخذوه. وفي سنة 338هـ المُوافقة لِسنة 949م استولى البيزنطيُّون على مرعش وزحفوا نحو طرسوس بِقيادة ليون بن برداس فوقاس، فتصدَّى لهم مُحمَّد بن ناصر الدولة عند بوقا شمالي أنطاكية، إلَّا أنَّهُ تعرَّض لِلهزيمة وقُتل أربعمائة من جُنده وأُسر الكثير.
أثارت انتصارات البيزنطيين سيف الدولة، فقرَّر أن يثأر ويستعيد الأراضي الإسلاميَّة التي استولوا عليها، فجهَّز جيشًا ضخمًا بلغ تعداده ثلاثين ألف مُقاتل، وخرج على رأسه في 15 ربيع الأوَّل 339هـ المُوافق فيه 1 أيلول (سپتمبر) 950م غازيًا الأراضي البيزنطيَّة، واصطحب معهُ ثلاثة من الشُعراء هُم المُتنبي وأبا فراس وأبا زُهير المُهلهل، وانضمَّ إليه أربعة آلاف مُقاتل من طرسوس بِقيادة القاضي أبي حصين، فهاجم إقليم قباذق (كبادوكيا) واستولى على كثيرٍ من مُدُنه وقتل وسبى كثيرًا من البيزنطيين، فاخترق قيصريَّة وسمندو وخرشنة، ووصل إلى صارخة الواقعة على بُعد سبعة أيَّام من القُسطنطينيَّة مُهددًا العاصمة البيزنطيَّة، وانتصر على قُوَّةٍ عسكريَّةٍ بِقيادة ليون بن برداس فوقاس، وأسر عددًا من قادتها وكثيرًا من جُنودها، وغنم أموالًا طائلة. عند هذه النُقطة من التوغُّل الحمداني، رأى سيف الدولة أن يتوقَّف ويعود أدراجه إلى حلب، وبِخاصَّةً أنَّهُ دخل فصلُ الشتاء الذي لا يُمكن معهُ مُواصلة الحملات العسكريَّة، مُتخليًا عمَّا حقَّقهُ من إنجازات. وكان ليون بن برداس فوقاس يُراقب تحرُّكات سيف الدولة عن كثب، وعندما علم بِعودته أسرع إلى جبال طوروس لِيسُدَّ عليه الطريق، وحشد جيشهُ في منطقة خرشنة، وكمن لهُ في درب الجوزات بين البستان والحدث، وهُو الدَّربُ الذي أراد أن يخرج منه، وضيَّق عليه المسالك. وإذ حصره ليون في هذا الدرب الصعب وعزله عن مُقدِّمة جيشه؛ تخلَّى عنهُ عددٌ من جُند الثُغُور، واقتلع الجُنُود الروم الأشجار وسدُّوا بها الطُرُق، كما ألقوا الحجارة الضخمة من قمم الجبال على الجُنُود المُسلمين، في الوقت الذي كان فيه ليون يضرب ساقة الجيش الإسلامي بِعُنف. ووجد سيف الدولة نفسهُ في مأزقٍ حرجٍ وخطير، فقتل الأسرى البيزنطيين الذين في حوزته حتَّى لا يُشكلون قُوَّة تنقلبُ عليه، وعقر جِماله وكثيرًا من دوابه، وتخفَّف من أحماله، وقاتل ببسالة، ونجا بِأُعجوبة مع نفرٍ يسيرٍ من جُنده، وقُتل الباقون أو أُسروا، واستردَّ البيزنطيُّون ما بقي من السبي الذي كان المُسلمون قد غنموه، وعاد سيف الدولة إلى حلب.
عاث البيزنطيُّون فسادًا في ديار المُسلمين بعد هذه الوقعة، فصمَّم سيف الدولة على الثأر وخرج على رأس جيشٍ في جُمادى الأولى سنة 340هـ المُوافق فيه تشرين الأوَّل (أكتوبر) 951م، فأحرق القُرى حتَّى عربسوس قُرب المصيصة، وعلم أنَّ جيشًا بيزنطيًّا مُحتشدًا في سمندو في وسط آسيا الصُغرى وتعداده أربعين ألف جُندي، فأراد أن يُهاجمه، فتهيَّب جُنده الإقدام على ذلك وكارثة درب الجوازات ما زالت ماثلة أمامهم. وفي سنة 341هـ المُوافقة لِسنة 952م جدَّد سيف الدولة الاستحكامات وأقام الأسوار حول المُدن الحُدوديَّة وتلك التي تقع على الطريق المُؤدي إلى حلب، وأعاد بناء مرعش التي دمَّرها الروم قبل بضع سنوات، فحاول قسطنطين بن برداس فوقاس أن يمنع سيف الدولة من ذلك، فردَّهُ الأخير وهزمه، الأمر الذي دفع بِالروم إلى التحوُّل إلى الجزيرة الفُراتيَّة، فاستولوا على مدينة سُرُوج، وهاجموا آمد، غير أنَّهم ارتدُّوا على أعقابهم بِفضل جُهُود أميريّ ميافارقين وآمد. وتُعدُّ الحملة التي قام بها سيف الدولة في سنة 342هـ المُوافقة لِسنة 953م ضدَّ الأملاك البيزنطيَّة، من أهم الحملات التي قام بها في حياته؛ إذ جعل هدفه مدينة ملطية التي تُشكِّلُ مصدر خطرٍ على الأملاك الإسلاميَّة في الجزيرة الفُراتيَّة. ولمَّا سار إليها كمن لهُ الدمستق برداس فوقاس في درب مردان قُرب ملطية، واصطدم به. استطاع سيف الدولة أن يستدرج عدُوَّه إلى ميدانٍ مُلائمٍ، فتفوَّق عليه وهزمه وأرغمه على الانسحاب ودخل سُميساط، إلَّا أنَّهُ انسحب منها بعد ذلك عندما علِم أنَّ برداس فوقاس استغلَّ غيابه وهاجم أطراف الشَّام. وأدرك الأمير الحمداني عدوُّه بِناحية مرعش عند نهر سيحان، فاصطدم به وانتصر عليه أيضًا وقُتل في المعركة القائد ليون بن الملائين، ووقع قسطنطين بن برداس فوقاس في الأسر، فحملهُ سيف الدولة معهُ إلى حلب، وكان مريضًا، فاعتنى به سيف الدولة بِنفسه، مُبرهنًا عن فُروسيَّةٍ نادرةٍ، غير أنَّ قسطنطين لم يلبث أن تُوفي، فاهتمَّ سيف الدولة بِتجهيزه ودفنه وفقًا لِلمراسم المسيحيَّة تحت إشراف البطاركة والقساوسة الحلبيين، وكتب إلى أبيه يُعزِّيه. وعلى الرُغم من هذه المُعاملة الحسنة، فقد شاع في القُسطنطينيَّة بِأنَّ قسطنطين مات مسمومًا، وترتَّب على ذلك ما جرى من إساءة مُعاملة الأسرى المُسلمين وقتل بعضهم الآخر.
التفت سيف الدولة، في سنة 343هـ المُوافقة لِسنة 954م، إلى تشييد حصن الحدث، ففاجأه الدمستق برداس فوقاس على رأس جيشٍ ضخمٍ يُقدَّر بِخمسين ألف مُقاتل من الأرمن والتُرك والروس والبلغار والصقالبة والخزر، وجرى قتالٌ عنيف بين الطرفين استمرَّ من أوَّل النهار إلى وقت العصر، وأسفر عن انتصار سيف الدولة، وقُتل ثلاثة آلاف مُقاتل من جيش الدمستق ووقع عددٌ كبيرٌ في الأسر، كان من بينهم صهره تُيُودوس الأعور وابن ابنته وعدد من القادة، واستطاع برداس فوقاس أن ينجو بنفسه، واختبأ ابنه نقفور في سقاية الحدث حتَّى جنَّ الليل، فخرج ولحق بِأبيه، وعاد سيف الدولة إلى حلب عن طريق سمندو بعد أن أنهى بناء حصن الحدث ومعهُ الأسرى في شهر رجب المُوفق فيه شهر تشرين الثاني (نوڤمبر). وحاول برداس فوقاس، في السنة التالية، استرجاع الحدث، فحاصرها ونقب سورها، لكنَّهُ فكَّ الحصار عنها وغادر المنطقة عندما علم بِقُدُوم سيف الدولة لِقتاله. ترتَّب على الهزائم التي تعرّّض لها البيزنطيُّون أن مال الإمبراطور قسطنطين السابع إلى التفاهُم مع سيف الدولة، فأرسل إليه سفارة تلتمس منهُ الصُلح. غير أنَّ سيف الدولة رفض الاستجابة لِطلبه، لِأنَّ البيزنطيين كانوا قد قتلوا الأسرى المُسلمين الذين وقعوا في أيديهم ومنهم أشخاص من الأُسرة الحمدانيَّة. وما جرى بعد ذلك من الاستغناء عن خدمات برداس فوقاس بِسبب كِبر سنِّه، وتعيين ابنه نقفور مكانه في شؤون الحرب والقتال، وبِفضل مُساعدة أخيه ليون، عادت السياسة البيزنطيَّة إلى انتهاج سياسة التوسُّع في الشرق على حساب المُسلمين.
وفي سنة 343هـ المُوافقة لِسنة 954م، ثارت قبيلة بني كلاب وعاثت في نواحي بالس، وكان سيفُ الدولة مُنهمكًا في حرب البيزنطيين، فترك الجبهة البيزنطيَّة وسار إلى بالس وأخضعها، ولم يُسئ إلى أسراها وبِخاصَّةً النساء، فأكرمهُنَّ وأعادهُنَّ إلى أهلهنَّ. ومن المعروف أنَّ سيف الدولة كان يضع نصب عينيه أنَّه أميرٌ عربيّ وأنَّ ولاء القبائل لهُ يأتي من واقع كونه من العرب الأقحاح، بعد أن تعبت تلك القبائل في العصر العبَّاسي الثاني من جور وظُلم وتعسُّف الكثير من القادة التُرك والفُرس، وكبُر الإحساس الشُعُوبي في أنفُسهم، لِذا كان عليه التهاون مع تلك القبائل في الكثير من الأحيان كي يُحافظ على مركزه. وتكتَّلت في السنة التالية قبائل عامر بن صعصعة، وهي عُقيل وقُشير والعجلان وأبناء كعب من ربيعة بن عامر وكلاب بن عامر، ضدَّ سيف الدولة. وعقد هؤلاء مُؤتمرًا في سلميَّة قُرب حِمص، وقد عبَّروا عن سخطهم وغضبهم ممَّا نالهم من ظُلمٍ وطُغيانٍ من سيف الدولة ممَّا لم يتعوَّدوه، وقرَّروا القيام بالاضطرابات والفتن في أراضي إمارته. وشُغل سيف الدولة عنهم بِفعل قُدوم وفد بيزنطي لِطلب الصُلح، فاستغلَّ الثائرون هذه الفُرصة وتمادوا في عبثهم في أطراف الإمارة، وقتلوا والي قِنَّسرين الصباح بن عمارة، فغضب سيف الدولة ونهض لِوضع حد لِتعدِّياتهم، فخرج في 11 صفر 344هـ المُوافق فيه 6 حُزيران (يونيو) 955م إلى قِنَّسرين ونفَّذ عمليَّة مُطاردة ضدَّ الثائرين، فاستسلمت بنو كلاب، فعفا عنهم، وتابع تعقُّب بقيَّتهم، فاشتبك معهم في معارك عدَّة وهزمهم في سلميَّة، ففروا إلى بادية السماوة وتوغلوا فيها، فطاردهم حتَّى تدُمر وضيَّق عليهم حتَّى اضطرُّوا إلى الاستسلام وطلب العفو، فعفا عنهم، وفرَّقهم في الجزيرة الفُراتيَّة، وعاد إلى حلب.
تعرَّض حُكمُ سيفُ الدولة لِثورةٍ أُخرى في سنة 352هـ المُوافقة لِسنة 963م قام بها أهلُ حرَّان ضدَّ عامله هبة الله بن ناصر الدولة بِسبب ظُلم مُوظفيه، فانتهزوا فُرصة غيابه عند عمِّه في حلب وطردوا هؤلاء المُوظفين، وعندما حاول هبة الله دُخول المدينة إثر عودته من حلب صدَّهُ أهلها وأغلقوا الأبواب في وجهه، فاضطرَّ أن يلتمس المُساعدة من عمِّه، فقدم سيف الدولة على رأس جيشه، فدخل المدينة، واستسلم الحرَّانيُّون. وما حدث في تلك السنة لدى عودة سيف الدولة من غزوةٍ لهُ ضدَّ الروم حيثُ أصابتهُ غشية، وظنَّ الناس أنَّهُ مات، فاستغلَّ هبة الله الفُرصة لِيقطع ما تيسَّر من أراضي الإمارة، فدخل حرَّان وأعلن العصيان، وأوهم أهلها بِأنَّ عمَّهُ سيفُ الدولة قد تُوفي وأنَّهُ كتب إلى أبيه ناصر الدولة لِيُنجده بِجيش، وطلب منهم أن يُساندوه ويقفوا معه ضدَّ كُل من يُحاربه، وأن يُقسموا على ذلك، وهذا يعني أنَّهُ لم يكن يثق بهم، فحلفوا على الإخلاص له، إلَّا أنَّهم استثنوا عمَّه من القسم. وعندما أفاق سيف الدولة من غشيته أُخبر بِعصيان ابن أخيه فغضب وأرسل غُلامه نجا إلى حرَّان لِلقبض عليه، وما أن وصل إليها حتَّى غادرها هبة الله إلى والده ناصر الدولة في الموصل، فدخل نجا المدينة وأعاد سُلطة سيف الدولة فيها، واشتطَّ في جباية الأموال، وصادر منهم مليون درهم، ففاق بِتعسُّفه هبة الله. واغترَّ نجا بما تجمَّع لديه من أموال وأعلن عصيانه على سيِّده، وسار إلى ميافارقين تاركًا حرَّان من دون والٍ، وقصد أرمينية، فقتل واليها أبا الورد، واستولى على خلاط وملاذكرد، واتصل بِمُعز الدولة البُويهي، وكان آنذاك في نصيبين، وعرض عليه التحالف ضدَّ سيف الدولة. لم يركن سيف الدولة إلى الهُدوء، وهو يرى خُرُوج أحد غلمانه عليه، فخرج من حلب لِإخضاعه، ولمَّا وصل إلى ميافارقين، خشي نجا على نفسه فهرب من بين يديه، وملك سيف الدولة الأراضي والقِلاع التي أخذها من أبي الورد. لم ينجُ نجا بِفعلته، فقد وثب عليه غلمان سيف الدولة وقتلوه بين يديه في داره بِميافارقين في شهر ربيع الأوَّل سنة 354هـ المُوافق فيه شهر آذار (مارس) سنة 965م، وقيل أنَّ سيف الدولة حزن حُزنًا شديدًا، وقتل قاتلُه، وقيل أيضًا بِأنَّ سيف الدولة أمر بِقتله شخصيًّا.
ثار في سنة 354هـ المُوفقة لِسنة 965م قُرمُطيٌّ يُدعى مروان العُقيلي وكان قد استأمن من سيف الدولة، ورافقهُ في بعض حملاته الجهاديَّة ضدَّ البيزنطيين، وتولَّى السواحل نيابةً عنه، فاستولى على حِمص وما جاورها، فأرسل إليه الحاجب قرغويه غلامه بدر فاشتبك معهُ في غربيّ كفرطاب بين معرَّة النُعمان وحلب، ورمى بدرًا مروان بِنشَّابة مسمومة أثناء القتال، غير أنَّهُ وقع في أسره، وقتلهُ مروان صبرًا، وتُوفي بعد أيَّام من إثر ضربة بدر، وعاد قرغويه إلى حلب. وشهدت نفس السنة أيضًا ثورة أُخرى هدَّدت الإمارة الحمدانيَّة في الصميم قادها رشيق النسيمي، وكان هذا القائد قد فرَّ إلى أنطاكية بعد سُقُوط طرسوس في يد الروم. وكان في أنطاكية آنذاك رجُلٌ مغمورٌ يُدعى حسن الأهوازي يعمل على ضمان المُستغلَّات لِسيف الدولة، فاجتمع بِرشيق النسيمي وحرَّضهُ على الثورة على سيف الدولة مُستغلًّا غيابه عن حلب، في ميافارقين، بعد خسارته أمام البيزنطيين، وأنَّهُ لن يعود. فاستجاب رشيق النسيمي له، وأعلن الثورة. وحتَّى يُقوِّي موقفه اتصل بِالإمبراطور البيزنطي والتمس مُساعدته مُقابل مبلغ ستُّمائة ألف درهم سنويًّا، وساندهُ الأهالي، فطردوا عُمَّال سيف الدولة من أنطاكية، وزوَّر كتابًا ذكر فيه أنَّ الخليفة العبَّاسي قلَّدهُ أملاك سيف الدولة وجميع أعماله، فقُرئ على منابر المساجد في أنطاكية. واستغلَّ حسن الأهوازي ما تجمَّع لديه من المال وكوَّن فرقةً عسكريَّةً، واستأمن إليه «دزبر بن أونيم الديلمي» وجماعةً من الديلم الذين كانوا مع الحاجب قرغويه في حلب. وطمع رشيق النسيمي في توسيع رقعة نُفُوذه بالاستيلاء على حلب، فتقدَّم نحوها على رأس خمسة آلاف مُقاتل، وهزم مُقدِّمة الجيش الحمداني الذي حاول وقف تقدُّمه ودخل المدينة في 1 ذو القعدة 354هـ المُوافق فيه 29 تشرين الأوَّل (أكتوبر) 965م، لكن امتنعت عليه القلعة، فحاصرها ثلاثة أشهر تخلَّلها قتالٌ بين الطرفين، قُتل خلالهُ رشيق النسيمي، فقد طعنهُ أبو يزيد الشيباني فسقط عن حصانه، فتلقَّاهُ أحد المُقاتلين وقتلهُ وحزَّ رأسهُ ومضى به إلى الحاجب قرغويه، الذي عاد إلى حلب. فرَّت قُوَّاتُ رشيق النسيمي إلى أنطاكية واختار أفرادُها دزبر بن أونيم خلفًا له، وعقدوا له الإمارة فاستوزر أبا علي الأهوازي، وحاول أن يصبغ حركته بِالصبغة العلويَّة لاستقطاب الشيعة هُناك وتقوية موقفه، والمعروف أنَّ المبادئ الشيعيَّة كانت تلقى صدى واستجابة لدى العامَّة، فخرج قرغويه من حلب إلى أنطاكية لِلقصاء عليه إلَّا أنَّهُ تعرَّض لِلهزيمة واستسلم كثيرٌ من أفراد جيشه، فعاد إلى حلب وتحصَّن بِقلعتها. واستولى دزبر على المدينة في شهر جُمادى الأولى سنة 355هـ المُوافق فيه شهر أيَّار (مايو) سنة 966م، واستقرََّ بها، وأقام وزيره مع جُنده في قنَّسرين فانضمَّ إليه بنو كلاب، وجبى الخِراج من حلب وحِمص، وعيَّن الوُلاة والقُضاة والشُيُوخ والعُمَّال على الولايات، ما استدعى تدخُّل سيف الدولة شخصيًّا، فزحف على رأس قُوَّاته إلى حلب فدخلها، وبات فيها مريضًا، قد أصابه الفالج وبطُل شقَّهُ الأيسر، فتحامل على نفسه ونفَّذ عمليَّة مُطاردة لِلثائرين حتَّى تل سبعين، شرقيّ حلب. وعندما رأى بنو كلاب سيف الدولة انحازوا إلى صُفوفه ما أضعف موقف دزبر. وجرى اللقاء الدامي بين الطرفين عند هذه القرية وأسفر عن انتصار سيف الدولة، ووقع دزبر والأهوازي في أسره، فقتل الأوَّل من يومه واستبقى الثاني أيَّامًا ثُمَّ قتله.
في سنة 345هـ المُوافقة لِسنة 956م غزا سيف الدولة بطن مدينة هِنزيط بِالأناضول، ونزل على شاطئ أرسناس، وعبر إلى الجانب الآخر، فهاجم يانس بن زمسكيس في تل بطريق وهزمه وفتح الحصن، وعاد إلى آمد. واصطدم أثناء عودته بِالدمستق ويانس اللذين سدَّا عليه الدرب، فانتصر عليهما وأجلاهُما عنه، وتابع طريقه. وكان سيف الدولة قد خلَّف ابن عمِّه أبا العشائر الحُسين بن عليّ بن حمدان في دلوك من نواحي حلب، وكلَّفهُ بِمُهاجمة حصن عرمدا، وعمارة عرنداس، فتصدَّى لهُ ليون بن الدمستق وانتصر عليه وأسره، وحملهُ إلى القُسطنطينيَّة، وتُوفي في الأسر. وفي ذات السنة غزا سيف الدولة الأراضي البيزنطيَّة مع أهل الثُغُور، وأرسل سريَّة إلى سمندو اصطدمت بِالقائد البيزنطي استراتيگوس بن البلنطس وأسرته، ثُمَّ هاجم سيف الدولة حصن زياد وحاصره، غير أنَّهُ فك الحصار عنهُ وعاد إلى حلب لِيتصدَّى لِلدمستق الذي كان يزحف على الشَّام. وخرَّب سيف الدولة في هذه الغارات مواضع بيزنطيَّة كثيرة مثل خرشنة، وصارخة، غير أنَّ البيزنطيين تمكنوا من دُخُول طرسوس، فأحرقوها وسبوا ما صادفوه من أهلها. وما كاد سيف الدولة يستقر في حلب حتَّى هاجم البيزنطيُّون ميافارقين، فأحرقوا قُراها، وسبوا أهلها، وعادوا إلى مُعسكرهم.
نتيجة الانتصارات الإسلاميَّة المُتوالية وفشل البيزنطيين في وقف الغارات الحمدانيَّة، بدَّل البيزنطيُّون خططتهم السياسيَّة والعسكريَّة لِتتلائم مع التطُّور الجديد، فقرَّروا التخلُّص من سيف الدولة عن طريق التآمُر، فكاتبوا في شهر جُمادى الأولى سنة 346هـ المُوافق فيه شهر آب (أغسطس) سنة 975م بعض غلمانه بِالقبض عليه وتسليمه إلى الدمستق عند قُدومه لِمُحاربته. وامتدَّت الخيانة إلى الحرس الأميري الذي أبدى أفرادهُ استعدادًا لِتسليم سيف الدولة إلى ليون فوقاس في الوقت المُناسب، لكنَّ المُؤامرة ما لبثت أن اكتُشفت، فقد أخبر بعض الغلمان القائد ووالي مصر السَّابق أحمد بن كيغلغ بِالمُؤامرة، فأعلم سيف الدولة، الذي ألقى القبض على المُتآمرين وعاقبهم بِأن قتل منهم مائة وثمانين، وقبض على وهاء مائتيّ غُلام، وكان مُعظمهم من الأرمن والتُرك كان قد اشتراهم وأدخلهم في عداد جيشه. كما انتهج الروم تدمير المناطق الحُدوديَّة وإفراغها من الوُجود العسكري الإسلامي، فهاجموا، بِقيادة الدمستق نقفور فوقاس، حصن الحدث، واستولوا عليه صلحًا، فأجلوا أهله عنه وهدموه. والواقع أنَّ هذا الأُسلوب الجديد في التعامل السياسي والعسكري كان فاشلًا ولم يُحقق الهدف المُرتجى، بِدليل استمرار الغارات الحمدانيَّة على الأراضي البيزنطيَّة والتصدي الحمداني لِلغارات البيزنطيَّة المُضادة. ففي سنة 347هـ المُوافقة لِسنة 958م، جرت عدَّة وقعات بين الروم والمُسلمين كانت الغلبة فيها للروم، الذين توغلوا في الأراضي الإسلاميَّة وفتحوا حُصونًا عدَّة حتَّى امتدَّت حُدود الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة إلى ما وراء الفُرات، وأضحى الطريق إلى طرسوس وأنطاكية وبيت المقدس مفتوحًا أمامهم. وفي سنة 350هـ المُوافقة لِسنة 961م، نجح القائد نقفور فوقاس في انتزاع جزيرة إقريطش (كريت) من المُسلمين، كما تمكَّن الروم من اجتياح طرسوس والاستيلاء على حصن الهارونيَّة وأسر مُحمَّد بن ناصر الدولة الحمداني. كان لِهذه الهزيمة ردّ فعلٍ عنيف من جانب المُسلمين، حتَّى أنهم أعلنوا الجهاد في أنحاء الدولة العبَّاسيَّة، خُصوصًا في المشرق، وهاجم المُسلمون في مصر كنائس النصارى، وركب كافور الإخشيدي إلى دار الصناعة لِيطرح مركبًا عظيمًا كان بها بِالبحر، إيذانًا بِبدء الحرب ضدَّ البيزنطيين، كما دفعت سيف الدولة إلى أن يعبر بجيشٍ كبير الحُدود البيزنطيَّة مُستغلًا فراغ الثُغُور الروميَّة من الجُند الذين اشترك أغلبهم في حملة إقريطش، ورُبما كان من بين دوافع سيف الدولة أيضًا تخفيف الضغط البيزنطي عن أمير إقريطش عبدُ العزيز بن عُمر بن شُعيب، بِدليل أنَّ حملة الأمير الحمداني بدأت في الوقت الذي أخذت فيه الحملة البيزنطيَّة في النُزول إلى الجزيرة.
خرج سيف الدولة في سنة 349هـ المُوافقة لِسنة 960م على رأس جيشٍ كبير، تعداده ثلاثون ألف مُقاتل، وتوغَّل في الأراضي البيزنطيَّة حتَّى خرشنة، وهو يقتل ويسبي ويحرق ويفتح الحُصُون من دون أن يحفل بما خلَّفه وراءه ليون من جُندٍ في الشَّام، فكلَّفهُ ذلك غاليًا لاحقًا. وكمن البيزنطيُّون لِلمُسلمون في درب مغارة الكُحل، وهو إحدى دُروب جبال طوروس التي كان المُسلمون يعبرون من خلالها من الشَّام إلى الأناضول والعكس. ونصح الطرسوسيُّون سيف الدولة بألَّا يسلُك هذا الدرب أثناء عودته لأنَّ البيزنطيين ملكوه من خلف ظهره، لكنَّهُ رفض نصيحتهم، ويبدو أنَّ رفضه ناجمٌ عن اعتزازه بنفسه وإعجابه بِرأيه ولِتفادي القول بِأنَّهُ أصاب بِرأي غيره. وما أن تقدَّم سيف الدولة بمن معهُ من الأسرى وبما يحملُ من الغنائم، انقضَّ عليه ليون بِقُوَّاته، فدارت بين الطرفين معركة في 15 رمضان المُوافق فيه 8 تشرين الثاني (نوڤمبر) تعرَّض فيها سيف الدولة لِخسارةٍ جسيمة وصلت إلى حد الكارثة، فلم ينجُ إلَّا بِثلاثمائة مُقاتل من المُسلمين، وعاد إلى حلب تاركًا أثرًا سلبيًّا في نُفُوس المُسلمين الذين وضعوا كُل ثقتهم به في مُواجهة الروم. وفي ذات السنة، عُيِّن نقفور فوقاس دمستقًا جديدًا في الشرق بعد أن عاد مُنتصرًا من إقريطش، فنقل الحرب من مناطق الحُدود إلى قلب الدولة الحمدانيَّة، فاستولى بدايةً على قيليقية ومدينة عين زربة، وارتكب جُنُوده كثيرًا من الأعمال الوحشيَّة، وأظهر من الشَّدة والصرامة والقسوة ما ألقى الرُعب في قُلُوب الأهالي المُسلمين بِهذه الجهات وعلى الأطراف، فانجلى الكثير منهم عن بلادهم، وتعرَّض بعضهم للتهجير والقتل والتشريد والعذاب ما أدَّى إلى هلاك عدد كبير منهم، ولم تنجُ الأشجار والنباتات من يد التخريب، فأمست المناطق المُجاورة لِعين زربة خرابًا يبابًا.
توَّج نقفور فوقاس نشاطه العسكري في شمال الشَّام باستيلائه على حلب، فاستولى في ربيع الأوَّل سنة 351هـ المُوافق فيه نيسان (أبريل) 961م على المُدن والحُصُون