اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
تعرّف صلاة الخسوف في الاصطلاح الشرعي بأنّها الصلاة التي تُؤدى بكيفيةٍ مخصوصةٍ عند ذهاب ضوء القمر أو الشمس كلياً أو جزئياً، وتتعلّق بها عدّة أحكام فيما يأتي بيان البعض منها بشيءٍ مفصّلٍ.
وردت أحاديث كثيرةٌ تدلّ على مشروعية صلاة الكسوف والخسوف، منها أمرُ النبي -صلّى الله عليه وسلّم- الناس بالصلاة والدعاء عند وقوع الكسوف أو الخسوف، إذ قال: (إنَّ الشَّمْسَ والْقَمَرَ آيَتانِ مِن آياتِ اللهِ، يُخَوِّفُ اللَّهُ بهِما عِبادَهُ، وإنَّهُما لا يَنْكَسِفانِ لِمَوْتِ أحَدٍ مِنَ النَّاسِ، فإذا رَأَيْتُمْ مِنْها شيئًا فَصَلُّوا، وادْعُوا اللَّهَ حتَّى يُكْشَفَ ما بكُمْ)، وممّا يؤكّد مشروعية صلاة الخسوف ما ثبت عن النبي -صلّى الله عليه وسلّم- أنّه صلّى بالناس عندما كُسفت الشمس، ممّا يدل على أنّ صلاة الكسوف والخسوف من السنة الفعليّة، عن أبي بكرة نفيع بن الحارث -رضي الله عنه- قال: (كُنَّا عِنْدَ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَانْكَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حتَّى دَخَلَ المَسْجِدَ، فَدَخَلْنَا، فَصَلَّى بنَا رَكْعَتَيْنِ حتَّى انْجَلَتِ الشَّمْسُ).
أمّا الحكمة من صلاتي الكسوف والخسوف فتتمثل في تحقيق عبودية الخوف من الله -تعالى-، لقول الرسول -صلّى الله عليه وسلّم- عن الكسوف: (يُخَوِّفُ اللَّهُ بهِما عِبادَهُ)، ففي الحديث إشارةٌ واضحةٌ إلى أنّ هذه الظاهرة تقذف الخوف في قلب المسلم فيفزع إلى الله بالصلاة والدعاء والتضرّع واللجوء إليه، والخوف في هذه الحالة يدلّ على أن ما يعتري الشمس والقمر من تغيّرٍ لم يعتده الناس تنبيهٌ لهم على قدرة الله بإنزال عقابه بهم، وتذكيرٌ لهم كذلك بيوم القيامة وما يحدث فيه من عجائب في الكون غير ما اعتاده العباد، قال -تعالى-: (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ)، وقال أيضاً: (فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ)، ويتجلّى في ظاهرتي الكسوف والخسوف تخويف الناس من قدرة الله على سلب النعم.
قال الفقهاء بأنّ الصلاة لكسوف الشمس من السنن المؤكدة الواردة عن النبي -عليه الصلاة والسلام-، أمّا حكم صلاة لخسوف القمر فقد ذهب كلٌّ من الشافعية والحنابلة إلى القول بأنّها سنةٌ مؤكدةٌ، وقال الحنفية بأنّها حسنةٌ، أمّا المالكية فقالوا بأنّها مندوبةٌ، وثبت حكمها بالقرآن الكريم والسنة النبوية الفعلية، قال تعالى: (لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّـهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ)، كما ورد أنّ النبي -عليه الصلاة والسلام- صلّى بالناس حين كُسفت الشمس في عهده، وبيّن لهم أنّ الكسوف آيةٌ من آيات الله لعباده.
يبدأ وقت صلاة الخسوف والكسوف من حصولهما إلى انتهائهما، فِهماً من السنة القولية والعملية للنبي -صلّى الله عليه وسلّم-؛ ففي حديث أبي بكرة -رضي الله عنه-: (قَامَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حتَّى دَخَلَ المَسْجِدَ، فَدَخَلْنَا، فَصَلَّى بنَا رَكْعَتَيْنِ حتَّى انْجَلَتِ الشَّمْسُ)، والفزع والإسراع دلالةٌ عمليةٌ على المبادرة لأداء الصلاة حين حدوث الخسوف أو الكسوف، ومن الحديث ذاته يُستدلّ على أنّ وقت الصلاة يستمر إلى انجلاء الخسوف أو الكسوف؛ فقد صلّى النبي -صلّى الله عليه وسلّم- بالناس حتى ذهبا.
تفوت صلاة الخسوف بانكشاف الخسوف وانتهائه، أو بطلوع الشمس بعد الفجر، أمّا صلاة الكسوف فتفوت بذهاب الكسوف بشكلٍ كاملٍ، أو بغروب الشمس، أمّا الخطبة المتعلّقة بالصلاتين فلا تفوت بانتهاء الكسوف أو الخسوف؛ إذ إنّ خطبة النبي -عليه الصلاة والسلام- كانت بعدهما.
لم يرد دعاءٌ مأثورٌ عن النبي -صلّى الله عليه وسلّم- لصلاة الكسوف والخسوف، إلّا أنه يُحسن بالمسلم الإكثار في ذلك الوقت من الاستغفار والتوبة والإنابة إلى الله -سبحانه-، وطلب الرحمة والمغفرة منه، كما أنّ تطويل الصلاة بحاجةٍ إلى الدعاء والسؤال فيها.
تتفرّد صلاة الخسوف عن غيرها من الصلوات بأنّها تتضمن ركوعين، ومن أدرك الركوع الأول منها فقد أدرك الركعة، أمّا من أدرك الركوع الثاني في الركعة فقد اختلف العلماء في حكم إدراكه للركعة، وفيما يأتي استعراضٌ لآراء المذاهب الأربعة في ذلك:
يُنادى لصلاة الخسوف بقول: "الصلاة جامعةٌ"، استناداً لما رواه الإمام البخاري في صحيحه عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أنّها قالت: (أنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ علَى عَهْدِ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَبَعَثَ مُنَادِيًا: بالصَّلَاةُ جَامِعَةٌ)، فقد تضمّن الحديث الأصل الذي بنى عليه أهل العلم أنّ النداء لصلاة الخسوف بذات النداء الوارد في الحديث هو أمرٌ مندوبٌ، ويقصد بالأمر المندوب الأمر الوارد في الشريعة بغير إلزامٍ أو وجوبٍ، وبناءً على ذلك فلا يترتب الإثم على تاركه، بينما ينال مؤدّيه الأجر والثواب.
قال الشافعية بالجهر في صلاة خسوف القمر؛ إذ ألحقوها بصلوات الليل التي تؤدّى بالجهر، وأمّا صلاة كسوف الشمس فتؤدّى بالإسرار، وأيّدهم المالكية والحنفية، وخالفهم أحمد بن حنبل وأبو يوسف من الحنفية محتجّين بحديث عائشة -رضي الله عنها-: (أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ صلَّى صلاةَ الكُسُوفِ وجَهَرَ بِالقراءةِ فِيها)، كما أنّها كغيرها من صلوات النافلة فيُجهر بها كصلاة العيد والاستسقاء.
انقسمت المذاهب الأربعة إلى شطرين بشأن صلاة الخسوف في جماعةٍ، وبيان خلافهم فيما يأتي:
اختلف الفقهاء في حكم الجماعة في صلاة الكسوف وبيان خلافهم فيما يأتي:
تتفاوت أقوال الفقهاء في الخطبة بعد صلاة الخسوف بالتفصيل المبيّن فيما يأتي: