اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
تعيش كل البطاريق الإمبراطورة في القطب الجنوبي للأرض بين دائرتي 66ْ و77ْ جنوبًا، وهي تقطنُ وتُفرخُ دومًا فوق سطوحٍ جليديَّة ثابتةٍ قرب شاطئ البحر وعلى مسافة لا تتجاوزُ 18 كيلومترًا عنه. وغالباً ما تبني هذه البطاريق مستوطناتها (التي تربّي فيها أفراخها) في مساحات محاطة بمرتفعات جليدية تحميها من الرياح القارسة، وقد عُثِرَ على ثلاثة مستوطناتٍ كبرى تتكاثرُ فيها على يابسة القارة القطبية الجنوبية (أنتاركتيكا)، إحداها كانت تقعُ على لسانٍ جليدي متفرّعٍ من جزر ديون في غرب أنتاركتيكا (وقد اندثرت هذه المستوطنة الآن)، وثانية تقعُ على رأسٍ في مثلجة تيلور بأرض ڤيكتوريا، والثالثة في خليج أمندسن. وقد شوهدت بعض هذه المستوطنات بدءًا من سنة 2009 على الجليد المنجرف بدلاً من الجليد البحري، وهو نوعٌ غير مستقرّ من الجليد ويمكنُ أن يتهدَّم بسهولة، وقد أجبرت البطاريق على ذلك بسبب التأخّر الشديد في تجمّد سطح البحر بالسنوات الأخيرة. وأقربُ مستوطنات البطريق الإمبراطور إلى خط الاستواء هي مستوطنة في جزيرة سنو التابعة لأرخبيل شيتلاند الجنوبي، والتي تقع على دائرة العرض 62 جنوبًا. وتشردُ بعض البطاريق فرادى (بين الحين والآخر) وصولاً إلى جزيرة هيرد وجورجيا الجنوبية، بل وأحيانًا إلى نيوزيلندا.
قُدِّرَ عدد البطاريق الإمبراطورة في العالم في سنة 2009 بنحو 595,000 بطريق مكتمل النموّ يعيشُ في 46 مستوطنةً منتشرة في مختلف أنحاء أنتاركتيكا والدائرة المحيطة بها، وتعيش 35% من هذه البطاريق شمال الدائرة القطبية الجنوبية. وتتموضعُ أكبر وأهمّ المستوطنات التي تجنبُ فيها هذه البطاريق فراخها في رأس واشنطن وجزيرة كولمان وأرض ڤيكتوريا وخليج هالي ورأس كولبيك ومثلجة ديبل، ولا تأوي هذه المستوطنات نفس الأعداد من البطاريق دومًا، إذ كثيرًا ما تتشعَّبُ وتنقسمُ إلى مجموعاتٍ أصغر تنجرفُ بعيدًا عن المستوطنة الرئيسية وتؤسّس تجمّعات صغيرة جديدة، وقد تندثرُ بعض المستوطنات تماماً ولا يعود لها أثر. على سبيل المثال، تقلَّصت مستوطنة رأس كروزير (في بحر روس) من حجمها الهائل عندما زارتها بعثة الاستكشاف البريطانية في سنة 1902 و1903 إلى تجمّع صغيرٍ تسكنهُ بضع مئاتٍ من البطاريق عند وصول بعثة تيرا نوڤا في سنتي 1910 و1911، ومن المحتمل أنها شارفت على الانقراض آنذاك بسبب تغيّر شكل الجليد الذي تقومُ عليه. وقد عادت هذه المستوطنة لتزدهر وتنمو في الستينيات من القرن الماضي، وأما في سنة 2009 فقط هبطَ سكانها مجدداً إلى نحو 300 بطريق.
رفع الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة في سنة 2012 البطريق الإمبراطور من فئة الكائنات غير المهدّدة بالانقراض إلى الكائنات المشرفة على الخطر، وتبحثُ حكومة الولايات المتحدة الأمريكية الآن إدراج هذا البطريق وتسعة أنواعٍ أخرى من البطاريق تحت تشريع وطني لحماية الكائنات المهدّدة بالانقراض. وقد ارتفعت الأخطار المحدقة بالبطريق الإمبراطور لأسباب عدّة أهمها تقلّص مخازن غذائه، وذلك بسبب تبعات الاحترار العالمي أولاً ولإسراف الشركات التجارية في صيد الأسماك والحبارات التي يتغذَّى عليها (ثانيًا)، كما أنّه مهدّد بدرجة أقلّ بتفشي الأمراض وتدمير البيئة وكثرة التواجد البشري حول مستوطناته من السُيَّاح خصوصًا. فقد وجدت إحدى الدراسات أن فراخ البطاريق تصابُ بالقلق إذا طارت فوقها مروحيات على ارتفاعٍ أدنى من 1,000 متر.
نزل عدد البطاريق الإمبراطورة في أرض أديلي إلى النصف تقريبًا في نهاية سبعينيات القرن العشرين، وهو نقصٌ هائلٌ عزاه العلماء آنذاك لموت الكثير من ذكور هذه البطاريق نتيجةً لنقص الجليد وحرارة الطقس غير المعتادة. ويحدثُ أمر معاكس تمامًا عندما تنخفض درجة الحرارة وتزداد كمية الجليد، إذ يموتُ وقتها عدد أكبر من الأفراخ والأجنّة (في بيوضها) لعدم تحمّلها البرد القارس، ولهذا يظنّ العلماء أن البطاريق حسَّاسة جدًا لتغيرات المناخ. على سبيل المثال، درس الباحثون عن كثبٍ مستوطنة للبطريق الإمبراطور في جزر ديون منذ سنة 1948، وقد تبيَّن لهم أن هذه المستوطنة اندثرت تمامًا في بعض السنوات الأخيرة دون أن يعرفَ أحدٌ ما حلَّ بالبطاريق التي كانت تسكنها، وكانت هذه أول حادثة موثَّقة تختفي فيها مستوطنة كاملةٌ للبطاريق.
وقع أمرٌ مشابه في مستوطنة خليج هالي، وهي ثاني أكبر مستوطنات البطريق الإمبراطور في العالم، فقد تعرَّضت لرياح إل نينو العنيفة في شهر سبتبمر سنة 2015 ومنذئذٍ لم تنجب أي أفراخ جديدة لثلاث سنواتٍ متوالية. وقد يكون السبب في ذلك هو هجرة معظم البطاريق القادرة على الإنجاب إلى مستوطنة دوسون لامبتون القائمة على مسافة 55 كيلومترًا جنوبًا، والتي لوحظ فيها ازديادٌ سكاني بقيمة عشرة أضعافٍ بين سنتي 2016 و2018. ونشر معهد وودز هول لعلوم المحيطات في سنة 2009 دراسة استنتجَ منها أن البطاريق الإمبراطورة قد تنقرضُ في عام 2100 متأثّرة بالاحترار العالمي المتزايد، وقد توصَّلت الدراسة إلى هذه النتيجة ببناء نموذج رياضي يتنبأ بذوبان جليد البحر في مستوطنة كبرى للبطاريق بأرض أديلي، كما تتوقَّع الدراسة تناقص عدد البطاريق في المستوطنة بنسبة 87% من 6,000 الآن إلى 800 في نهاية القرن الحالي. استنتجت دراسة من المعهد نفسه نشرت في سنة 2014 أن كل المستوطنات الخمسة والأربعين التي يسكنها البطريق الإمبراطور ستخسرُ سكانها في سنة 2100، وأن اختفاء الكريليات سيؤدّي إلى أزمة غذائية لهذه الطيور.