اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
انقسم المعسكران الفلسطيني والعربي بسبب تضارب المصالح الذي تفاقم على الأقل بسبب انعدام الثقة بل العداوة المعلنة بينهما؛ "التي جعلتهما غير قادرين على بذل جهد متفق عليه لتحقيق التنظيم الداخلي". ولقد لخص المؤرخ الإسرائيلي بابي هذا الوضع في بضع كلمات قائلا : "(...) ليس من المثير للاهتمام على الإطلاق التركيز على التفاصيل الدقيقة لخلافاتهم. (...) ولكن لم يكن باستطاعتهم القيام بشيء يُذكر لإنقاذ الفلسطينيين من الكارثة التي سيسوقهم إليها غرور السياسيين الذي يقابله عدم كفاءة الجنرالات".
وقد ترتب على هذا الوضع أن تشكلت ثلاثة فصائل رئيسة في المعسكر العربي :
أما الجامعة العربية فكانت تضطلع بدور المتحدث الرسمي.
وقد كان كل جانب ينظر بشكل مختلف للقضية الفلسطينية وكان يمتلك وسائل مختلفة محاولا تحقيق أهدافه.
كانت البنية السياسية الفلسطينية في تلك الفترة ذات طبيعة مزدوجة: ففضلا عن الإقطاع الزراعي القائم على العشائر، كانت العشرات من العائلات الكبيرة المجتمعة في " عيان" تقوم بإدارة المراكز الحضرية. وكانت تلك العائلات تجمع ممثلي الطبقة الحاكمة في المجتمع العربي الفلسطيني ( ملاك الأراضى، السياسيين، القضاة، التجار، رؤساء البلديات، كبار الموظفين، والزعماء الدينيين، الخ ..). إلا أنها كانت تجتمع حول اثنين من الفصائل الرئيسة والمتنافسة : آل النشاشيبى وآل الحسينى.
وقد انطلقت القومية العربية الفلسطينية بدعم من الحسينيين خاصة أثناء الثورة الكبرى 1936-1939. إلا أن البريطانيين قاموا بقمع هذه الثورة بضراوة بالتعاون مع الصهاينة وال النشاشيبي ؛ و لم تتساوَ قط الحركة القومية مع الحركة القومية الصهيونية . ومنذ ذلك الوقت، استطاع الحسينيون الذين تجمعوا في اللجنة العربية العليا و على رأسهم مفتي القدس الأكبر، الحاج أمين الحسينى، بالتقدم على آل النشاشيبي.
وفي عام 1947 لم تتم الموافقة بالإجماع على المفتى ولم يتم الاعتراف بسلطته في كل مكان . وبالإضافة إلى ذلك، فإنه لم يكن قد تمكن بعد من تنظيم حركة التناوب لضمان بنية وطنية حقيقية خارج التجمعات الكبرى. و على المستوى المحلى، فقد كانت ((اللجان الوطنية )) تعمل معظم الوقت بشكل مستقل.
وعلى الرغم من أن نوايا اللجنة العربية العليا كانت واضحة ومعارضة للدخول في أى مفاوضات مع اليشوب، فإن السلطات المحلية كانت تتفاوض في أغلب الأحيان مع السلطات الصهيونية بشأن اتفاقات منفصلة.
و قد أعلنت اللجنة العربية العليا من جانبها بكل وضوح أنها ضد تقسيم فلسطين وقيام دولة يهودية، وأنها ستعارض ذلك بكل الوسائل، بما في ذلك استخدام العنف.
وفي الواقع، فقد تخلت الطبقة السياسية عن مسؤولياتها. "ففي يوليو 1947، لم يتبق في فلسطين سوى ثلاثة أعضاء من أصل اثنى عشر عضوا في اللجنة العربية العليا.وكان الأعضاء الأخرون يقيمون في دمشق بينما كان المفتي الحاج أمين الحسيني, رئيس الحركة، في القاهرة. وقد منعه البريطانيون من العودة إلى فلسطينن وعلى الرغم من أن هذا الحظر اقتصر على منطقة القدس، فإن الحاج أمين الحسيني لم يقم قط بزيارة مدن وقرى فلسطين الخاضعة للانتداب". وقد كان أيضا معظم الحكام المحليين أول من يترك البلاد بمجرد اندلاع العنف.
كذلك لم يتم الاعتراف دوليا بالمفتي؛ حيث أصبح البريطانيون يعتدونه عدوا لهم لاسيما عقب تورطه في الثورة الكبرى . وكما أن تعاونه مع النظام النازي خلال الحرب العالمية الثانية لم يكسبه اي تعاطف دولي. (انظر على سبيل التوضيح هذا الكاريكاتير الذي نشرته صحيفة نيويورك تايمز بتاريخ 16 مايو 1948 وهو يحمل تعليقا: أنه ليس كداتشو . أليس كذلك سيدي المفتي؟). و في سياق الهولوكوست، فقد جعلت منه هذه العلاقات أيضا نموذجا للعدو الرمزي والأسطوري في نظر المجتمع اليهودي.
" حتى أن "حلفاءه " العرب كانوا يشكون فيه . فقد أصبح شخصا غير مرغوب فيه في القمم العربية المتتالية من أجل مكافحة خطة التقسيم ". إلا أنه تمكن من فرض اثنين من ممثليه على الساحة : ابن اخيه عبد القادر الحسيني و حسن سلامة[؟] ، لكن الصراعات بين السياسيين قد ظهرت على الساحة بين لواءات الجيش.
تجمعت القوات الفلسطينية في جيش الجهاد المقدس الذي لم يكن جيشاً فلسطينياً حقيقياً بل جيشاً خاصاً بالحسينيين .
و كان هذا الجيش يتكون في البداية من مئات الرجال، ثم زاد عددهم ليبلغ في نهاية مايو 1948 4,000 رجل، من بينهم العديد من الإخوان المسلمين , و قد تم تعزيزه، بعد ذلك,8,000 متطوع، كانت نسبة الفلسطنيين منهم تتراوح ما بين العشر والربع فقط.
و كان من هؤلاء المتطوعين بعض المرتزقة الأوروبيين. ففي منتصف شهر فبراير، انضم مئات من مسلمي البوسنة ،الذين كانوا في الجيش الألماني (الفيرماخت), إلى العرب في حيفا و إلى قوات القيادي حسن سلامة في اللد، حيث قاموا بتدريب الفلسطينيين . و قد استقبل كذلك عبد القادر الحسيني ، حوالي ثلاثين ألمانيًا وهاربًا بريطانيًا من الجيش.
و كان نشاط جيش الجهاد المقدس يتركز بصورة أساسية في حصار القدس ، من خلال مهاجمة قوافل التموين القادمة من تل أبيب ؛ و أيضًا في حصار المستوطنات اليهودية في منطقة النقب .
إلا أن« عددهم سيكون قليلا جدا وتأثيرهم ضئيلا فيما يتعلق بميزان القوى في البلاد فيما بعد».
تم تشكيل مليشيات محلية منذ بدء النزاع، وضمت حوالى 12,000 جندي من قدامى الجنود الفلسطينيين في الجيش البريطانى، وأعضاء المنظمات شبه العسكرية التي تم تأسيسها قبل الحرب، مثل (النجادة و الفتوة) ، كما ضمت ضباط شرطة سابقين أو جنود هاربين من قوات حدودية في جيش شرقي الأردن . و على الرغم من ارتفاع عددهم ليتراوح بين 11,000 و 12,000 جندى، في الأراضى الفلسطينية كلها، إلا أن دورهم في الصراع ظل محدوداً وسلبياً · · .
واجه العرب الفلسطينيون المشكلة ذاتها التي تعرض لها اليهود، فأثناء التمرد الذي حدث بين عامي1936 و 1939 ، قام البريطانيون بمصادرة كمية كبيرة من الأسلحة التي كان يمتلكها العرب . لكن عندما قام الشاى ( جهاز مخابرات ومراقبة ) عام 1942 بإحصاء الأسلحة التي يمتلكها العرب الفلسطينيون أشار إلى أن عددها يبلغ 50 000 قطعة من الأسلحة النارية . و قد ارتفع مرة اخرى هذا «التقدير المبالغ فيه بشدة» بعد الحرب، عقب التقارير الخاصة بسرقة معسكرات الجيش وشراء الأسلحة في البلاد العربية المجاورة.
وكما فعل اليهود، فقد استطاع العرب التسلح من خلال سرقة الأسلحة و الذخائر و قطع الغيارمن المخازن البريطانية أو من خلال سرقة حمولة شاحنة من الأسلحة بتورط بعض البريطانيين . وفي الرابع عشر من ديسمبر عام 1947، قام مقاتلون عرب بسرقة أربعمائة بندقية و مدفع رشاش و مخزون كبير من الذخائر من مستودعات مساعدي الشرطة في مدينة الرملة. إلا أن هذه الأساليب كانت محدودة حيث لم توفر لهم مخزوناً كافياً من الأسلحة اللازمة لخوض الحرب.
و باختصارفقد ترتب على ذلك أن القيادة الفلسطينية لم تمتلك بشكل واضح الوسائل اللازمة لتحقيق طموحاتها . « فهى لا تتمتع بقوة عسكرية حقيقية (...), و ليس لديها أى فرصة للتغلب على اليهود لافتقارها الدعم الخارجي».
كانت الأردن دولة صغيرة يقدر عدد سكانها بأقل من 500,000 مواطن، إلا أن الهاشميين كانوا دائما مواليين للبريطانيين وأقوى حلفائهم في الشرق الأوسط.
أنشأ البريطانيون، عقب الانتداب على فلسطين، إمارة شرقي الأردن في شهر سبتمبر 1922 (و قد حصلت على الاستقلال في عام 1946). كان العاهل الأردني الملك عبد الله الأول ملك الأردن الابن الثالث لشريف مكة الحسين بن علي الذي قام بتنظيم الثورة العربية ضد الأتراك ؛ و كان قد حصل على وعد من مكماهون بالاستقلال العربي على الأراضي التي سيتم تحريرها.
وقد قام البريطانيون بتقسيم أراضي الانتداب جغرافياً وكانوا يرغبون بذلك في الوفاء بوعودهم مع بن علي ؛ و ذلك عن طريق قصر الهجرة الصهيونية في منطقة غرب نهر الأردن
وأثناء الحرب العالمية الثانية ، حاربت قوات الجيش الأردني جنبا الي جنب مع البريطانيين وضمنت لهم سيادتهم في المنطقة .
وكانت إمارة شرقي الأردن تلقى دعماً من Foreign Office وزارة الخارجية البريطانية ووزيرها ارنست بيفن.
كان الملك عبد الله الأول حليفا لآل النشاشيبي مما جعل أمين الحسيني في فلسطين عدوا له. ولكن اختلاف الأهداف السياسية، على وجه الخصوص، لكل منهما هو ما أدى بعد ذلك إلى المواجهة بينهما.
و قد أفصح الملك عبد الله لوزارة الخارجية البريطانية عن طموحه في انشاء « سوريا العظمى » التي تضم تحت وصايتها سوريا ولبنان وفلسطين والأردن. ومن ثم فقد أصبح المفتي عدوه الحقيقي بمشروعه الخاص بإقامة دولة فلسطين المستقلة.
« و كان من الطبيعي أن يتقرب الملك عبد الله من السلطات الصهيونية، منذ ثورة فلسطين الكبرى، وقد دفعه إلى ذلك عدم معاداته السامية مما جعله مختلفاً عن الكثير من الزعماء العرب في تلك الحقبة؛ وكذلك المصالح المشتركة مع الصهيونيون لمناهضة الحركة القومية الفلسطينية ».
وفي نوفمبر 1947، وقبل أيام قليلة من تصويت منظمة الأمم المتحدة على خطة التقسيم، أكد الملك عبد الله لجولدا مائير مساندة القضية الصهيونية وذلك من خلال مقابلة سرية بينهما في أحد محطات توليد الكهرباء اليهودية بالأردن. وقد أبدى الملك عبد الله موافقته على خطة التقسيم وصرح أنه إذا صوتت الأمم المتحدة على هذا القرار، فإنه سيقوم بضم الأراضي التي سيتم منحها للعرب · و يبدو أن نوايا الملك عبد الله لم تكن واضحة للقادة العرب الآخرين.