English  

كتب dispelling suspicions about theology

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

دفع شبهات حول علم الكلام (معلومة)


تجددت في العصر الحديث دعوات تُلحق علم الكلام بالبدع المنكرة، وأن الاشتغال به حرام لأنه مبني على غير الكتاب والسنة، وأن استمداده من آراء الفلاسفة والوثنيين، وأن الاكتفاء بالكتاب والسنة هو الحصن لطالبي العقيدة الصحيحة. ومن ثم رُمى أهل السنة والجماعة من الأشاعرة والماتريدية بأنهم أهل التعطيل أو أهل التأويل المذموم أو أنهم جهمية، إلى غير ذلك من ألقاب، في محاولة لصرف المسلمين عامة وطلبة العلم خاصة عن مذهب أهل السنة والجماعة، وتعلقت هذه الدعوات بشبهات يحاولون أن يصوٌروا بها علم الكلام كأنه من العلوم المذمومة التي لا تحل دراستها، ولا تحل القراءة فيها، وأن الاكتفاء بنصوص الكتاب والسنة المجردة هي الأصل الأصيل الذي لا بديل عنه ولا سبيل سواه. وينقلون بعض عبارات للسلف الصالح فيها النهي عن الخوض في علم الكلام، ويحملونها على غير وجهها إما لجهل أو لإضلال الناس عن المقاصد الصحيحة لهذه النصوص والعبارات. ومن أمثلة الأقوال التي يستدلون بها قول الإمام الشافعي: "لو عَلِمَ الناس ما في الكلام من الأهواء لفرّوا منه كما يفرون من الأسد، ولأن يلقى الله تعالى العبد بكل ذنب سوى الإشراك بالله خير له من أن يلقاه بشيء من الكلام". وكلام الإمام الشافعي هنا محمول - كما يقول الإمام البيهقي - على كلام المبتدعة كحفص الفرد، وهو من الجبرية، بدليل أن الإمام الشافعي نفسه قد ناظرهم وجادلهم وأقام الحجة عليهم. ويقول الإمام ابن عساكر في كتابه تبيين كذب المفتري ما صورته: "كان الشافعي يحسن الكلام، وقد قال: أحكمنا ذلك قبل هذا، أي الكلام قبل الفقه، وتكلم مع غير واحد ممن ابتدع، وأقام الحجة عليهم وقطع". وكذلك كل ما ورد عن السلف من أمثال هذه الأقوال محمول على كلام من خالف أهل السنة من القدرية والجبرية والمشبهة والمجسمة وغيرهم.

وعلم الكلام قد اشتمل في بعض مباحثه وأبوابه على الفلسفة، وهذا شيء طبيعي إذا نظرنا إلى ظروف نشأة هذا الفن. وحول هذا يقول الإمام التفتازاني في شرحه على العقائد النسفية: "ثم لما نُقلت الفلسفة إلى العربية، وخاض فيها الإسلاميون، حاولوا الرد على الفلاسفة فيما خالفوا فيه الشريعة، فخلطوا بالكلام كثيراً من الفلسفة ليتحققوا مقاصدها فيتمكنوا من إبطالها وهلم جرّا، إلى أن أدرجوا فيه معظم الطبيعيات والإلهيات، وخاضوا في الرياضيات، حتى كاد لا يتميز عن الفلسفة لولا اشتماله على السمعيات، وهذا هو كلام المتأخرين. وبالجملة هو أشرف العلوم، لكونه أساس الأحكام الشرعية ورئيس العلوم الدينية، وكون معلوماته العقائد الإسلامية، وغايته الفوز بالسعادات الدينية والدنيوية، وبراهينه الحجج القطعية المؤيد أكثرها بالأدلة السمعية. وما نُقِل عن بعض السلف من الطعن فيه والمنع عنه فإنما هو للمتعصب في الدين والقاصر عن تحصيل اليقين، والقاصد إفساد عقائد المسلمين، والخائض فيما لا يفتقر إليه من غوامض المتفلسفين. وإلا فكيف يتصور المنع عما هو من أصل الواجبات وأساس المشروعات".

فلم يكن اشتغال علماء الكلام واطلاعهم على مباحث الفلسفة من باب الانصراف عن الكتاب والسنة أو الإعراض عنهما ولكنه من باب استعمال الأدلة العقلية (الفلسفة والمنطق) في إثبات الشريعة والاحتجاج على المنكرين من أهل الفلسفة أنفسهم. لذلك أسس علماء المسلمين هذا الفن، لكي يدفعوا به شبهات المعارضين والمشككين في الإسلام، والذين لا يؤمنون بالكتاب ولا يقرون بنبوة النبي محمد، ولا البعث ولا الحساب.

وقد اشتغل بعلم الكلام كبار علماء الأمة، مثل: أبو حنيفة، والشافعي، والأشعري (وله رسالة بعنوان "استحسان الخوض في علم الكلام")، والماتريدي، والبيهقي، والقشيري، والباقلاني، وإمام الحرمين الجويني، وحجة الإسلام الغزالي، وفخر الدين الرازي، وناصر الدين البيضاوي، وسيف الدين الآمدي، وعضد الدين الإيجي، وسعد الدين التفتازاني، وفخر الدين الخبيصي، وأبو قاسم الأنصاري، وأبو المعين النسفي، وأبو الوليد الباجي، وأبو إسحاق الإسفراييني، وأبو المظفر الإسفراييني، وعبد القاهر البغدادي، وابن فورك، وابن الجوزي، وابن حزم، وابن خمير السبتي، ومحمد بن يوسف السنوسي، وأحمد الدردير، وإبراهيم اللقاني، وإبراهيم الباجوري، وغيرهم من أئمة المسلمين. فعلم الكلام شأنه شأن سائر علوم الشريعة، يجب على المسلمين وجوباً كفائياً أن يتعلموه حتى يتمكنوا من دفع شبهات المشككين. وقد صنّف الإمام البخاري إمام الحفاظ والمحدثين (ت 256 هـ) كتاب (خلق أفعال العباد)، وصنَّف المحدث نعيم بن حماد (ت 228 هـ) كتاباً في الردّ على الجهمية وغيرهم، وصنَّف المحدّث محمد بن أسلم الطوسي (ت 242 هـ) - وهو من أقران الإمام أحمد - أيضاً في الردّ على الجهمية. وقد ردّ على المعتزلة فأجاد بالتأليف ثلاثة من علماء السنّة من أقران الإمام أحمد بن حنبل، وهم: الحارث المحاسبي، والحسين الكرابيسي، وعبد الله بن سعيد بن كلاب.

  • قال الإمام بهاء الدين الإخميمي في (رسالة في الرد على ابن تيمية في مسألة حوادث لا أول لها): "وأما ذم الشافعي وغيره علم الكلام فمُرادهم بعلم الكلام بإجماع المسلمين هو: الكلام النافي عن الله ما عُلِمَ ثبوته له بكتابه عز وجل، أو بسنة نبيه ، أو بإجماع أمته، أو بدليل عقلي تنتهي مقدماته إلى الضروريات، أو المثبت لله ما لم يُعلَم بواحد من هذه الطرق الأربعة! وأما الكلام المثبِت لما يجب لله، النافي لما يستحيل على الله، المتوقف على ما لم يُعلَم امتثالاً، لِنَهيِه عز وجل عن اتباع الظن، ولقوله : "إن الله سَكَت عن أشياء رحمةً بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها"، فلم يَدّعِ تحريمه المطلق إلا مبتدع يخاف أن تُبْطَل شُبهَتُه وأن تُرَد عليه...".

وقد عقب الشيخ سعيد فودة على كلام الإمام الإخميمي فقال:

إن علم الكلام إذا ذمه الجاهل به والمنكر له فإن إنكاره وذمه لا يدل مطلقاً على قُبح علم الكلام، فإن السبب الذي يدفع هؤلاء الجَهَلة من المشبهة والحشوية إلى ذم علم الكلام هو أنهم يعلمون أن الواحد إذا تمكّن من قواعد هذا العلم الشريف فإن شبهاتهم وتشكيكاتهم كلها تنهدم وتضمحل أمام عينيه، ويصير قادراً على هدم دلائلهم ومذهبهم بأقل جهد، ولذلك فإن أقل فرقة حظاً في علم الكلام هم المشبهة. فهم يذمون علم الكلام وينهون الناس عن الخوض فيه؛ لأنه يقدِّم للناس أوضح الأدلة على هَدْم التشبيه وفساد التجسيم والقول بالحد والجهة وغير ذلك من الضلالات. ولذلك ترى أبا لهب - قبحه الله تعالى - قد بالغ في ذم القرآن وشتم سيدنا محمد ، وبالغ في مدح هُبَل واللات والأصنام التي يعبدها، وكان كذلك يدعو الناس إلى عدم الاستماع إلى كلام النبي ، لأنه كان يعرف أنهم إذا استمعوه فإنهم سوف يقبلونه، وعندها يظهر لهم فساد قول أبي لهب وجماعته من الكفار والمشركين، وهذا مثل المجسمة في نهيهم عن علم الكلام، لأنهم يعلمون أنه مَرْهَم عِلَلِهِم، وكاشف شُبْهَتِهِم. وكثيرٌ من علماء السنة اشتغلوا بعلم الكلام، ومن لم يشتغل به منهم فلم يذمه، بل مدحه ومدح أصحابه. هذا بعد أن تعلم أن مقصودنا بعلم الكلام هنا: علم الكلام على طريقة أهل السنة والجماعة رضي الله عن جميعهم، ولا نعني بالكلام كلام المبتدعة من الفرق الإسلامية أو غير الإسلامية الأخرى، فأهل السنة لما تكلّموا في العقائد ساروا فيها على النهج الصحيح فنجوا من مزالق الأهواء. أما ما رُوِيَ عن بعض الأئمة من الذم لعلم الكلام كالذي روي عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى وغيره... أقول: وقد وردت أشباه هذه الكلمات عن غير الشافعي كذلك، وقد وضح الإمام الغزالي حُجَّة من قال بإباحة علم الكلام في أحلى عبارة وأجلاها، فقال في كتابه "إحياء علوم الدين" (من الإتحاف للإمام الزبيدي):

"وأما الفرقة الأخرى فاحتجوا بأن قالوا: إن المحذور من الكلام إن كان هو لفظ الجوهر والعرض وهذه الاصطلاحات الغريبة التي لم تعهدها الصحابة رضي الله عنهم، فالأمر فيه قريب، إذ ما من علم إلا وقد أُحدِثَ فيه اصطلاحات لأجل التفهيم، كالحديث والتفسير والفقه، ولو عُرِضَ عليهم عبارة: النقض، والكسر، والتركيب، والتعدية، وفساد الوضع.. إلى جميع الأسئلة التي تُورَد على القياس لما كانوا يفقهونه، فإحداث عبارة للدلالة بها على مقصود صحيح، كإحداث آنيةٍ على هيئة جديدة لاستعمالها في مباح. وإن كان المحذور هو المعنى: فنحن لا نعني به إلا معرفة الدليل على حدوث العالم، ووحدانية الخالق وصفاته، كما جاء في الشرع، فمن أين تحرم معرفة الله تعالى بالدليل؟! وإن كان المحذور هو التشغُّب والتعصب والعداوة والبغضاء وما يفضي إليه الكلام، فذلك محرَّم ويجب الاحتراز عنه، كما أن الكِبْر والعجب والرياء وطلب الرياسة مما يفضي إليه علم الحديث والتفسير والفقه، وهو محرَّم يجب الاحتراز عنه، ولكن لا يَمنع من العلم لأجل أدائه إليه. وكيف يكون ذكر الحجة والمطالبة بها والبحث عنها محظوراً وقد قال الله تعالى: (قل هاتوا برهانكم...) [البقرة: 111]....

وخلاصة البحث في هذه المسألة هو ما لخَّصه العلامة الزبيدي من كلام الإمام الشافعي رحهمها الله تعالى، فقال في "إتحاف السادة المتقين": قال الشافعي: "كل متكلم على الكتاب والسنة فهو الجد وما سواه الهذيان". فكل كلام يخالف الكتاب والسنة فهو هذيان، وكل كلام يوافقهما فهو الجد، وكلام أهل السنة كما علمت موافق للكتاب والسنة، فهو الجد بلا شك، انتهي. وقد أشار العلامة السعد في "شرح العقائد النسفية"، إلى أن ذم العلماء المتقدمين - كالشافعي - لعلم الكلام إنما هو متوجه على من يتكلم مخالفاً للكتاب والسنة، أو من يكون قاصراً عن الفهم، أو من يتكلم في هذه الموضوعات والمباحث قاصداً هدم الدين ونشر الضلالات، فانظر هذا الكلام في "شرح السعد" بعبارته المتينة.

ملاحظة: إن مسألة ذم علم الكلام من المسائل التي وقع فيها الخبط والخلط المتعمد من ابن تيمية، قاصداً التشغيب على الناس، وخلط الحابل بالنابل، والمحققون يعلمون أن ما ذكره العلامة الإخميمي هنا هو خلاصة الحق الحقيق بالقبول، ومن أراد الاستزادة، فليرجع إلى كتابنا "تدعيم المنطق"، فقد عقدت فيه فصلاً خاصاً بمناقشة بعض الكلمات التي وردت عن المتقدمين من الأعلام اعتمد عليها من قصر فهمه، وظن أنهم يذمون علم الكلام مطلقاً.
  • وقال العلامة بدر الدين الزركشي في كتابه (تشنيف المسامع): "إن الأئمة انتدبوا للرد على أهل البدع والضلال، وقد صنَّف الشافعي كتاب (القياس) رد فيه على من قال بقِدَم العالم من الملحدين، وكتاب (الرد على البراهمة) وغير ذلك، وأبو حنيفة كتاب (الفقه الأكبر) وكتاب (العالم والمتعلّم) رد فيه على المخالفين، وكذلك مالك سئل عن مسائل هذا العلم فأجاب عنها بالطريق القويم، وكذلك الإمام أحمد".
  • وقال العلامة الكوثري في تعليقه على (بيان زغل العلم) ما نصه: "والحق أن عقيدة السنة في الإسلام واحدة سلفاً وخلفاً لا تتغير ولا تتبدل بل الذي يتجدد هو طريق الدفاع عنها بالنظر لخصومها المتجددة، وذم علم الكلام ممن كان في موضع الإمامة من السلف محمول حتماً على كلام أهل البدع وخوض العامي فيه، قال الأستاذ أبو القاسم القشيري وأجاد: لا يجحد علم الكلام إلا أحد رجلين جاهل رَكَنَ إلى التقليد وشقَّ عليه سلوك طرق أهل التحصيل وخلا عن طرق أهل النظر والناس أعداء ما جهلوا فلما انتهى عن التحقق بهذا العلم نهى الناس ليضل كما ضل، أو رجل يعتقد مذاهب فاسدة فينطوي على بدع خفية يلبس على الناس عوار مذهبه ويعمى عليهم فضائح عقيدته ويعلم أن أهل التحصيل من أهل النظر هم الذين يهتكون الستر عن بدعه ويظهرون للناس قبح مقالاته، والقلاب لا يحب من يميز النقود والخلل فيما في يده من النقود الفاسدة كالصراف ذي التمييز والبصيرة وقد قال تعالى: ﴿هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ [الزمر: 9]".
  • وقال الأستاذ الدكتور سعيد فودة في كتابه (بحوث في علم الكلام): "...ومن المرفوض أن يقال إن العلم الذي يوصل إلى هذه الغايات النبيلة هو علم مرذول، بل من قال بهذا لا يعي ما يقول، لأن العلم الذي يوصل إلى ما ذكرنا يجب أن يكون في أعلى مراتب العلوم، وهو كذلك في حقيقته عند كبار العلماء من أهل الحق. فلا تغتر بمن ينفرك عن هذا العلم بتخييله إليك أنه من البدع؛ فهل الوصول إلى الخير من البدع، وهل من البدع التسلٌح بأسلحة نقاوم بها الكفر في النفس، وندرأ بها الكفر عن الغير، ونرد بها الكفر عن أن يدمر الخير والحق والدين العظيم!!! وكل من لديه أدنى معرفة بهذا العلم، يدرك فعلا كم هي فائدته حقا في طمأنينة النفس، وانكشاف الحقيقة لديها، وفي إفحام الخصوم المشككين من أهل البدع والكفر. وبدراسة هذا العلم، يتبيٌن الإنسان فعلاً أن الإسلام هو الدين الحق عن دليل وبيٌنة، لا عن تقليد وتعصب أعمى".

وعليه فإن ما ورد عن السلف من نصوص تنهى عن الاشتغال بعلم الكلام محمولة على من استخدم هذا العلم على طريقة أهل الأهواء والبدع الذين غَلَّبوا جانب العقل، وتركوا الكتاب والسنة، وليس النهي الوارد على الإطلاق، كما أنه قد يتحتم -على سبيل الكفاية- للرد على غلو الملاحدة ونحوهم. وبهذا يعلم المذموم من علم الكلام والواجب منه. وما قيل عن رجوع علماء علم الكلام في آخر حياتهم عن علم الكلام، معناه الرجوع عن التأويل إلى التفويض، كما ذكر الإمام تاج الدين السبكي في طبقاته.

يقول شيخ الإسلام تاج الدين السبكي في كتابه طبقات الشافعية الكبرى:
المصدر: wikipedia.org