لا يجوز حذف الفعل العامل في المفعول المطلق المُؤكِّد له، لأنَّ المفعول المطلق المؤَكِّد لمعنى الفعل إنَّما ذُكِر لتقوية معنى الفعل وتوكيده، وحذف هذا الفعل يُبطِل الغاية التي ذُكِر المفعول المطلق لأجلها، ما عدا حالات استثنائية يمكن الحذف فيها، وذلك في أساليب بعضها قياسي والآخر سماعي وُرِدَت عن العرب محذوفة العامل، وبعض من النُّحاة يُخرج المصادر في هذه الأساليب من المصادر المؤَكِّدة ويجعل لها قسماً مختصاً بها. وفي المقابل يجوز حذف الفعل العامل في المفعول المطلق المُبَيِّن للنَّوع أو العدد على الدوام، وذلك إذا دلَّت عليه قرينة لفظية أو معنوية، فيُقال على سبيل المثال: «قَولاً بَلِيغَا» لمن يسأل «مَاذَا تَكَلَّمتَ؟»، وتقدير الجملة قبل حذف الفعل: «قُلتُ قَولاً بَلِيغَا»، فحُذِف الفعل لأنَّ هُناك قرينة لفظيَّة تدلُّ عليه في الجملة الاستفهامية قبله. ومثل القرينة المعنوية قولنا: «حَجّاً مَبرُوراً»، فالعامل في المصدر «حَجّاً» هو فعل محذوف اِستُدِلَّ عليه معنوياً بتحليل تراكيب هذا التعبير، ومن مثله أيضاً: «مَرحَباً بِكَ».
وفي مقابل الحالات السابقة التي يجوز فيها الحذف، فإنَّ هناك مواضع يجب فيها حذف الفعل العامل في المفعول المطلق، وأكثر من تناول هذه المواضع من بين النُّحاة هم شُرَّاح ألفية ابن مالك، وقد فصَّلوا في هذه المواضع وتعمَّقوا فيها. وفي جميع المواضع التي يُحذف فيها الفعل وجوباً يَنُوب المصدر عنه، والمصدر في جميعها يكون من النَّوع المؤِّكد قبل الحذف، ويخرج معناه من التوكيد إلى أغراض بلاغيَّة أخرى وقتما يُحذَف الفعل. ويجب حذف الفعل في الحالات الآتية:
- إذا كانت دلالة المفعول المطلق على الطلب. وحينها يقع المصدر بدلاً من فعله، فيُحذف الفعل وجوباً ويُقَدَّر من نفس مادَّة المصدر. ويكون الطلب على عدَّة أغراض محدَّدة، فيُحذف الفعل إذا دلَّ المصدر على الأمر، مثل: «صَبراً عَلَى المُصِيبَةِ»، أو النَّهي، مثل: «حِفَاظاً عَلَى الصَّلاةِ لَا إِهمَالاً لَهَا»، أو الدُّعاء بالخير، مثل: «سُقياً لَكَ» ، أو الدُّعاء بالشَّرِّ، مثل: «تُعساً لَكَ». ويُحذَف الفعل كذلك إذا سُبِقَ المفعول المطلق بأداة استفهام، ويكون الاستفهام حينها لأغراض بلاغية كالتوبيخ، مثل: «أَعُقُوقاً وقَد أَحَبَّاكَ»، وقد يكون الاستفهام للتوجُّع، مثل: «أَخَسَارَةً وَانهِزَاماً وَقَد بَذَلتُ»، وقد يكون للتعجُّب، مثل: «أَسُكُوتاً عَنِ الحَقِّ وَأَنتَ تَعلَمُ». وقد يَكونُ الاستفهام مُقَدَّراً، أي بدون أن تظهر أداة الاستفهام، مثل: «خُضُوعاً وَرُضُوخاً وَغَيركَ صَامِد». وهذا الأسلوب هو أسلوب قياسي، بمعنى يمكن القياس على هذه المصادر والإتيان بمصادر أخرى واستعمالها بالأسلوب نفسه، ولهذا فهو كثير الاستعمال. وتقدير الأفعال في الأمثلة السابقة يكون على النحو: «اصبِر صَبراً»، «لَا تُهمِل إِهمَالاً». وهناك بضعة مصادر تُستَعمل في الغالب لغرض الدعاء ليس لها فعلاً في الأصل حتَّى يُقدَّر، بمعنى أنَّها لم تُشتَق من أفعال بل هي وُرِدت على هذه الهيئة ولها استعمالات محدودة النطاق، ومن مثل هذه المصادر: «وَيل»، «وَيب»، «وَيح»، «وَيس»، ويُضاف إليها «بَلهاً» و«دَفراً» وهذه ليست للدُّعاء. وتقدير فعل لهذه المصادر يكون ذهنيَّا ولا يُنطق، ويؤتي بفعل مرادف لتقريب المعنى. والمصدر النائب عن فعله لا يُضاف في العادة إذا جاء لغرض الدُّعاء، إلَّا أنَّه قد يُضاف في مواضع نادرة يستقبحها النُّحاة، ومن هذه أن يُقال: «بُعدَكَ»، أو «سُحقَكَ».
- إذا كان المفعول المطلق من المصادر المسموعة التي تُغنِي عن أفعالها، وهي مثل المصادر السابقة تقع محلَّ فعلها المحذوف المقدَّر من نفس مادَّتِها، غير أنَّ هذه المصادر لا يمكن القياس عليها وتقتصر على عددٍ من المصادر المسموعة كَثُر تداولها حتى صارت كالأمثال، وهي كذلك تأتي في سياقٍ مختلف عن المصادر السابقة، ولا توافقها في الأغراض فلا تأتي هذه المصادر للطَّلب، ومن مثلها: «سَمعاً وَطَاعَةً» و«عَجَباً» و«سُبحَانَ اللَّهِ» و«مَعَاذَ اللَّهِ» «رَيحَانَ اللَّهِ» و«شُكراً». وهذه المصادر في العادة تأتي في جُمل خبريَّة، على عكس المصادر السابقة التي تُستَعمل في جمل إنشائية. ويدخل ضمن هذه المصادر المسموعة مصادر أخرى سُمِعت عن العرب مُثَنَّاة فقط، مثل: «حَنَانَيكَ» و«لَبَّيكَ» و«سَعدَيكَ» و«دَوَالَيكَ» و«حَذَارَيكَ»، والغرض من هذه المصادر ليس التثنية وإنَّما التكثير، وهي لا تُذكر سوى منصوبة على المفعولية المطلقة ولا يكون لها موقعاً إعرابياً أو إعراباً آخر. وتُضَاف إليها كذلك مصادر أخرى تُذكَر في الجملة للاستجابة لأمرٍ يسبقها، مثل: «أَفعَلُهُ كَرَامَةً وَمَيسَرَةً»، أو لرفض الاستجابة، مثل: «لَا أَفعَلُهُ وَلَا كَيداً وَلَا هَمّاً»، ويُقال كذلك في أسلوب مماثل: «لَا فَعَلتُهُ وَرَغماً وَهَوَاناً».
- إذا جاء المفعول المطلق مصدر في أسلوب الخبر وأغنى عن فعله، بحيث يكون الفعل المحذوف هو في الأصل خبر المبتدأ قبله، ويُشترط في ذلك أن يكون المبتدأ اسم ذات وليس اسم معنى، ويُشترط كذلك أحد الأمور التالية: أن يكون المصدر مُكَرَّراً، مثل: «الرَّجُلُ أَمَانَةً أَمَانَةً»، أو أن يكون المصدر محصوراً فيه، مثل: «مَا المَدرَسَةُ إِلَّا عِلماً» أو «إِنَّمَا المَدرَسَةُ عِلماً»، أو أن يُعطفَ على المصدر، مثل: «السَّاعَةُ تَحَرُّكاً وَدَوَرَاناً»، أو أن تدخل أداة استفهام على المبتدأ، مثل: «أَأَنتَ صُدقاً». أمَّا إذا لم يكن المبتدأ اسم ذات وجيء باسم معنى فلا يُنصب المصدر ويُعرب خبراً مرفوعاً، مثل: «التَعَثُّرُ أَلَمٌ أَلَمٌ». وفي جميع هذه الجمل يكون المعنى المفهوم من المصدر واقع وحاصل قبل الكلام، ويظلُّ وقوعه مُستَمِرّاً حتى الفترة التِي يحصل فيها التَكَلُّم. وتُعرب جميع المصادر المنصوبة في الأمثلة السابقة مفعول مطلق لفعل محذوف وجوباً يُقَدَّر من مادَّة المصدر، فيُقَدَّرُ مثلاً: «السَّاعَةُ تَحَرَّكَت تَحَرُّكاً وَدَارَت دَوَرَاناً».
- إذا جاء المفعول المطلق بعد «إِمَّا» التفصيلية، مثل: «سَأَجتَهِدُ إِمَّا فَوزاً وَإِمَّا خَسَارَةً». ويأتي المصدر بعد «إِمَّا» التفصيلية لتفصيل مجمل ما سَبَقه، ويأتي كذلك لبيان عاقبة مَا فَصَّله. وتتحقَّق هذه الأغراض بحذف الفعل، وما كانت لتتحقَّق بدون حذفه، أمَّا إذا ذُكِر الفعل ستقتصر دلالة المصدر حينها على توكيد معنى الفعل فقط: «سَأَجتَهِدُ إِمَّا أَفُوزُ فَوزاً وَإِمَّا أَخسَرُ خَسَارَةً». ويجوز في هذا الأسلوب الاستعاضة عن «إِمَّا» المُكَرَّرة بحرف العَطف «أَو»، فقد يُقال: «سَأَجتَهِدُ إِمَّا فَوزاً أَو خَسَارَةً»
- إذا ذُكِرَ المفعول لأجله بعد جملة تحمل معناه في النصِّ أو الاحتمال، وتحتوي على فاعل المصدر المذكور بعدها، ودائماً ما تكون هذه الجملة تشبيهيَّة تُشَبِّه الفاعل والمعنى المشترك بما أُضِيف المصدر إليه، مثل: «عِنَدَكَ أَخلَاقٌ أَخلَاقَ الحُكَمَاءِ». حيث «أَخلَاقَ» مفعول مطلق لفعل محذوف وجوباً، واشتَملَت الجملة الاسميَّة قبله «عِنَدَكَ أَخلَاقٌ» على صاحبه، وهو ضمير الكاف للمخاطب، واشتملت كذلك على معنى المصدر، ودلَّ معنى الكَلام على تشبيه المصدر المرفوع على الابتداء المرتبط بالضمير، تُشَبِّهه بالمصدر المشابه له المُضاف إلى ما اختصَّ به التشبيه. ويشترط بعض النُّحاة ألَّا تشتمل الجملة قبل المصدر على ما يصلِحُ للعمل، بينما يجيز البعض الآخر اشتمالها على فعل علاجي، مثل: «اِلتَقَيتُ بِأَخِيكَ فَإِذَا لَهُ أَخلَاقٌ أَخلَاقَ الحُكَمَاءِ». ويُشتَرطُ في المصدر ليصُحَّ نصبه على المفعولية المطلقة في هذا الأسلوب أن يكون دالّاً على الحدوث، فإذا كانت دلالته على الثبوت والجمود لم يصح إعرابه مفعولاً مُطلقاً. ولا يُعرَب مفعولاً مُطلقاً إذا لم تسبقه جُملةً تامَّة، حتى وإن تحقَّقت الشروط الأخرى، مثل: «أَخلَاقُ مُحَمَّدٍ أَخلَاقُ الحُكَمَاءِ». ولا يُعرب مفعولاً مُطلقاً إذا لم تشتمل الجملة قبله على صاحِبِه، مثل: «فِي المَقبَرَةِ أَصوَاتٌ أَصوَاتُ أَموَاتٍ».
- إذا كان المفعول لأجله مصدراً مُؤَكِّداً لمضمون جُملة قبله، مثل: «سَجِّلِ الهَدَفَ تَهدِيفاً»، وأحياناً يجيئ المفعول المطلق للتأكيد على مضمون الجملة وكذلك لإزالة أيَّ مؤشِّر على المجاز في مضمونها، مثل: «هَذِهِ قَصِيدَتِي حَقّاً». والمصدر الذي يقتصر على التأكيد يُسمَّى المُؤَكِّد لنَفسه، وذلك لأنَّ تسجيل الهدف هو ذاته التهديف، أمَّا المصدر الذي جاء للتأكيد وإزالة المجاز فيُسَمَّى المُؤَكِّد لغيره، وذلك لأنَّه جاء مُؤَكِّداً على المضمون الأصلي لجملة لا تُشابهه في المعنى وتحمل معنى مغاير عن معناه، وفي الوقت ذاته نافياً أيَّ معنى مجازي قد يُفهم من الجملة، كأن يظنُّ المُخاطب أن القائل: «هَذِهِ قَصِيدَتِي» قد قالها حُبّاً فيها وتفضيلاً لها عن غيرها. ويُستعمل في هذا السياق، أي لدفع المجاز، مصادر أخرى غير «حَقّاً»، ومن هذه المصادر: «بَتَّةً»، «البَتَّة»، «بَتَاتاً»، «بَتّاً»، «قَطعاً»، «جِدّاً».
المصدر: wikipedia.org