اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
تمتد جذور وول سوينكا في ثقافة اليوروبا لكن خبراته تمتد إلى مجالات أوسع، فدراسته الرسمية وتجاربه العملية ربطته بأفكار العالم الحديث . لقد ولد سوينكا في أحضان ثقافة اليوروبا وأصبح جزءا طبيعيا منها فضلا عن ذلك فإنه قد اهتم اهتماما شديدا بدراسة ثقافة شعبه . وقد تجلي اهتمامه الشديد بالمفردات اللغوية وفروقها الدقيقة بصورة مدهشة في ترجمته المثيرة للتفكير لواحدة من الأعمال الأدبية الرائعة وأكثرها شعبية عند اليوروبا وهي رواية فاجنوا التي ترجمها إلى الأنجليزية بعنوان (غابة الألف شيطان ) وكتب لها مقدمة يشرح فيها مدي ما كان يمارسه من حذر وحصافة في تعامله مع اللغة وفي شرحه لسبب اختياره لبعض الكلمات باللغة الأنجليزية مما يوضح فكرته . فهو يقول :
وكان من النتائج التي ترتبت علي براعة المترجم في بعض من الكلمات الجديدة ومن الجدير بالملاحظة أن هذه الكائنات الأتية من تراث اليوروبا موجودة في عالم فاجنو وفي غابة تيوتولا وأيضا في غابة سوينكا نفسه في مسرحية رقصة الغابات فإن كاريار أحد شخصيات المسرحية يعلن طلب استدعاء ويقول :
واهتمامه بدراسة هذا العالم تتضح بدرجة أكبر في مقاله ( المسرح الرابع ) الذي يطور فيه نظرية خاصة بتراجيديا اليوروبا وذلك عن طريق فحص الأفكار الكامنة وراء تصورات اليوروبا عن الوجود وبالأخص الأفكار الكامنة في خلفيته لاهوت اليوروبا . وكان من تأثير هذا الاهتمام الدراسي العميق لثقافة اليوروبا أن استمد سوينكا أساسا من الأفكار التي تبع منها أعماله .وكانت ثقافة اليوروبا تؤثر علي سوينكا وأعماله حيث نجد أن شعب اليوروبا واحد من أبرز الشعوب الإفريقية وقد أثبتت ثقافته أنها ليست ثقافة غنية فقط، وإنما ثقافة قادرة علي أن تعيش في مناطق وأقاليم بعيدة جدا عن موطنها الأصلي .فثقافة اليوروبا تتمتع بقوة في البرازيل، وفي أجزاء أخرى من أمريكا الجنوبية مثل الكاريبي وسيراليون، وهي مناطق اتصلت منذ قرون بأهل اليوروبا في الشتات عن طريق تجارة العبيد .فالموطن الأصلي لثقافة اليوروبا هو غرب نيجيريا كما يحددها أفو لابي أوجو وهو أحد العلماء البارزين من أبناء اليوروبا والمنطقة التي تتلاقي فيها ثقافة اليوروبا بصورتها الأصلية هي ست أقاليم في غرب نيجيريا أويو , أبادان، أبيوكوتا,إيجيبو، أوندو ثم لاجوس . وقد ولد سوينكا في إبيوكوتا وهي منطقة لازالت تحتفظ بأعلي كثافة للمتكلمين بلغة اليوروبا أكثر من تسعين بالمائة طبقا لكلام أوجو .إن حياة اليوروبا التقليدية تتحكم فيها المفاهيم الدينية، فاليوروبا تحيط بها الألهة والأرواح من كل جانب وأن حياة البشر تتفاعل معها، وينسب أهل اليوروبا لأنفسهم أربعمائة وواحد من الألهة وهو تعبير اصطلاحي للتدليل علي كثرة الألهة التي تعد، وسوينكا يفضل تعبيرا مشابها ليس أربعمائة حرفيا بل ألف وواحد. العدد الحقيقي للألهة والأرباب لايمكن إحصاؤه لأن المناطق المحلية لها بعض الأرباب الخاصة بهم .هناك طبعا ألهة رئيسية معترف بها ويتعبدون لها في كل أنحاء اليوروبا مثل أولوديمير وهو الإله الأعظم الخالق الملك العليم بكل شيء، الكلي الحكمة، الكلي المعرفة، القاضي,الخالد، المقدس الذي لايري وتجري عبادته من خلال أرباب صغري، ويستدعي دائما عند القسم، أهل اليوروبا لايجسدونه ماديا ولايقيمون له مزارات .ومراعاة لتقاليد اليوروبا (ولأنه لا يعرف شبيها له )نجد "كولا" الفنان في رواية (المفسرون ) لسوينكا لايصور أولوديمير في رسمه بانثيون اليوروبا بل يظهر هذا الإله في صورة رئيس الغابة في مسرحية "رقصة الغابات" أما الإلهة التي ظهرت في لوحة كولا الزيتية هي أوريزا نالا الربة الرئيسية التي تلي أولوديمير في المرتبة، وعيسو وهي الروح المسببة للفوضي والاضطراب والشر والتغيير ثم سانجو إله البرق والكهرباء ثم سويونا إله الجدري، وإيرومير , وإله سوينكا المفضل هو أوجن .فطبيعة هذه الأله المزدوجة والتناقض الظاهري في طبيعته، فهو الروح الخلاق والمدمر فيجعل منه رمزا غامضا في أعمال سوينكا الإبداعية والنقدية .فالإنسان بقدرته علي الخلق وعلي التدمير هو إعادة تجسيد لهذا الإله المتناقض إله تشكيل المعادن .ففي مقالة "المسرح الرابع " كتب سوينكا ويقول عن أوجن :
يستثمر سوينكا فكرة الممسوس بالجن في كل من مسرحية "رقصة الغابات" ومسرحية"الطريق" وهما اثنان من أهم مسرحياته. وعلي جانب أخر استخدم سوينكا الأقنعة استخداما صحيحا في مسرحيته " الموت وفارس الملك " حيث يقدم تشويها لحاكم المنطقة وزوجته وهما يرقصان في ملابس تنكرية مغتصبة من أوسمة إجنجن وشعارات الملكية وهي رموز ساخرة ذات تغريب تراجيدي فإن فن نحت الأقنعة والأشياء الأخرى من ثقافة أهل اليوروبا . ارتبط سوينكا بفرقة "المسرح الملكي" التي تعد بيت رواد المسرح الإنجليزي، حيث اشتغل قارئا للنصوص المسرحية وفيه قدمت بعض تجاربه الأولي فقد خصص برنامج المسرح في ليلة الأحد أول نوفمبر سنة 1959م لمسرحيته القصيرة "الاختراع" وبعض مقتطفات أخرى .إن علاقته بالمسرح الملكي جعلته علي صلة بكتاب المسرح الطليعي في أوروبا بالإضافة إلي المسرحيين التقليدين، ومن ذلك الحين سافر سوينكا إلي مناطق شاسعة من العالم ولاشك لكونه إنسان حساس أنه تأثر بما رأي وبما سمع . إن أعمال سوينكا هي في الحقيقة بيان أصيل لحصيلته الواسعة من التجارب والخبرات رؤية واسعة للإنسانية، حتي وإن كان قد اختار أن يتناول الإنسان خلال البيئة الإفريقية أساسا .إنه كاتب إفريقي ولأعماله تأثيرها علي بقية العالم .والذي يعرض من أعماله هي المسرحيات القصيرة خصوصا الكوميديا . أما مسرحياته الكبري فلا تعرض إلا نادرا .والسبب الرئيس لذلك هي أن المسرحيات الكبري تتطلب قدرا كبيرا من مهارة الممثلين وبراعة المخرج ودهائه، فضلا عن ذلك فإن أفريقيا الاستوائية ليس بها فرق محترفة يمكن إنتاج هذه الأعمال بالمهارة الحرفية المطلوبة .