اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
وقعت مدينة الخليل في أيدي الصليبيين في عام 1099 (والذي استمرّ حُكمهم لعام 1187) وذلك بعد الاستيلاء على مدينة القدس، فقاموا باستهداف المسجد الإبراهيمي بمجرد دخولهم المدينة، حيث قام القائد الفرنسي بيير دي نوربون بالاعتداء على المسجد والاستيلاء على كلّ النفائس الموجودة داخله. وفي عام 1100، وسعيًا منهم لتثبيت حُكمهم في الأراضي التي سيطروا عليها، قام الصليبيون بتحصين المدينة، وقام الأمير جودفري (أوّل حكام بيت المقدس) ببناء قلعة حصينة مُعززة بأبراج دفاعية بجانب المسجد الإبراهيمي عُرفت باسم قلعة القدّيس أبراهام، حيث بُنيت على طول الجدار الغربي للمسجد، وضمّت القلعة عددًا من الغُرَف المتجاورة. وكانت القلعة مربعة الشَّكل وتتكون من طابقين، ينما يبلغ الارتفاع حوالي 10 أمتار والسُّمك 3 أمتار. وقد بقيت القلعة تقوم بدورها حتى تسلّمها صلاح الدين الأيوبي سنة 1187، وظلّت القلعة من غير سوء حتى وصفها ياقوت الحموي (تُوفي 1231) بالحصانة والمَنَعة، ثمّ قام السلطان الناصر محمد بن قلاوون بتجديد بنائها عام 1311. وقد بقيت آثار هذه القلعة لعام 1960 حين أزيلت مع الأبينة المحيطة بالمسجد.
وكان من أهمّ الأحداث أيضًا ما تم إعلانه عن اكتشاف قبور الأنبياء الحقيقية عام 1119، فتحت إشراف رئيس كنيسة القديس أبراهام واسمه رينيه، وفي يوم 7 يوليو عام 1119 تم بالصدفة اكتشاف المغارة التي فيها رفات الأنبياء أسفل المسجد عن طريق فتحة قرب مقام إسحق فقاموا بفتح المغارة وعثروا على رفات يعقوب، وفي مغارة أخرى فرعية وجدوا رفات إبراهيم وإسحق، ووفقًا لراهب الخليل (أحد رواة قصة اكتشاف المقابر نقلاً عن اثنين من رجال الدين المشاركين بعملية الاكتشاف) فإنه بعد فتح المغارة تم حمل الرفات والطواف بها في شوارع الخليل، ثم العودة بها للمغارة ووضعها على طاولة من خشب ليتم إغلاق مدخل المغارة بعد ذلك. كما تمّ العثور في المغارة على 15 إناء فخّاري تضم عظامًا لموتى دون معرفة أصحابها، وقد شاع فيما بعد أنّ هذه العظام تعود لأبناء النبي يعقوب الأحد عشر (عدا يوسف).
وقد روى الرّحّآلة المسلمون الذين زاروا المسجد في تلك السنة هذه القصّة، فقد روى المؤرخ ابن القلانسي في أحداث عام 1119: «وفي هذه السَّنة حَكَى من وَرَد من بيت المقدس ظُهُور قبور الخليل وولديه إسحق ويعقوب الأنبياء عليهم الصلاة من الله والسلام وهم مجتمعون في مغارة بأرض بيت المقدس وكأنَّهم كالأحياء، لم يَبْلُ لهم جسد ولا رُمَّ عظم، وعليهم في المغارة قناديل مُعلَّقة من الذهب والفضة، وأُعيدت القبور إلى حالها التي كانت عليه. هذه صورة ما حكاه الحاكي والله أعلم بالصَّحيح من غيره». ويقول الرحّآلة أبو الحسن الهروي والذي زار المسجد عام 1173: «لمَّا كان في زمان الملك بردويل انخسف الموضع في هذه المغارة، فدخل جماعة من الفرنج إليها بإذن الملك، فوجدوا فيها إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام قد بليت أكفانهم وهم مستندون إلى حائط وعلى رؤوسهم مناديل ورؤوسهم مكشوفة فجدد الملك أكفانهم ثم سدّ الموضع، وذلك سنة ثلاث عشرة وخمسمائة هجرية».
كما قام الصليبيون بتحويل المسجد إلى كنيسة أطلقوا عليها اسم كنيسة القدّيس أبراهام واتخذوا منها مركزًا دينيًا لكل المناطق المجاورة، وقد اتبعت الكنيسة النظم الرهبانية الأوغسطينية، أو قوانين أوستين الكنسية، وتم تسجيل ذلك في الوثائق لأول مرة عام 1112. وقد ورد ذكر منصب "رئيس رهبان القديس أبراهام" و"منصب رئيس كنيسة القديس أبراهام"، ما يُفهَم منه وجود دير إضافة لكنيسة في مكان المسجد الإبراهيمي. ويؤكد باحثون حديثون مختصون أنّ الكنيسة المذكورة لم يكن على رأسها إلا مجرد مطران أو رئيس كنيسة، وكانت تتبع مباشرة لبطريرك بيت المقدس، وظل الأمر على حاله حتى ارتقت من كونها مجرد مطرانية إلى أن أصبحت أسقفية عام 1168، وكان أوّل الأساقفة هو رينو.
ويشير باحثون بوجود تشابه كبير بين الأوصاف المنقولة عن عدد من الرحالة الصليبيين (أبرزهم سايولف ودانيال) للحرم في بداية العهد الصليبي والأوصاف المنقولة عن الرحالة الإسلاميين قبل الصليبيين، ما يعني أن المسجد الإبراهيمي لم يطرأ عليه أي تغيير يُذكر في الجانب المعماري في بدايات العهد الصليبي. ومع اكتشاف قبور الأنبياء عام 1119، بدأت أعمال الترميم والبناء على المبنى، فكان أهمّ التعديلات التي تمّت هي هدم السقف الإسلامي المستوي والموجود في الجهة الجنوبية للمسجد، والذي عُرف باسم "المُغطّى" والغرف التي معه، ومن ثم بناء كنيسة مكانه على الطراز البازيليكي، ولها ثلاثة أروقة أوسطها أعلاها والتي شكّلت صحن الكنيسة، وبُني فوقها قُبّة، وهذه القبّة تميّزت بحدّة تقوّسها، وتقع في حافّتها السفلية أربع شرفات مقوسة ترتكز كلّ منها على مجموعة من الأعمدة المنحنية وعددها ثلاثة، وهذه المجموعات الأربع ترتكز الواحدة منها على أحد أعمدة الكنيسة الرئيسية، وهذا الوصف يشابه الطراز الإنجليزي الأول في بناء القُبب. كما أضافوا مقصورتين صغيرتين من رخام وجص عند البوابة. كما تمّ تزيين الأعمدة الرئيسية بتيجان عنقودية مكثفة، نحتوا فيها نقوشًا على شكل أوراق الأشجار. كما تمّ إقامة مذبح عند طرف الساحة التي حوت مشاهد الأنبياء. وأمّا بالنسبة للمغارة، فقد تمّ بناء سلّم من خمس عشر درجة داخل الغرفة الأمامية للمغارة ليسهل الدخول إليها.