English  

كتب critical position on reality

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

الموقف النقدي من الواقع (معلومة)


كان من نتيجة هذا التحول الفكري أن تحول تيزيني من استكمال المشروع الذي كان يهدف أن يصل بتحليله "الثوري" المادي إلى العصر الحالي من خلال اثني عشر جزءا، إلى مواجهة مشكلات الواقع. وفي هذه المرحلة تبرز قضايا أساسية ثلاث، أولا مواجهة فكر العولمة الذي يهدد بتفكيك الهوية العربية وبالتالي إجهاض أي احتمالات للنهضة. ثانيا، مواجهة الفكر العربي الذي يتسم بنظرة سلبية بنيوية تجاه "العقل العربي" بما يهدد أيضا بإجهاض مشروع النهضة نتيجة لإفراغها من خصوصيتها الذاتية. ثم مواجهة المشكلات الواقعية المجتمعية التي تهدد من زاوية ثالثة مشروع النهضة. ويعبر تيزيني عن هذه النظرة الثلاثية للمشكلات التي تهدد مشروع النهضة كما يلي، في هذا السياق، ضروري أن نقول بأن التواطؤ الإمبريالي العربي – الإقطاعي وما قبله وما بعده – بما رافقه من قسر وعنف وشراسة، ظل، في أساس الأمر، محكوما بقانون العلاقة الجدلية بين الداخل والخارج. فلقد استطاعت الإمبريالية أن تفعل فعلها في الوضعية العربية انطلاقا من عدم التكافؤ التاريخي في البني الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، أي بسبب من التوقيت الذي حدث بين بدايات الرأسمالية البرجوازية العربية من طرف وبين نهايات الرأسمالية الإمبريالية من طرف آخر. ٍومن ثم، فقد جرى تزوير تلك العلاقة من موقع أوروبا تلك ولصالحها. وإذا وضعنا في الاعتبار البنية الإصلاحية والهجينة والقاصرة للفكر العربي النهضوي، تلك البنية التي تولدت في وضعية الإخفاق المحكوم بالتواطؤ المأتي عليه سابقا، استبان أمامنا أمر على غاية الأهمية المنهجية؛ ذلك هو انطلاء عملية التزوير تلك للعلاقة بين أوروبا والعرب، أو كما يقال، بين الغرب والشرق، على العرب النهضويين. والمهم في ذلك هو بالدرجة الأولى ليست تأثيراته على – الغرب – بقدر ما تمثل في إحداث بعثرة كبرى وعميقة في البنية الفكرية النهضوية إزاء نفسه هو نفسه. إن ذلك كله خلق للفكر العربي مشكلات زائفة أخذ يبحث فيها ومن مواقعها عن حلول لقضاياه المستجدة. وفي الحق بإمكاننا التعبير عن هذا الموقف بأنه إشكالية. لكن هذه الأخيرة لم تجد أدوات البحث القادرة على تشخيصها وضبطها. وهذا أمر مفهوم بذاته. ومن هنا، فقد ظهرت المواقف منها بمثابتها أفعالا وردود أيديولوجية، أي بمثابتها مواقف وهمية إيهامية. (على طريق الوضوح المنهجي – أطروحات في قضية تحديث الفكر العربي، ص 20-21) في إطار معالجته للمشكلات التي تواجه مشروع النهضة ينقد تيزيني الحداثة الغربية والمجتمعات الرأسمالية الإمبريالية، وذلك في إطار نقده لتأثير تدخل هذه المجتمعات في مجتمعات العالم الثالث، عموما، والمجتمعات العربية خصوصا، بيد أن النظر إلى المسألة من الموقع الآخر، موقع التقدم التاريخي، يدعونا إلى أن نأخذ بعين الاعتبار أمرا ذا أهمية خاصة في هذا الإطار، ذلك هو أن التقدم العاصف في المجتمعات الرأسمالية الإمبريالية هو، من حيث الأساس، تقدم في الجانب الصناعي والتقني والعلمي الطبيعي. أما الجانب الاجتماعي فيعاني من أزمة عميقة وشاملة، بحيث أنه أخذ يؤثر تأثيرا مباشرا على ذلك الجانب الأول، ويخلق في وجهه كوابح جدية. والملاحظ أن الصراع الطبقي الذي تمارسه الجماهير العاملة هناك يصطدم بصعوبات كبيرة تبرز في طليعتها اثنتان. الأولى تكمن في اتساع جهاز القمع هناك كما ونوعا. فالتطور العلمي التقني يقدم إمكانات متزايدة تتيح للسلطة مواجهة المواقف – غير المتوقعة – التي تنجزها تلك الجماهير في كفاحها السياسي والاقتصادي والثقافي. فالأجهزة الالكترونية المتطورة أصبحت قادرة على تجهيز مؤسسات المخابرات العليا بالمعلومات الخاصة بكل عائلة في بعض البلدان الرأسمالية الإمبريالية. أما الصعوبة الأخرى فتكمن في التعقيد الواسع، الذي طرأ على الحياة العامة، وجعل من الصعوبة بمكان الكشف عن مواطن الخراب الاقتصادي والاجتماعي الذي يلحق بمجموع العاملين هناك. بتعبير آخر، أضحت عملية الكشف عن آلية الاستغلال والاضطهاد في المجتمعات الإمبريالية الرأسمالية معقدة و"غير مباشرة". فالنظريون الذين يدافعون عن هذه الأخيرة، من حيث هي "مجتمعات المدراء والموظفين والمهندسين"، أو من حيث هي "المجتمعات العظيمة"، يعلنون أن الاستغلال والاضطهاد لم يعد لهما وجود هنا. فلقد أصبح الجميع – تقريبا – يعيشون في مجتمع الرفاه والدخول العالية. وهذا ما يطلقون عليه اسم "المجتمع الاستهلاكي المتطور". (على طريق الوضوح المنهجي – الفكر العربي من موقع النقد، التدخل الإمبريالي ومظاهر الفكر الأوروبي، ص 175-176).

المصدر: wikipedia.org