اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
حين تربَّعت كاترين الثانية على عرش روسيا، كان مبدأ رِشوة الموظفين العُموميين والسياسيين قد تجذَّر في نُفوس الناس، بحيثُ أصبحت مصالحهم الإداريَّة لا تنقضي إلَّا من خِلال هذا الأُسلوب، كما تجذَّر الفساد في نُفوس هؤلاء المُوظفين والساسة، وأصبح التلاعب بِالقوانين والالتفاف حولها وسيلة حياةٍ طبيعيَّةٍ بالنسبة لهم، وهو ما أشارت له كاترين في مُذكراتها. وبِتاريخ 18 تمُّوز (يوليو) 1762م، أي بعد ثلاثة أسابيع فقط من تربُّعها على العرش، أصدرت كاترين بيانًا أشارت فيه إلى استغلال بعض الموظفين والسياسيين لِمناصبهم في سبيل ابتزاز الناس وتحقيق مصالحهم الشخصيَّة، وأنَّها قد عقدت العزم على مُحاربة هذه الفئة واستئصالها من الإدارات الحُكوميَّة. يقُولُ المُؤرِّخ الروسي ڤاسيلي بيلباسوڤ أنَّ كاترين أقنعت نفسها لاحقًا بِغض البصر عن هذه القضيَّة لِأنَّ استئصال هذه المشاكل من جسم الحُكومة الروسيَّة لا يقتصر فقط على إصدار البيانات ووُجود نيَّة قويَّة بِالتغيير، بل لا بُد من إصلاحٍ شاملٍ لِكُل النظام السياسي في الإمبراطوريَّة، وهو أمرٌ لم يكن في نيَّتها فعله حينها ولا حتَّى لاحقًا، في سبيل تثبيت نُفوذها المُطلق في البلاد. من الأمثلة المعروفة عن الفساد السياسي والإداري في العهد الكاتريني: قيام الحاكم العسكري وعُضو مجلس الشُيُوخ إسكندر إيڤانوڤيچ اگليبوڤ بِمُصادرة أفضل أنواع النبيذ من أصحاب المخامر ومُزارعي الكُروم وإعادة بيعها إليهم عند ارتفاع الطلب عليها أو بعد مُرور فترة إضافيَّة عليها بحيثُ تكون قد تخمَّرت وارتفعت جودتها وأثمانها. أيضًا، كانت بعض كتائب الحرس القوزاقيَّة تفرض على التُجَّار خُوَّات مُعيَّنة لِقاء حمايتهم وأرزاقهم من اللُصوص، وكان الحرس القوزاقيُّون كثيرًا ما يعتدون على التُجَّار ويسلبونهم أموالهم بِالقُوَّة بِحال رفضوا دفع الخُوَّة المُستحقة عليهم، ووصل الأمر ببعضهم إلى سبي نساء وبنات بعض التُجَّار بدلًا من الانتظار لِلحُصول على مالهم.
تُشيرُ بعض المراجع إلى ضُلوع گريگوري پوتمكين - خليل كاترين الثانية - في عدَّة قضايا فساد، فقد ورد في تقريرٍ لِلسفير البريطاني في روسيا آنذاك أنَّ پوتمكين دفع بعض المُستحقات الحُكوميَّة على شكل براميل من النبيذ الفاخر مُخالفًا بِذلك إرادة مجلس الشُيوخ الذي نصَّ على عدم جواز ذلك. وخِلال الفترة المُمتدَّة بين سنتيّ 1785 و1786م، أقدم خليلٌ آخر لِكاترين، وهو إسكندر يرمولوڤ المُعاون السابق لِپوتمكين، أقدم على اختلاس الأموال المُخصصة لِتنمية بلاد روسيا البيضاء، وقد اعتذر پوتمكين نيابةً عنه إلى الإمبراطورة قائلًا أنَّ مُعاونه لم يفعل شيئًا سوى «اقتراض» تلك الأموال من خزينة الدولة. كذلك، يُشير المُؤرِّخ الألماني تُيودور گريسنجر أنَّ پوتمكين تلقَّى رشاوى وهدايا قيِّمة كثيرة من الرهبنة اليسوعيَّة حتَّى سمح لِليسوعيين بِإقامة مركزٍ لهم في روسيا، بعد أن كانت رهبنتهم قد حُظرت في جميع أنحاء أوروپَّا. يقول المُؤرِّخ نِقولا پاڤلنكو أنَّ كاترين الثانية أظهرت لينًا كبيرًا بل مُبالغًا فيه عند التعامل مع حاشيتها المُقرَّبة منها المُتورِّطة بِقضايا فساد، فلم يقتصر تعامُلها بِاللين مع خِلَّانها وعُشَّاقها فقط، بل تخطَّتهم إلى كِبار المسؤولين في الإمبراطوريَّة. فعلى سبيل المثال، اكتفت الإمبراطورة بِعزل الحاكم العسكري إسكندر إيڤانوڤيچ اگليبوڤ من منصبه سنة 1764م دون أن يُقدَّم لِلمُحاكمة أو لِلتحقيق، على الرُغم من وُجود العديد من الشكاوى والعرائض المرفوعة ضدَّه. ومن الأمثلة على ذلك أيضًا أنَّ حاكم موسكو الضابط سيرگاي صالتيكوڤ (وهو أحد عُشَّاق الإمبراطورة كذلك) فرَّ هاربًا من المدينة بعد شُيُوع أعمال الشغب والخراب فيها نتيجة انتشار الطاعون الدبلي في رُبوعها سنة 1771م، بدل أن يعمل على ضبط الأهالي ومُكافحة الوباء القاتل، فكتبت إليه الإمبراطورة تعزله من منصبه فحسب بناءً على طلبه دون أن تأمر بِمُعاقبته لِعدم أدائه واجبه، ففرَّ إلى الأرياف المُحيطة بِالمدينة تاركًا إيَّاها تحت رحمة الغوغاء. وبِهذا، يُمكن القول أنَّهُ على الرُغم من كُل المبالغ والجُهود التي بذلتها كاترين الثانية لِإصلاح النظام البيروقراطي بِالإمبراطوريَّة فإنَّ الفساد الإداري استمرَّ قائمًا طيلة عهدها ولم تتراجع نسبته. وقُبيل وفاتها بِبضعة شُهور، وصف الكونت تُيُودور راستوپشين أوضاع البيروقراطيين الروس في مُذكراته، فقال: «إنَّ هذه الفئة لم تكن يومًا بِهذا الانحطاط، إذ بلغت بهم الوقاحة حُدودًا غير مسبوقة، وهم يتمتعون بِحصانةٍ تامَّة فلا يقدر أحد على مسِّهم. مُنذ ثلاثة أيَّامٍ فقط عُيِّن الأمين العام لِلجنة العسكريَّة المدعو كوڤالينسكي حاكمًا على ريازان، وهو رجلٌ مُرتشٍ ومُختلس، لكنَّ تعيينه جاء كون شقيقه، وهو حقيرٌ مثله، صديقٌ مُقرَّبٌ من أدريان اگريبوڤسكي مُدير مكتب پلاتون زوبوڤ عشيق الإمبراطورة». كذلك أضاف قائلًا أنَّ القائد العسكري المُبجَّل في روسيا لانتصاراته على العُثمانيين يُوسُف ديريباس، كان يختلس من الدولة 500,000 روبل سنويًا.
يقول المُؤرِّخ نِقولا پاڤلنكو أنَّ كُل السرقات والرشاوى والاختلاسات التي تلقاها أو قام بها المُقربون من كاترين زعموا بِأنها كانت لِصالح الدولة أو لِخدمة الصالح العام وتحقيق منفعة مُحددة، إلَّا أنَّه من الواضح جدًا أنَّ هذا لم يكن صحيحًا، وأنَّ كُل تلك الفئة ما كانت لِتتردد أن تختلس أو تنهب خزينة الدولة وأموال الشعب الروسي طالما كان ذلك يُحقق مصلحةً لها. بعضُ مظاهر الفساد في العهد الكاتريني لم تكن قاصرة على الاختلاس ونهب الأموال العامَّة، بل تمثَّلت بالتبذير المُبالغ فيه، حتَّى وُصفت مصاريف عُشَّاقها والمُقربين منها بأنها أقرب إلى مصاريف المُؤسسات العامَّة وليس الأفراد، وقد قدَّر بعض المُعاصرين لِعهد كاترين المصاريف الخاصَّة والأموال المدفوعة لِأحد عشر مُقربًا منها فقط بِحوالي 92 مليون و820 ألف روبل، أي أنَّها فاقت الميزانيَّة السنويَّة لِلإمبراطوريَّة بِعدَّة أضعاف، وقورن هذا المبلغ بِمجموع الدُيون الداخليَّة والخارجيَّة التي ترتبت على عاتق الإمبراطوريَّة في أواخر العهد الكاتريني. وصف نِقولا پاڤلنكو هذا الأمر بِأنَّ كاترين كانت «تشتري حُب وإخلاص المُقرَّبين منها»، وبأنَّ هذا الأمر كُلُّه كان عِبارة عن «لُعبةٍ غراميَّة» كلَّفت روسيا غاليًا. أضف إلى ذلك، لم يقتصر الفساد والمحسوبيَّات على الماديَّات من المُكافآت، بل تخطاه إلى المعنويَّات منها، إذ ترفَّع الكثير من الضُبَّاط والقادة العسكريين في مراكزهم دون أن يكونوا أهلًا لِذلك، مما ترك صُورة وانطباعًا سلبيًا عن الجيش الروسي وقلَّل من كفائته وقُدراته العسكريَّة والاستراتيجيَّة. من أبرز الأمثلة على ذلك أنَّ أحد العُشَّاق الشباب لِلإمبراطورة، المدعو إسكندر لانسكوي، حصل - بعد أن أمضى معها ما بين 3 إلى 4 سنوات من المُغامرات العاطفيَّة - على نيشان فُرسان القديس إسكندر نيڤيتسكي، ونيشان فُرسان القديسة حنَّة، وعلى رُتبة فريق في الجيش ثُمَّ ترقَّى وأصبح قائدًا عامًا، كما حصل على نيشان فُرسان العُقاب الأبيض البولوني، ونيشان نجمة الشمال السُويدي، وجمع 7 ملايين روبل، مع العلم أنَّهُ كان عديم الخبرة في المجال العسكري ولم يقم بِأي نشاطٍ يستوجب حُصوله على أي تقديرٍ من الحُكومة. ذكرت إحدى الدبلوماسيَّات الفرنسيَّات في مُذكراتها أنَّ پلاتون زوبوڤ عشيق الإمبراطورة سالِف الذِكر كان قد تقلَّد الكثير من الجوائز والتقديرات بحيثُ كان عندما يتقلَّدها يبدو لِلناظر إليه وكأنَّهُ «بائعُ أوسمة ونياشين وأشرطة».
كانت كاترين شديدة البذخ والعطاء مع الأشخاص المُفضلين لديها، حتَّى قيل أنَّ كرمها معهم لم يكن يعرفُ حُدودًا، وقد امتدَّ بذخها هذا في بعض الأحيان إلى أشخاصٍ مُقربين من البلاط الروسي وإلى عائلاتهم وأقربائهم أيضًا، إلى جانب بعض الأرستقراطيين الأجانب. فعلى سبيل المِثال، يُعرف أنَّ الإمبراطورة هذه منحت حوالي 800 من الأقنان إلى المُقربين منها طيلة عهدها، وخصصت راتبًا سنويًا لابنة أخت گريگوري پوتمكين يصلُ إلى 100 ألف روبل، ولمَّا تزوَّجت هذه الأخيرة أنعمت عليها وعلى زوجها بِمليون روبل. وكان بعضُ أفراد البلاط الفرنسي والطبقة الأرستقراطيَّة الفرنسيَّة دائمي الحُضُور في البلاط الروسي لِيحصلوا على ما خصصته الإمبراطورة لهم من الأموال والهدايا، حتَّى قيل بأنَّ حُضورهم كان أشبه بِالموعد الدائم، ومن أبرز هؤلاء: لويس أغسطس بارون بروتاي، وأمير ناساو، ومارك ماري مركيز بومبل، والسياسي شارل إسكندر دي كالون، وأمير أسترازي، وكونت سان پري، وغيرهم. ومن الأمثلة على ما كان يتلقاه هؤلاء من الهدايا المبلغ الذي كان يأخذه أمير أسترازي والمُقدَّر بِمليونيّ روبل. إلى جانب هؤلاء، خصَّصت كاترين مبالغ طائلة من المال إلى النُبلاء البولونيين والأُسرة الحاكمة في بولونيا، بمن فيهم الملك ستانيسواڤ أغسطس پونياتوڤسكي (الذي كان عشيقًا سابقًا لها أيضًا)، ووصف البعض هذا الفعل بِأنَّهُ «زرع» الملك سالِف الذِكر زرعًا على العرش البولوني، إذ يُعرف أنَّهُ بعد وفاة الملك السابق أغسطس الثالث، ألقت كاترين بِكامل ثقلها ونُفوذها في بولونيا لِضمان انتخاب عشيقها خلفًا لِلملك الراحل، وما كان ذلك لِيحصل لولا إغداقها الأموال والهدايا على النُبلاء البولونيين أصحاب الحل والربط في البلاد، وكانت هذه السياسة نفسها هي التي ضمنت لها رضى وقُبول هذه الطبقة باقتسام بلادها لاحقًا.