اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
الكنيسة القبطية الأرثوذكسية هي من الكنائس الأرثوذكسية المشرقية، وهي مؤسسة على تعاليم القديس مرقس الذي رافق مار بطرس وبولس وكان يساعدهما في الخدمة والتبشير وكان بطرس يسميه ابنه كما ورد في رسالة بطرس الأولى: يسلم عليكم مرقس ابني في بطرس الرسالة الأولى، الأصحاح 5 الآية 13، ومرقس بشَّر بالمسيحية في مصر، خلال فترة حكم الحاكم الروماني "نيرون" في القرن الأول، بعد حوالي عشرين عاما من انتهاء بشارة المسيح وصعوده إلى السماوات، وقد كان أول شخص يؤمن بالمسيح في مصر إسكافيا ذهب إليه القديس مرقس بمجرد وصوله إلى مصر لإصلاح حذائه الذي اهترأ من السفر، فصرخ الإسكافي إلى الله عندما دخلت الإبرة التي يعمل بها في يده، وهنا بدأ القديس مرقس يشرح له من هو الله وكيف أتى المسيح لخلاص البشر فآمن الإسكافي وأهل بيته.
إن الكنيسة القبطية –وهي عمرها الآن أكثر من تسعة عشر قرناً من الزمان وبالرغم من الاتحاد والاندماج الكامل للأقباط، فقد استمروا ككيان ديني قوي، وكوَّنوا شخصية مسيحية واضحة في العالم رغم انفصالهم عن معظم الكنائس برفضهم مجمع خلقدونيا. فأدى ذلك إلى انعزال الكنيسة القبطية. والكنيسة القبطية تعتبر نفسها مُدافِعاً قوياً عن الإيمان المسيحي. وإن قانون مجمع نيقية –الذي تقرِّهُ كنائس العالم أجمع، قد كتبه أحد أبناء الكنيسة القبطية العظماء: وهو البابا أثناسيوس.
كلمة قبطي تأتي جذورها الأولى من كلمة "حاكبتاح" الهيروغليفية والتي هي بحسب بعض الآراء تشير إلى مدينة ممفيس أو إله مدينة منف، كون الإله بتاح هو إلهها، ولما كانت المدينة يطلق عليها اسم إلهها في بعض الأحيان، فقد اطلق على هذه المدينة اسم الإله خاصتها " الإله بتاح ". ولما كانت المدينة إحدى عواصم مصر القديمة فقد ساد اسمها في المنطقة المحيطة واستبدلت بعض أحرفه على مر العصور، فأصبح "هكاتباه" وخلال العصر الإغريقي حوّر الإغريق المصلطح بما يلائم ملافظ الحروف في اللغة اليونانية ومنها استبدال الهاء بالألف، وإضافة الواو والسين، وهما لازمتان لجميع أسماء العلم في اليونانية وكنتيجة للتحوير أصبح المصطلح "إيجيبتوس (باليونانية: Αιγύπτιος)". وساد هذا المصطلح لفترة طويلة، لوصف مصر وسكانها. هناك نظرية ثانية، تقول أن عاصمة مصر العليا في السابق كانت تدعى جيبتو ومنها اشتقت التسمية، وفي جميع الأحوال فإن الموئل واحد، بكون المصطلح ذو جذر يوناني واستخدم لوصف سكان مصر.
بعد أن نقلت اللغة الديموطيقية إلى الأبجدية اليونانية، تكونت بذلك أولى أساسات اللغة القبطية وأصبحت التسمية اليونانية هي الشائعة لوصف مصر ومنها انتقلت إلى مختلف اللغات الحديثة كالإنجليزية؛ أما داخل البلاد فقد تحوّلت في أعقاب الفتح الإسلامي لمصر إلى لقب مخصوص بالكنيسة المصرية، ويشيع استخدامه لوصف المسيحيين فقط. أما كلمة أرثوذكسية فهي قادمة من اليونانية (باليونانية: Ορθοδοξία) بمعنى الإيمان المستقيم أو الإيمان القويم، وقد شاع استخدام هذا المصطلح لدى شتّى الطوائف المسيحية منذ القرون الأولى، وبات رسميًا في أعقاب مجمع نيقية وغايته الأساس التفريق بين الهراطقة الذين ضلّوا حسب رأي الكنيسة عن الإيمان القويم وبين الطوائف المسيحية التي لا تزال متمسكة به. بناءً على ما سبق، يمكن ترجمة مصطلح "الكنيسة القبطية الأرثوذكسية" ترجمة حرفية إلى العربية بحيث تصبح: "الكنيسة المصرية ذات الإيمان القويم".
بحسب التقاليد الكنسية المتوارثة فإن القديس مرقس هو مؤسس الكنيسة القبطية ولذلك تسمى "الكنيسة المرقسية". القديس مرقس هو أحد الرسل السبعين الذين اختارهم يسوع وأطلقهم لنقل البشارة. وقد ورد ذكره في سفر أعمال الرسل كأحد مرافقي القديس بولس في أنطاكية[؟] وقبرص، وأحد أتباع القديس بطرس وتلامذته، ومن ثم هو أيضًا كاتب الإنجيل الثاني في العهد الجديد والمنسوب لشخصه عن ذكريات نقلها إليه بطرس. أصل القديس مرقس غير معروف، وإن كانت بعض التقاليد وبعض كتابات آباء الكنيسة تعيده إلى مدينة برقة في ليبيا. وصل القديس مرقس إلى الإسكندرية حسب ما يتفق عليه المؤرخون الأقباط حوالي عام 61 ويرجع البعض الآخر ذلك لعام 55، قادمًا من ليبيا حيث بشّر هناك أولاً بعد أن عاد من روما على ما يذكر ساويرس بن المقفع في كتابه "تاريخ البطاركة". وفيها كانت أولى أعماله اجتراح أعجوبة شفاء إنيانوس الذي كان يعمل إسكافيًا، ومن ثم اعتنق إنيانوس المسيحية وغدا أسقفًا ومن ثم البابا الثاني في الإسكندرية. وفق معتقدات الكنيسة القبطية الأرثوذكسية فإن عجائب القديس مرقس قد تعددت، ما ساهم في انتشار المسيحية في المدينة، ومن ثم حوّل إحدى المنازل لأول كنيسة فيها، عرفت فيما بعد باسم بوكاليّا، على ما ذكر المؤرخ يوسابيوس. وأقام أيضًا مدرسة لاهوتية صغيرة كان القديس يسطس أول مدرسيها، وهو غدا يسطس فيما بعد بابا للإسكندرية، وينسب للقديس مرقس في الإسكندرية أيضًا القدّاس المعروف باسم "القدّاس الكيرلسي" الذي لا يزال معمولاً به إلى اليوم.
تنقل التقاليد الكنسيّة، أن القديس مرقس غادر الإسكندرية في رحلة تبشيرية إلى ليبيا وروما من جديد، ومن ثم عاد إليها وقد نما وتكاثر عدد المسيحيين فيها، ما أثار احتكاكات مع الوثنيين وأتباع الأديان الأخرى؛ تزامن ذلك مع حقبة من اضطهاد المسيحيين على يد الإمبراطورية الرومانية بدأت في روما نفسها على يد نيرون، وقد استمرّ الاضطهاد مستمرًا في مختلف أصقاع الإمبراطورية ردحًا طويلاً، كان أحد ضحاياه عام 68 القديس مرقس نفسه. طريقة موت القديس مرقس، حسب التقاليد القديمة للكنيسة القبطية والكنائس المصريّة بشكل عام، هي السحل. وقد تلاه في رئاسة أساقفة الكنيسة الإسكندرانية إنيانوس، ويقول المؤرخ الروماني يوسابيوس القيصري، أنه في السنة الثامنة في حكم نيرون أصبح إينانوس بطريركًا على الإسكندرية. أبرز أحداث حبريته، ثورة اليهود عام 70 ضد الحكم الروماني والتي أفضت إلى تدمير القدس وهجرة الكثير من اليهود القاطنين بها نحو الإسكندرية أكبر المراكز الاقتصادية في حوض البحر الأبيض المتوسط، فنقلوا معهم قلاقل وعدم استقرار سياسي واقتصادي؛ ولا يمكن القول أن فترة حبريته كانت خالية من الاضطهاد للمسيحيين، لكن وكما حصل في مواقع أخرى من العالم الروماني كان عدد المسيحيين آخذ بالتنامي، حتى رسم البابا إينانوس أساقفة وشمامسة جدد بنتيجة تزايد عدد المسيحيين. وإثر وفاته عام 83 أصبح ميليوس ثالث البطاركة في الإسكندرية، وقد وصف ابن المقفع في كتابه "تاريخ البطاركة" ميليوس بكونه: «ذا عفاف وقد ثبت الشعب على معرفة المسيح، وكثر الشعب الأرثوذكسي بمصر والخمس مدن وأفريقية في حبريته التي امتدت اثني عشر عامًا على الكرسي.» فيمكن استنادًا إلى وصف ابن المقفّع السابق، القول بنمو المطرد للمسيحيين في الإسكندرية وضواحيها أواخر القرن الأول، والذي تصاحب دومًا مع اضطهاد روماني، فإثر وفاة هذا البابا عام 93 لم ينتخب خلفه حتى عام 95 بسبب الاضطهادات وملاحقة المسيحيين، الأمر الذي استتبع في عهد رابع البطاركة كردونوس والمعروف باسم اضطهاد تراجان والذي بدأ عام 98 وكان من نتائجه قتل البطريرك نفسه عام 106. وعلى الرغم من ذلك فقد توافق الأساقفة على بطريرك جديد، ما يدلّ، أنه وعلى الرغم من الاضطهاد الذي لحق بالمسيحيين بعض نصف قرن تقريبًا على تواجدهم في الإسكندرية، إلا أن أساس كنيستهم كان من القوّة بحيث لم ينقرض أو يباد باختلاف أنواع الاضطهاد، بما فيه قتل البابا نفسه.
يقدم ويل ديورانت بعض المميزات الاجتماعية للجماعات المسيحية في القرون الأولى، بما فيها جماعة مصر. فقد كانت الجماعات المسيحية الأولى مؤلفة بشكل رئيسي من البسطاء وطبقات الشعب الوسطى والفقيرة دون أن تضم علية القوم ومثقفيهم، رغم وجود المنتقلين إلى المسيحية باكرًا من مثل هذه الطبقات غير أنهم ظلوا أقلية. تساعد الجماعة العائلات الأكثر فقرًا فيها وتمدّ بالوقت نفسه حركات التبشير بالأموال؛ وقد تركزت بالمدن الكبرى أكثر من انتشارها في الأرياف ما أدى إلى محافظة هؤلاء على أديانهم القديمة مع تمدد المسيحية في المدن، حتى باتت لفظة قروي في بلاد الشام ومناطق مختلفة من الإمبراطورية الرومانية توافق كلمة وثني. ومقابل عدم الاستقرار في الزيجات ضمن المجتمع ككل، كان التزام الزوج والزوجة في المسيحية دورًا هامًا في تقوية أركان الجماعة المسيحية، وتأمين حياة كريمة لها وللأطفال، الذين تزايد عددهم بطول مدة الزواج. سوى ذلك، فإن الآرامل والعازبات من النساء كان يستفاد من خدماتهنّ بالأعمال اليدوية البسيطة وفي خدمة الكنائس والعناية بالمرضى ورعاية العجزة وإدارة الصدقة للمسيحيين وغيرهم، ما ساهم بانتشار المسيحية، وتأسيس غير مباشر للرهبنة، ووصف المؤرخ الروماني الوثني لوقيان الجماعة المسيحية، بأنها تقتسم جميع ممتلكاتها المادية مع بعضها البعض، كائنين بذلك على صورة العهد الجديد. فكانت الأخلاق المسيحية عاملاً من عوامل انتشار الديانة، وازدجارًا لقيم المجتمع الإغريقي، ووضعًا لقانون يهذب حياة الإنسان، خصوصًا بعد فشل الفلسفة الرواقية في الأخلاق.
أما على صعيد الكنيسة، فقد كان القرن الثاني بدوره حافلاً: انتخب إبريموس عام 106 وأصبح لمدرسة الإسكندرية اللاهوتية شأنًا هامًا في أيامه وتكاثر عدد الكنائس في مصر وخارجها، غير أن الإمبراطور هادريان أمر باضطهاد المسيحيين ونفيهم خارج المدن، ومن ثم أمر بهدم الكنائس. وبعد وفاته عام 118 اختير يسطس بطريركًا والمعلومات حول بطريركيته قليلة للغاية رغم ذكره في كتابات المؤرخين الأقدمين كيوسابيوس النيقموميدي وذكره كذلك في كتابات المؤرخين الأقباط خلال مرحلة القرون الوسطى وما بعدها؛ ولم يستراح المسيحيون في أيامه من الاضطهاد وكذلك في أيام خلفه أومانيوس عام 129 وحتى 141، وقد كان هذا البابا رئيسًا للمدرسة اللاهوتية في الإسكندرية، إذ اشتدّ اضطهاد هادريان خلال حبريته، وقتل خلاله مئات الأقباط ومن بينهم القديسة صوفيا، التي نقل جثمانها لاحقًا إلى القسطنطينية وشيدت آيا صوفيا خلال أيام قسطنطين الأول فوق ضريحها.
هدأت الاضهادات في عهد خليفته مرقيانوس وكذلك في عهد كالاديانوس، ويعود السبب في ذلك إلى اعتلاء عرش الإمبراطورية ماركوس أوريليوس وقد كان يميل إلى التسامح يحلم بإقامة الجمهورية الفاضلة التي تحدث عنها أفلاطون وقد أشرك الفلاسفة والحكماء في حكمه. ومنذ منتصف القرن الثاني قدّمت الكنيسة القبطية عددًا وافرًا من آباء الكنيسة ومعلميها الأوائل الذين لا تزال مؤلفاتهم يدرسها طلاب اللاهوت حول العالم يدرسونها حتى اليوم: منهم أوريجانوس الذي ألف أكثر من ستة آلاف كتاب حول تفسير الكتاب المقدس، والقديس إكليمندس الإسكندري الذي زاوج خلال دراسته في المدرسة اللاهوتية بالإسكندرية بين الفلسفة اليونانية واللاهوت المسيحي، ما ساهم في نقل مبادئ الدين إلى لغة مثقفي ذلك العصر من ناحية، وانفتاح المسيحية على العلوم من الناحية الثانية، ويضاف إليهم أثينا غوراس والقديس بنتينوس. يذكر أن بعضًا من أهم آباء الكنيسة اللاحقين في الغرب المسيحي كالقديس أوغسطين والقديس جيروم قد تأثروا بكتابات آباء المدرسة اللاهوتية في الإسكندرية وكتاباتهم، أما على صعيد الإنجازات الأخرى خلال القرن الثاني تسجل أول ترجمة للكتاب المقدس إلى اللغة القبطية بعد أن كان منحصرًا باليونانية التي يجيدها متعلمو الشعب فحسب، وقد وضع في عهد البطريرك ديمتريوس (191 - 232) أول تقويم معتمد لحساب مواقيت الأعياد والأزمنة الطقسية، وسيقوم مجمع نيقية في وقت لاحق بتثبيت هذا التقويم للكنيسة بأسرها خصوصًا فيما يتعلق بحساب موعد عيد الفصح[؟]، وجاء في قرار مجمع نيقية أن يقوم بطريرك الإسكندرية، لتقدّم المدينة في علوم الفلك والحساب، بتحديد موعد العيد وإخطار سائر البطاركة بالموعد، ليصار إلى الاحتفال به. توفي ديمتريوس بعد بطريركية طويلة عام 232، ولم يحدث في حبريته ولا في حبرية سلفه يوليانوس (178 - 188) أي اضطهاد عنيف ضد المسيحيين، غير أن التضييقات لم تتوقف، فحظر على الأساقفة خلال عهده مغادرة الإسكندرية. غير أنّ البابا كان يغادرها سرًا، لتعيين القسس الجدد في القرى والمدن الأخرى. ويقول المؤرخ تراتليان، أن ربع سكان الشرق بختام القرن الثاني كانوا من المسيحيين.
ولعلّ من أبرز مساهمات الكنيسة المصرية خلال القرن الثاني مقارعة الحركة الغنوصية وهي جماعة دينية توأمت بين المسيحية والمعتقدات التي كانت سائدة سابقًا، كان رهبانها يغرقون في التأمل والفلسفة للوصول إلى المعرفة التامّة، والتي بمقدور كل إنسان الوصول إليها وبالتالي الوصول إلى الله فهي شبيهة بالمذهب الحلولي في الأزمنة المعاصرة، وانطلاقًا من كونهم يعتمدون على التأمل الذاتي للوصول إلى المعرفة سمّوا جماعة العرفان، وهي الترجمة العربية لمصطلح غنوصية في اليونانية؛ ظلت المعلومات قليلة عن الغنوصيين حتى أواسط القرن العشرين حين اكتشفت مجموعة من المخطوطات في مصر ساهمت في إماطة اللثام عن معتقدات هذه الجماعة نوعًا ما، إذ دلّت المخطوطات المكتشفة ومنها مخطوطات نجع حمادي إلى أن الغنوصيين قد أفرزوا أناجيل خاصة بهم، ونسبوها إلى شخصيات كنسية شهيرة، وتهدف هذه الأناجيل الغنوصية إلى نقل وجهة النظر أو العقائد والفلسفات الخاصة بهذه الجماعة إلى العموم، مثلاً إحدى العقائد الغنوصية كما اكتشفت في إنجيل يهوذا توضح أن الغنوصيون ينظرون إلى يهوذا الإسخريوطي مسلم يسوع بكونه شريكًا في الخلاص والفداء؛ قاومت الكنيسة الحركة الغنوصية من خلال آباء الكنيسة ولاهوتيها الذين ألفوا كتبًا داخل مصر وخارجها، حول أصول الإيمان المسيحي، وتذكر في هذا الخصوص كتابات أوريجانوس وإكليمندس الإسكندري، ما ساهم في فقدان الغنوصية لقوتها قبيل نهاية القرن الثاني، غير أن اختفائها كليًا استغرق قرونًا عدة.
ومنذ حبرية ياراكلاس (232 - 248) أصبح يطلق على بطريرك الإسكندرية لقب "بابا"، وهو لقب من حيث التاريخ أطلق عليه قبيل إطلاق الاسم على أسقف روما وبطريرك الغرب الذي يقابل حاليًا البابا الكاثوليكي، على أنّ اللفظة عندما انتقلت إلى روما جاءت لكون أسقفها خليفة القديس بطرس رأس الرسل وفق المعتقدات المسيحية، وذلك عبر قرطاجنة ومجمع نيقية ومجمع خلقيدونية اللاحقين. وقد تلاه في رئاسة كرسي الإسكندرية ديونيسيوس (248 - 265) الملقب "معلم الكنيسة الجامعة" وقد شهدت حبريته اضطهاد الإمبراطور ديسيوس الذي قضى خلاله الكثير من المسيحيين في الإمبراطورية الرومانية، وقد حفظ التاريخ مجموعة من رسائل البطريرك إلى الأساقفة خارج مصر ومنهم أسقف أنطاكية[؟] تبيّن به مآسي الكنيسة المصرية وشهدائها، والرغبة في المقاومة والاستمرار بل إن البابا يعلن في أحد رسائله أنه تعرض للسجن وأنه استطاع الهرب لاحقًا من سجنه برفقة واحدًا من الشمامسة، ولاحقًا ألقي القبض عليه مرة ثانية ونفي إلى أحد أديرة الصحراء؛ وهاجمت قبائل من البربر الإسكندرية وأعلن والي الإسكندرية نفسه إمبراطورًا فقامت المعارك بين روما والإسكندرية حول السيادة، ذهب العديد من المسيحيين كضحايا لها، وقد قال البابا حول هذه القضية في رسالة عيد الفصح[؟] لعام 263: "يبدو أن الوقت غير مناسب للعيد، فنحن لا نرى إلا الدموع، الكل ينوح، والعويل يسمع كل يوم في المدينة بسبب كثرة الموتى، بعد هذا حلّت الحرب وحدثت المجاعة. تحملنا هذين الأمرين سويّا مع الوثنيين؛ لكننا فرحنا بسلام المسيح الذي وُهب لنا نحن وحدنا". وقد ظهرت في حبريته كتابات بولس السمساطي وغيره مما وصفت بالهرطقة لأسباب شتى منها القول برفض خلاص التائبين أو القول بخلاف طبيعة الابن عن طبيعة الآب، وقد قارع البابا هذه المعتقدات بشدة. وكذلك ظهرت خلال تلك الفترة الديانة المانوية التي سطعت من بلاد فارس ومزج معتنقوها بين المسيحية والغنوصية والزرادشتية والبوذية فصنفت على أنها واحدة من آخر ديانات الأسرار وأقواها، وقد ترك أمر التصدي لها في الإسكندرية ومصر عمومًا للبابا مكسيموس (265 - 282) إذ نبه البابا في عظاته ورسائله وحذّر بشدة من المانوية، وقد شهدت حبريته أيضًا الإدانة الرسمية لكتابات بولس السمساطي وآرائه، غير أنها ظلت متواجدة في كتابات لوقيان الأنطاكي ما مهد لآريوس أن يأخذ بها لاحقًا. كان عهد هذا البابا خاليًا من الاضطهاد وكذلك عهد خليفته ثيوأنس(3) (282 - 300) حتى بني في حبريته أول كنيسة فوق سطح الأرض في الإسكندرية وشيدت على اسم مريم العذراء، كذلك فقد ظهر القديس أنطونيوس واضع قوانين وشروط الرهبنة وبانيها، فكان أحد آباء الكنيسة المرموقين والمبجلين من قبل المسيحيين في العالم أجمع، بدءًا من عام 285 فعن طريق مصر دخلت الرهبنة إلى بلاد الشام ومنها نحو أوروبا، على أن بعض الباحثين يشيرون إلى أن عددًا من القديسين الأوائل كالقديس بولا[؟] ترهبوا قبل القديس أنطونيوس، بيد أن تنظيم الرهبنة ومأسستها إنما يعود له أولاً.
المجلس الملّي العام للأقباط الأرثوذكس جرى تأسيسه خلال عهد الخديوي إسماعيل في فبراير 1874 وصدر قانونه الأساسي في 14 مايو 1883 بحيث نظمت صلاحياته وإطار تعامله مع البابا والمجمع المقدس، ونصّ القانون على كونه مكونًا من اثني عشر عضوًا منتخبًا واثني عشر من النواب الأقباط. كان وزير الداخلية في مصر حينها بطرس غالي وهو من المقربين من الخديوي إسماعيل ما ساهم في دعم البلاط لفكرة إنشاء مجلسٍ ملي دون اعتراض واضح من البابا أو الأساقفة؛ وقد عدا بطرس غالي عام 1908 رئيسًا لوزراء مصر. سبب تأسيس المجلس، كما جاء في قانونه الأساسي، لإشراك الأقباط في إدارة شؤون الكنيسة، وكسر احتكار رجال الإكليروس لها. فكان مبادرة إصلاحية تهدف للمشاركة في انتخاب البابا ونقل الشكاوي المختلفة من رجال الدين إلى المجمع المقدس، ومراقبة طرق صرف أموال الكنيسة، فضلاً عن إدارة أوقافها والهيئات الخيرية والمداس التابعة لها. ينتخب المجلس من وجهاء الأسقفيات، ويقوم الأقباط بانتخابهم، وشارك منذ تأسيسه حتى الآن، بالكثير من القضايا الأساسية في إدارة الكنيسة، لعلّ أبرزها عام 1954 حين توافق المجلس مع المجمع المقدّس على عزل البابا يوساب الثاني بعيد ثورة 1952 وتعيين لجنة أسقفية لتقوم بإدارة شؤون الكنيسة، ريثما يتم التوافق على انتخاب بابا جديد، وبرر السبب بالفساد الذي كان مستشريًا حينها في إدارة الكنيسة.
الرهبنة المسيحية بشكل عام إنما بدأت وتمأسست في مصر أولاً، وبحسب البحاثة فقد ساهمت الرهبة في تكوين شخصية الكنيسة المصرية كما هي اليوم. وباتفاق الباحثين، فإن الرهبنة نشأت في مصر أواخر القرن الأول أو أوائل القرن الثاني؛ بحسب الوثائق التاريخية المتواجدة فإنه خلال عهد الإمبراطور أنطونيوس بيوس (138 - 161) قام فرونتونيوس بالانعزال في وادي النطرون مع سبعين رجلاً مسيحيًا للتزهد وقضاء الوقت في الصلاة والتأمل بالله، وكذلك فحل كالقديس بولا[؟] الملقب برئيس السوّاح، لأنه اعتزل الحياة العامة وساح في براري مصر زاهدًا في الحياة صارفًا الوقت في الصلاة والتأمل. أما تأسيسها الفعلي، أي وضع نظام واضح وصريح لها يعود للقديس أنطونيوس الملقب "بالكبير" والملقب "كوكب البرية". ولد القديس أنطونيوس عام 251 لعائلة غنيّة، بيد أنه اعتزلها عام 269 منتقلاً إلى عيش الحياة البساطة، ومن ثم كتب مجموعة من القوانين حول واجبات الراهب، إن كان بمواعيد الصلاة أو مواعيد العمل اليدوي كالزراعة أو التعليم وسواهما، ومن مصر انتقلت الرهبنة إلى سائر أصقاع العالم. المبادئ الثلاثة التي وضعها القديس أنطونيوس لا تزال في مختلف رهبانيات العالم ومنها القبطية إلى اليوم، وهي ثلاث: الفقر أو نذر حياة الفقر، والعفّة والطاعة. وعمومًا فإنه يوجد نوعين من الرهبنة، الرهبنة التشاركية حيث يقيم مجموعة من الرهبان في دير والرهبنة النسكية، حيث يتنسك الراهب منفردًا في صومعة[؟] لا يخرج منها في الحالة العامة، وقد توسعت مهام الرهبان في العصر الحالي لتشمل التعليم والتدريس، غير أنه لا يزال في الكنيسة القبطية على وجه الخصوص، الكثير من الرهبان المتنسكين والذين يطلق عليهم أيضًا اسم الرهبان المتوحدين. من آباء الرهبنة المصرية أيضًا القديس باخوميوس والذي نقل منه القديس بندكت، بعد لقاءه إيّاه، نظام الرهبنة إلى أوروبا.؛ ومن ثم تبعه القديس شنودة رئيس المتوحدين الذي أعاد صياغة وتطوير نظام الرهبنة المصريّة، وحوى الدير الذي رأسه لأكثر من نصف قرن على 2200 راهب، وسمي "أبو القبط"، نظرًا لمكانته في الكنيسة القبطية. وكذلك يعتبر من آباء الرهبنة القبطية الأوائل ومؤسسيها، مارمينا، والذي تعتقد الكنيسة وتؤمن بأنه كان قادرًا على اجتراح العجائب ولذلك يلقب "مارمينا العجائبي". أما على صعيد الرهبنة النسائية، فقد برز ومنذ القرون الأولى، إذ إن الرهبنة ومنذ تأسيسها لم تكن حكرًا على الرجال، ومع تطورها، باتت أديرة الرجال منفصلة عن أديرة النساء، ولعلّ القديسة كاترين الإسكندرانية المبجلة في الكنائس الأرثوذكسية المشرقية والكن