English  

كتب controversial and controversial matters

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

أُمورٌ جدليَّةٌ وخِلافيَّة (معلومة)


كانت أحداث الحرب مع بني تميم وبني حنيفة وما جرى بين خالد بن الوليد ومشايخ تلك القبائل مثار جدالٍ ونقاشٍ بين المؤرخين والباحثين المُسلمين وغير المُسلمين، وبين المُسلمين أنفسهم من أهل السُنَّة والشيعة، وقد عرَّضت تلك الأحداث خالدًا للنقد في الكثير من الأحيان، وبعضُ الباحثين شكَّك في سيرته حتَّى، كما شكَّلت تلك المرحلة مادَّةً دسمةً يستند إليها بعضُ الباحثين والمُفكرين من مُنتقدي الإسلام.

تختلفُ رواياتُ المصادر في عرضها لِقضيَّة مالك بن نويرة، الأمر الذي يجعل الحديث عن روايةٍ نموذجيَّةٍ، ينطوي على الإشكال. ففي رواية سوء الفهم اللُغوي الذي أدّى إلى قتل مالك بطريق الخطأ، يُثيرُ بعض الباحثين التساؤل عمَّا إذا كان خالد بن الوليد قد تعمَّد إصدار أمرًا يُساءُ فهمه ثُمَّ راح ينتظر حتَّى تحققت النتيجة المرجوَّة، ذلك أنَّ المرء لا يستطيع في مُخيَّمٍ عسكريٍّ أن يُدبِّر مجزرةً لا يُلاحظها القائد إلَّا بعد انتهائها، فلا بُد أن يكون قد غضَّ البصر عنها أو حثَّ عليها بشكلٍ غير مُباشر. ويطرح هؤلاء سؤالًا مفاده: كيف صحَّ من قائد المُسلمين أن يُخاطب الحُرَّاس بِكلامٍ يعلمُ أنَّه لا يُفهم على هذا الشكل في لهجتهم أو لُغتهم، ولا يصلُ إلى ذات المعنى والهدف في لهجته الخاصَّة؟ وإذا كان لا يعلم فلِماذا لم يعتذر بهذا العُذر عند الخليفة عندما طلبهُ إليه وعاتبه؟ ويصل أصحاب هذا الرأي إلى نتيجةٍ مفادُها أنَّ هذه القصَّة لا تذكر سببًا معقولًا ومقبولًا لِقتل مالك بن نُويرة، على الرُغم من أنَّها تستشهد بِأقوال فئةٍ من أفراد السريَّة بأنَّهُ عاد عن رِدَّته ونصح قومه بالاقتداء به. يُشيرُ البعضُ الآخر إلى أنَّ رواية استجواب خالد لِمالك للوُقوفِ على أيُّ الشَّهادتينِ حقٌ: الشَّهادة بإسلامه أم الشَّهادة بإصراره على الرِّدَّة ومنع الزكاة، هي الرِّوايةُ الأقرب إلى القُبول لأنَّها تذكرُ سبب رِدَّة مالك بن نُويرة ومن اتبعهُ من قومه، وهي امتناعهُ عن دفع الزكاة لأبي بكر، كما أنَّ كلامهُ بحق النبيِّ مُحمَّد لا يصدر عن شخصٍ مُخلصٍ في إسلامه. ومع ذلك فقد تضمَّن الاستجواب إشارتين إلى إسلام مالك، وهما القول أنَّهُ على استعدادٍ لإقامة الصلاة وأنَّهُ كيف لِخالدٍ أن يقتلهُ وهو مُسلمٌ يُصلّي إلى القِبلة. لكنَّ رفضه دفع الزكاة وتصريحاته الاستفزازيَّة لم تدع مجالًا آخر لِخالد سوى القتل، كونه بهذه الحالة يوصف بأنَّهُ مُرتد مُعاند وأنَّ نواياه لا تخرجُ من قلبٍ سليم الإيمان. ويرى هؤلاء أنَّ إعدام مالكًا بدل إرساله إلى أبو بكر في المدينة مع سائر مشايخ بني التميم المُرتدين، كان لأنَّ مالك أعظم إثمًا. ويُضافُ أنَّهُ إذا كان مالكًا مُطلعًا على الإسلام هذا الاطلاع الحسن، والذي يُمكنهُ من مُناقشة خالد في دقائقه فمعنى ذلك أنَّهُ كان مُسلمًا، ويُرجَّح أنَّهُ لم يكن كذلك وقت قتله على الأقل.

وتصُبُّ شهادة أبي قتادة الأنصاريّ في مصلحة مالك، إذ أنكر على خالد فعله وظنَّ أنَّ ما حدث حيلةً من حيله، فذهب إليه ووبَّخه، فزجره خالد، فمضى أبو قتادة حتَّى أتى أبا بكرٍ فأثار القضيَّة أمامه. ويقولُ باحثون أنَّ إقحام اسم أبي قتادة هو من نوع التمويه والتضليل، وإنَّ كون هذا الرجل بِخاصَّةٍ هو الذي يُدلي بالشهادة ضدَّ خالد أمرٌ يستحقُّ النظر، لأنَّهُ هو نفسه كان قد عارض خالدًا في أمر بني جُذيمة وانتقده انتقادًا كبيرًا، أو كان للحادث في نفسه صورةً أُخرى فهم منها أبو بكر ما أملى عليه قوله في ردِّه على عُمر: «تَأَوَّلَ فَأَخْطَأَ». يُضافُ إلى ذلك أنَّ عشرات الصَّحابة شاهدوا ما شاهد أبو قتادة، لكنَّهم لم يتصرَّفوا مثله. أمَّا عبدُ الله بن عُمر بن الخطَّاب الذي حضر الجلسة، فعلى الرُغم من أنَّه خالف خالدًا وعبَّر عن رأيه في هذه القضيَّة إلَّا أنهُ لم يخرج عن قائده، كونهُ رأى أنَّ من وافق على قتل مالك لم يصدر حُكمه عن هوى، وأنَّ هؤلاء إن أخطأوا فقد تأولوا. وتتحدَّث بعضُ روايات التاريخ الإسلامي عن اختلافٍ في وجهات النظر بين أبي بكرٍ وعُمر في هذه القضيَّة، فتجري إحداها أنَّهُ لمَّا بلغ خبر مقتل مالك وأصحابه عُمرًا قال: «إنَّ فِيْ سَيْفَ خَالِدَ رَهَقًا(2)، فَإنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا حَقًا، حَقَّ عَلَيْهِ أَنْ تُقَيِّدَهُ، وَأَكْثِرْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ». فأجابه أبو بكر: «هِيهِ يَا عُمَرْ، تَأَوَّلَ فَأَخْطَأَ، فَارْفَعْ لِسَانَكَ عَنْ خَالِدْ». وأضاف: «لَمْ أَكُنْ لِأَشِيْمَ سَيْفًا سَلَّهُ اللهُ عَلَى الكَافِرِيْن». وودّى مالكًا وكتب إلى خالد أن يُقدم عليه، ففعل. وفي روايةٍ أُخرى أنَّ خالد عاد من أرض بني تميم، ودخل المدينة مصحوبًا بكُلِّ علائم الحرب، والتقى عُمر في المسجد النبوي، فقام الأخير بإذلاله ورماهُ بتُهمةٍ ألقى بها في وجهه، فقال له: «قَتَلْتَ امْرَأً مُسْلِمًا ثُمَّ نَزَوْتَ عَلًى امْرَأَتِهِ! وَاللهِ لَأَرْجُمَنَّكَ بِأَحْجَارِكْ!» فلم يُكلِّمه خالد، ومضى في اضطرابٍ بالِغٍ إلى أبي بكر وهو يظن أنَّ رأيهُ مثل رأي عُمر. وجرى حوارٌ بين الرجُلين اعتذر في نهايته خالد أمام أبي بكر، فعذرهُ وتجاوز عنهُ، لكنَّهُ عنَّفهُ في زواجه من امرأة مالك وابنة مجاعة بن مرارة، وهو الأمر الذي كانت العرب تجمع على كراهيته أيَّام الحرب، وأمره أن يُفارق امرأة مالك، فخرج خالد وعُمر جالسٌ في المسجد، فقال: «هَلُمَّ إِلَيَّ يَا ابْنَ أُمَّ شَمْلَة». فعَرِف عُمر أنَّ أبا بكر قد رضي عنه فلم يُكلِّمه ودخل بيته.

يرفِضُ أغلب العُلماء والمؤرخين والباحثين من أهل السُنَّة الرِّواية سالِفة الذِكر، فيعتبرون أنَّها استُغلَّت من واقع توجيهها دون مُراعاةٍ لِحُرمة الصحابة، فهي تُصوِّرُ خالدًا في صورةٍ تُجافيها المُروءة، وينكُرها الدين، وتشمئز منها الرُّجولة، ولا يرضى عنها عامَّة المُسلمين، وتحشُرُ رجلًا هو ثالث ثلاثة، فتجعل منهُ محورًا تدور عليه فُصولها، وذلك هو عُمر بن الخطَّاب، وأنَّها تحملُ في طيَّاتها عوامل الشك فيها، ومن ذلك أنَّها تُصوِّرُ خِلافًا حادًا في الرأي بين أبا بكرٍ وعُمر في تقييم ما صنع خالد، وهو خِلافٌ غريب في حادثٍ يمسُّ حدًّا من الحُدود التي نصَّ عليها القُرآن والحديث، فهذه لا اجتهاد فيها طالما كانت واضحة وصريحة ومُتطابقة مع ما ورد في النص الشرعيّ، وإن كان هُناك خِلافٌ في هذه النُقطة فهو اختلافٌ في تكييف الحادث لا في فهم النص وتطبيقه. كما أنَّ دلالة «ابن أُمَّ شملة» التي هتف بها خالد في وجه عُمر لا يُمكنُ الوصول إلى دلالتها، ولكنَّ مُجرَّد المُخاطبة بِلقب ابن امرأة ينطوي وحده على إهانة بالغة، وهذا أمرٌ بعيد عن سُلوك الصحابة. أضف إلى ذلك أنَّ هذه الرواية لم تذكر لِأحدٍ من الصحابة رأيًا في هذه القضيَّة سوى أبي بكرٍ وعُمر، ولا سيَّما أنَّها تتعلَّق بِتصرُّف أكبر قادة المُسلمين الذي إذا صحَّ ما نُسب إلى عُمر في اتهامه لِخالد، لكان جزاء هذا القائد في الشريعة الإسلاميَّة الإعدام، ولا يحق للخليفة تعطيل أحكام الدين، أمَّا بقاء المُتهم في مقامه في صدارة الدولة، فهذا يتناقض مع ما عُرف عن الصحابة من شدَّة البحث عن الحقيقة. أخيرًا، فإنَّ تهديد عُمر لِخالد بِأن يرجُمهُ بأحجاره لم يُطبَّق عندما تولّى عُمر الخِلافة، كما أنَّهُ لم يقتله قِصاصًا بمالك وأصحابه. أمَّا عزله عن الإمارة فلم تكن قضيَّة مالك بن نُويرة سببًا من أسبابها على وجه اليقين، والرَّاجح في رِوايات ومراجع أهل السُنَّة أنه عزله خوفًا من افتتان الناس به وإحاطته بهالةٍ من القداسة، كونه حقَّق ما حقَّق من الانتصارات المُبهرة باسم الإسلام والمُسلمين، ولأنَّهُ كان صحابيًّا عرف النبيّ وجهًا لِوجه وعاشره سنواتٍ طويلة.

وتتباين المصادر أيضًا في وضع أرملة مالك بن نويرة، فيثُورُ التساؤل عمَّا إذا كان خالد قد تزوَّجها فعلًا أم اتخذها محظيَّةً فقط، وإن كان قد عاشرها فورًا أم بعد انتهاء عِدَّتها، وكيف تطوَّرت العلاقة بينهما بعد ذلك. يروي الطبريّ أنَّ خالد تزوَّج أُمّ تميم وتركها لِينقضي طُهرها، وأنَّ العرب عايرته بسبب ذلك لِكرهها النساء في الحرب. وفي رِوايةٍ أُخرى أنَّ خالد اشترى امرأة مالك من الفيء وتزوَّج بها، وقيل أنَّها اعتدَّت بِثلاث حيض ثُمَّ خطبها إلى نفسه فأجابته، وطلب من أبي بكر وعُمر أن يحضرا النِكاح فأبيا.

لم يكن خالد فقط الذي تعرض للنقد لزواجه أثناء الحرب، فقد كان زواج عكرمة بن أبي جهل من أسماء بنت النعمان بن الجون التي تزوجها عكرمة في عدن وحملها معه إلى مأرب مثار انتقاد معاصريه الذين رأوا في زواجه منها مخالفة لتقاليد العرب بكراهة التزوج في الحرب، إضافة إلى تذمر البعض نظرًا لأن النعمان بن الجون كان قد عرض ابنته أسماء على النبي محمد ليتزوجها، إلا أن النبي رغب عنها. فكان رأي البعض أنه كان الأولى بعكرمة أن يتأسى بالنبي محمد، ويرغب عنها كما رغب النبي محمد عنها. بل وأرسل بعضهم إلى الخليفة في المدينة ليفصل في الأمر برأيه، فلم ير أبو بكر بأسًا من هذا الزواج، بل واستقر عكرمة بزوجته أسماء في المدينة بعد أن رفعت الحرب أوزارها.

أمَّا بالنسبة لعُلماء وفُقهاء الشيعة، فقد قالوا بأنَّ حُرُوبُ الرِّدَّة لم تكن إلَّا ضدَّ القبائل التي رفضت مُبايعة أبو بكر كونهم سمعوا تصريحات النبيّ مُحمَّد بأحقيَّة عليّ بِالخِلافة من بعده، وقد بايعوهُ على الخِلافة في غدير خُمّ، فلمَّا سمعوا بغصب الخِلافة أعلنوا سخطهم، وعدم قُبولهم لِلحُكومة الغاصبة، وامتنعوا من أداء الزَّكاة، فاتّهمتهم السُلطات بالارتداد، وأرسلوا الجُيوش لمُحاربتهم، وإجبارهم على قُبول خِلافتهم. وأنَّ أبا بكر ومن معهُ رغِب بإبعاد الصحابة عن المدينة كي يخلو لهُ الجوّ السياسيّ، لأنَّ قسمًا كبيرًا ممن بايعه ارتفع صوته، وصاروا يميلون إلى الخليفة الشرعيّ الذي نصبه الرسول مُحمَّد، أي عليّ، فمُحاربة أبي بكر للقبائل كانت بدافع القضاء على الحركات المُناوئة لحُكمه وليقطع دابر ظهور المزيد من الحركات التي لا تعترف بصحة خِلافته. أمَّا الحركات التي كانت على عهد النبيّ مُحمَّد كحركة سُليمة وسُجاح فإنه يصدق عليها أنَّها حركات رِدَّة وِفقًا لِلفُقهاء الشيعة.

المصدر: wikipedia.org