English  

كتب contemporary insurance

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

التأمين المُعاصر (معلومة)


من المُسلَّم به بين الشُرَّاح أنَّ التأمين البحري كان أوَّل صورة ظهرت للتأمين الحديث بمعناه السالِف الذِكر، وذلك في القرن الرَّابع عشر الميلاديّ إثر ازدهار التجارة البحريَّة وانتشارها بين المُدن الإيطاليَّة ودُول حوض البحر المُتوسِّط. ويرجع انتشار التأمين البحري إلى عقد القرض البحري المُسمّى «عقد المخاطر الجسيمة». وهو نوعٌ من العُقود كان ذائعًا من قبل في روما وأثينا. وبِمُقتضى هذا العقد يقترض صاحب السفينة مبلغًا من المال لِإصلاحها وتجهيزها، أو يحصل بِمُقتضاه صاحب الشحنة على مبلغٍ يوفي به ثمن البضاعة التي تتكوَّن منها الشحنة، وتكون السفينة أو شحنتها في الحالتين ضامنة لاسترداد مبلغ القرض وفوائده. ويتضمَّن هذا الاتفاق أيضًا شرطًا يقضي بأنَّهُ إذا غرقت السفينة أو أصاب شُحنتها تلف، لا يسترد المُقرض شيئًا، أمَّا إذا وصلت سالمة، التزم المُقترض بِرد مبلغ القرض مع فائدته الباهظة. غير أنَّ الكنيسة الكاثوليكيَّة اعتبرت أنَّ هذا العقد غير شرعي لِما يتضمَّنه من فوائد مُحرَّمة في العقيدة المسيحيَّة، فحرَّمت اشتراط الفائدة في جميع القُروض ومنها القرض البحري، وقد تمَّ ذلك بمُقتضى مرسومٍ من البابا گريگوري التَّاسع سنة 1234م. أدَّت فتوى الكنيسة سالِفة الذِكر إلى ظُهور نظامٍ جديد، يقترب إلى حدٍ بعيدٍ من عقد التأمين بمعناه الحالي، لِمُواجهة المخاطر البحريَّة. وقد تمثَّل هذا النظام في عقد بيعٍ مُعلَّق على شرطٍ فاسخ بِمُقتضاه يتَّفق شخص على شراء السفينة وما عليها من البضاعة بِثمنٍ يدفعهُ هذا المُشتري (المُؤمِّن) إذا لم تصل البضاعة سالمة، وهذا العقد كان يتضمَّن شرطًا فاسخًا، بِمُقتضاهُ يكونُ البيعُ مفسوخًا إذا وصلت السفينة لِميناء الوُصول، مع تعهُّد صاحب السفينة، وهو في نفس الوقت البائع والمُؤمَّن لهُ، بدفع مبلغٍ مُعيَّنٍ للمُشتري مُقابل تحمُّلهُ هذه المُخاطرة. ويرى الشُرَّاح أنَّ عناصر عقد التأمين الأساسيَّة قد وُجدت خِلال تطوُّر هذه العمليَّة، فهُناك العوض المالي الذي يجب دفعه عند وُقوع الكارثة، وهُناك القِسط وهو مُقابل تحمُّل الخطر، وكذلك الخطر المُؤمَّن منهُ.

أمَّا فيما يتعلَّق بالتأمين البرّي فقد تأخَّر ظُهوره إلى القرن السَّابع عشر الميلاديّ. ففي هذا القرن، وتحديدًا سنة 1666م، اندلع حريقٌ هائلٌ في لندن دمَّر كاتدرائيَّة القدّيس بولس الكبيرة و89 كنيسة وأكثر من 13,000 منزل. ولم توجد أي وسيلة لِتعويض الخسائر الناجمة عن هذا الحريق. وقد دفع هذا إلى ظُهور الحاجة إلى التأمين البرّي، فظهرت صورته الأولى في شكل التأمين ضدَّ الحريق، وقد أشار المُهندس السير كريستوفر رن إلى تخصيصه موقعًا «لِمكتبٍ تأميني» في مخطوطة إعادة إعمارها سنة 1667م. بعد ذلك جرت عدَّة مُحاولات لوضع نظامٍ تأمينيّ مُعين، يقي الناس من خطر الحرائق، إلَّا أنَّ أيًّا منها لم يُكتب له النجاح، ولكن في سنة 1681م أقدم الاقتصادي نِقولا باربون على تأسيس أوَّل شركة تأمين ضدَّ الحريق بالتعاون مع أحد عشر شخصًا، وأُطلق عليها تسميه «مكتب التأمين للدُور» (بالإنگليزيَّة: The Insurance Office for Houses)، وأبرم حوالي 5,000 صاحب منزل عقودًا معها. ومن إنگلترا انطلقت فكرة التأمين ضدَّ الحريق إلى كثيرٍ من البُلدان منها فرنسا، والتي تكوَّنت فيها أوَّل شركة لِتأمين مخاطر الحريق في سنة 1750م. ويُلاحظ أنَّ التأمين ضدَّ خطر الحريق كان في البداية مقصورًا على العقارات فقط دون المنقولات، ولكن تطوّر الأمر أدّى إلى شمله إيَّاها أيضًا. وشهدت نهاية القرن الثامن عشر الميلاديّ انتشار التأمين ضدَّ الحريق في البلاد الأوروپيَّة والأمريكيَّة بِكافَّة خصائصه القانونيَّة والفنيَّة المعروف بها الآن.

ترافق ظُهور أولى شركات التأمين مع أولى المُخططات التأمينيَّة للاكتتاب بواسطة رؤوس الأموال الاستثماريَّة. وبحُلول أواخر القرن السَّابع عشر، أدَّى تنامي أهميَّة لندن كمركزٍ تجاريٍّ عالميّ إلى ارتفاع الطلب على التأمين البحري. وفي أواخر عقد الثمانينيَّات من القرن سالف الذِكر، افتتح إدوارد لويد مقهىً أصبح فيما بعد مُلتقى جميع الفُرقاء العاملين في التجارة البحريَّة والشحن، والراغبين بتأمين بضائعهم وسُفنهم، وأولئك المُستعدين للمُوافقة على الدُخول في مثل هذه المشاريع. أدَّت هذه البدايات المُتواضعة اللارسميَّة إلى تأسيس سوقٍ ائتمانيَّة، عُرفت مُنذُ ذلك الوقت باسم «لويدز لندن» (بالإنگليزيَّة: Lloyd"s of London)، وعدَّة شركات ومشاريع تأمين وشحن أُخرى مُرتبطة بها.

أمَّا التأمين على الحياة فقد تأخَّر في الظُهور نظرًا لاعتباره في البداية عملًا مُنافيًا للأخلاق والدين المسيحيّ ونوعًا من المُقامرة على حياة الإنسان. لذلك فقد حرَّمه المُشرِّعون في الكثير من أنحاء أوروپَّا، وحُرِّم في فرنسا بالأمر الذي أصدرهُ الملك لويس الرَّابع عشر سنة 1681م. غير أنَّهُ في القرن الثامن عشر بدأت تظهر الإحصاءات الخاصَّة بِالوفاة ممَّا أمكن معه تحديد درجة احتمال خطر الوفاة، وبذلك أصبح من المُمكن تحديد قسط التأمين على أُسسٍ علميَّةٍ وفنيَّةٍ، بعد أن كانت نوعًا من المُقامرة، وأدَّى ذلك إلى ظُهور التأمين على الحياة. وكانت أوَّل شركة تأمين من هذا النوع في إنگلترا هي «مكتب المُجتمع المُتحاب للتأمين الدائم» (بالإنگليزيَّة: Amicable Society for a Perpetual Assurance Office)، وقد تأسست سنة 1706م على يد القس وِليم طالبوت والسير طوماس ألان. وفي سنة 1762م، أسس إدوارد رو موريس شركة تأمينٍ أُخرى هي «مُجتمع تأمين الحياة المُنصف» (بالإنگليزيَّة: The Equitable Life Assurance Society). وظهرت أوَّل شركة فرنسيَّة للتأمين على الحياة سنة 1787م، وكان اسمها «الشركة الملكيَّة للتأمين» (بالفرنسية: Compagnie Royale d’assurances)‏. ومُنذُ ذلك التاريخ ومع تقدّم أُسس الإحصاء التي يُعتمد عليها في تحديد درجة احتمال خطر الوفيَّات وقيمة الأقساط ذاع التأمين على الحياة وانتشر.

أمَّا التأمين من المسؤوليَّة فقد ظهر نتيجة التغييرات الاقتصاديَّة، والتطوُّرات التي أدَّت إليها الثورة الصناعيَّة، وانتشار الآلات الميكانيكيَّة، والسيَّارات، ووسائل النقل البرّي والبحري والجوّي. فقد أدّى هذا التطوّر إلى زيادة نشاط الإنسان وتوسُّعه، وصاحب ذلك كثرة الحوادث، وكثرة دعاوى المسؤوليَّة المدنيَّة عن الإصابات التي تحدث للغير. ودفع ذلك إلى ظُهور وتطوّر نظام التأمين ضدَّ المسؤوليَّة، حيثُ يؤمِّن الشخص مسؤوليَّته الناتجة عن استخدام وسائل المدنيَّة الحديثة مثل التأمين ضدَّ حوادث السيَّارات، والتأمين ضدَّ المسؤوليَّة عن الحوادث التي تقع للعُمَّال بسبب الآلات الميكانيكيَّة وأدوات المدنيَّة الحديثة، حيثُ يقومُ أصحاب الأعمال بالتأمين ضدَّ مسؤوليَّتهم بسبب تلك الحوادث، أو بتأمين عُمَّالهم مُباشرةً ضدَّ الحوادث التي يتعرَّضون لها أثناء قيامهم بعملهم. ويُلاحظ أنَّ التأمين ضدَّ الحوادث كان في بداية الأمر أشبه بالتأمين ضدَّ العجز المُعاصر. وأوَّلُ الشركات التي قدَّمت تأمينًا ضدَّ الحوادث كانت «شركة تأمين رُكَّاب السكك الحديديَّة» (بالإنگليزيَّة: Railway Passengers Assurance Company)، وهي شركةٌ إنگليزيَّةٌ تأسست سنة 1848م لِضمان الأضرار الحاصلة بسبب ارتفاع نسبة ضحايا القطارات.

بحُلول أواخر القرن التاسع عشر، أخذت الحُكومات الأوروپيَّة تُطلق برامجًا تأمينيَّة وطنيَّة ضدَّ المرض والعجز، وكانت ألمانيا من الدُول الرائدة في هذا المجال، إذ كانت قد شرعت في تطبيق مشاريع خيريَّة في كُلٍّ من بروسيا وسكسونيا مُنذُ عقد الأربعينيَّات من القرن سالِف الذِكر، وخلال عقد الثمانينيَّات منه أدخل المُستشار أوتو ڤون بسمارك نظام معاشات العجزة، والتأمين ضدَّ الحوادث، والرِعاية الطبيَّة، فشكَّلت هذه الأُسس التي نمت عليها ألمانيا كدولةٍ رفاهيَّة. وفي بريطانيا شُرِّعت عدَّة قوانين وأنظمة على نحوٍ أوسع خِلال عهد الحُكومة الليبراليَّة سنة 1911م، ومن أبرزها قانون التأمين الوطني الذي منح الطبقة الكادحة البريطانيَّة أوَّل نظامٍ تأمينيٍّ مُساهمٍ ضدَّ المرض والبطالة. وسِّعَ هذا النظام على نحو مُكثَّفٍ بعد الحرب العالميَّة الثانية بفضل تقرير بڤريدج، لِتدخل البلاد بفضله في عداد دُول الرفاهيَّة.

هذا وقد تطوَّر التأمين خِلال القرن العشرين تطورًا هامًّا، وأصبح مُلازمًا لِأوجه النشاط الإنساني المُختلفة، لا سيَّما في مجال التأمين ضدَّ المسؤوليَّة، ومن أهمها تأمين أرباب المهن الحُرَّة، كالأطبَّاء والصيادلة والمُهندسين المعماريين والمُحامين وغيرهم، من المسؤوليَّة المدنيَّة الناشئة عن أخطائهم. كما ظهرت صورٌ أُخرى للتأمين لم تكن معروفةٌ من قبل، كالتأمين من المخاطر الذريَّة، والتأمين من أخطار استخدام الحاسبات الآليَّة والإلكترونيَّة.

المصدر: wikipedia.org