English  

كتب conflict with neighboring powers

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

الصراع مع القوى المُجاورة (معلومة)


انتهج أباقا نهج والده في التقرُّب من القوى المسيحيَّة بِفعل تعرُّض الدولة الإلخانيَّة لِخطر المُسلمين المُمثلين بِالمماليك في الجنوب، ومغول القبيلة الذهبيَّة في الشمال، بِالإضافة لِلمغول الجغطائيين في آسيا الوُسطى، الذين انتهز كُلٌ منهم وفاة هولاكو وسعى إلى التوسُّع على حساب مغول فارس. وفي الحقيقة فإنَّ أباقا بن هولاكو لم يُنصَّب إلخانًا من الناحية الرسميَّة إلَّا بعد مُرور أربعة أشهر على وفاة والده، كما لم يُعد توزيع الإقطاعات وحُكُومات الولايات إلَّا بعد مُرور أربعة أشهُرٍ أُخرى، ولمَّا كان انتقام المغول لِهزيمتهم في عين جالوت مُتوقعًا، وكان هؤلاء يتعاونون مع النصارى الشرقيين وصليبيي أنطاكية لِلقضاء على الدولة المملوكيَّة، فقد عزم السُلطان المملوكي آنذاك، رُكن الدين بيبرس، أن يقضي على الصليبيين ويطردهم من الشَّام، ويُحارب الأرمن وصليبيي أنطاكية لِمُحالفتهم مغول إيران، ثُمَّ التوسُّع على حساب هؤلاء في شماليّ الشَّام وآسيا الصُغرى، والاتصال بِمغول القبيلة الذهبيَّة لِلتنسيق معهم ضدَّ الإلخانيين. بدأ بيبرس بِتنفيذ مُخططته بِمُهاجمة الصليبيين في الشَّام، ففي سنة 664هـ المُوافقة لِسنة 1265م، استرجع لِلمُسلمين قيسارية ويافا وأرسوف، وهاجم قلاعًا أُخرى، كما استرجع في السنتين التاليتين صفد والرملة وتبنين والقليعات وحلبا وعرقة تمهيدًا لِاسترجاع طرابُلس الشَّام. وشنَّ بيبرس غارات واسعة على مملكة قيليقية الأرمنيَّة وإمارتيّ أنطاكية وطرابُلس في سبيل توطيد مركزه في شماليّ الشَّام لِلانطلاق إلى الأناضول واستقطاب سلاجقة الروم، لِيتخذ من المنطقة حاجزًا في وجه الإلخانيين من جهة، ويتصل بِمغول القبيلة الذهبيَّة من جهةٍ أُخرى. وفي شهر ذي القعدة سنة 664هـ المُوافق فيه شهر آب (أغسطس) 1266م، هاجم الجيش المملوكي الأرمن وتغلب عليهم، ثُمَّ اجتاح قيليقية فنهب أياس وأضنة وطرسوس، وتجاوز المصيصة إلى العاصمة سيس فنهبها وأشعل النار فيها وجعل عاليها سافلها ثُمَّ انسحب من المنطقة في نهاية شهر ذي الحجَّة المُوافق فيه شهر أيلول (سپتمبر) عائدًا إلى حلب، ومعه الأسرى والغنائم. واضطرَّ الملك الأرمني حيطوم الأوَّل أن يُفاوض بيبرس ويعقد معه اتفاقيَّة هدنة، وبِخاصَّةٍ أنَّ أباقا كان مُنهمكًا بِالحرب ضدَّ مغول القبيلة الذهبيَّة والمغول الجغطائيين في تركستان، ولم يكن بِوسعه تقديم المُساعدة لِلملك الأرمني.

في الوقت الذي كان فيه المماليك يضربون حُلفاء المغول الإلخانيين في الشَّام، كان أباقا يخوض حربًا على جبهتين: في ما وراء النهر والقفقاس، فقد طمع براق بن ييسون خان المغول الجغطائيين بِضم خُراسان وأذربيجان إلى أملاكه، وعقد حلفًا مع مغول القبيلة الذهبيَّة مُوجهًا ضدَّ الإلخانيين، ولكنَّ أي هُجُومٍ مُشترك لم يتحقق، فأغار بركة خان بدايةً على ولايتيّ أرَّان وأذربيجان وتوغَّل فيهما، وذلك في شهر صفر 664هـ المُوافق فيه شهر تشرين الثاني (نوڤمبر) 1265م، فنهض أباقا لِصد هذا الهُجُوم وأرسل جيشًا بِقيادة أخيه يشموط لِصد هُجُوم جيش القبيلة الذهبيَّة، فتمكَّن من التغلُّب عليهم وإرغامهم على التقهقر. ولم يستطع بركة خان أن ينتقم لِهزيمته، إذ تُوفي أثناء توجهه لِقتال أنسبائه، ما أعطى أباقا الفُرصة لِلتفرُّغ لِلجغطائيين والمماليك. ظهر أثر الترابط المغولي - الصليبي واضحًا عندما انتهز أباقا فُرصة انهماك المماليك بِمُحاربة الصليبيين، فأغار على مناطق الحُدُود. ففي سنة 665هـ المُوافقة لِسنة 1267م، هاجم مدينة الرحبة على الحُدُود الفُراتيَّة في الوقت الذي كان فيه المماليك يُهاجمون صفد، وأرسل بعثةً إلى الغرب الأوروپي حملت رسالةً مُؤرَّخةً من أذربيجان في 22 ذي القعدة 666هـ المُوافق فيه 3 آب (أغسطس) 1268م، أعلم فيها أباقا البابا كليمنت الرابع بِسوء موقف حُلفاء مغول إيران في الشرق الأدنى بعدما سقطت أنطاكية بِيد المُسلمين في ذات السنة، وضعُفت مملكة قيليقية الأرمنيَّة وأُنهكت قواها. وعندما وصلت السفارة المغوليَّة إلى روما، في سنة 667هـ المُوافقة لِسنة 1269م، وجدت أنَّ كليمنت الرابع قد تُوفي، ومن ثَمَّ أبحرت إلى أرغون وبقيَّة ممالك أوروپَّا الغربيَّة، عارضةً على مُلُوكها التعاون ضدَّ المُسلمين، ويُعتقد أنَّ هذا ما حثَّ يعقوب الأوَّل ملك أرغون على إعداد حملته الصليبيَّة الصغيرة إلى عكَّا، في ذات السنة، التي لم يُكتب لها الوُصُول إلى ديار الإسلام بعدما حطَّمت عاصفةٌ عاتية الأُسطول الأرغوني قبالة سواحل فرنسا. وفي الحقيقة فإنَّ بعض المُلُوك الأوروپيين اعتقدوا بِأنَّ المغول سوف يُهاجمون أوروپَّا بعد القضاء على المماليك، فتراجعت فكرة تكوين اتحاد عسكريّ معهم، لا سيَّما بعدما انحرفت حملة لويس التاسع ملك فرنسا، نحو إفريقية عوض المشرق العربي، على الرُغم من إعلان المبعوث البابوي أنها ستُهاجم المماليك من جهةٍ بينما ينقض المغول من الجهة الأُخرى. أمام هذا الواقع، أرسل أباقا إلى بيبرس يُحاول التفاهم معه، لكنَّ رسالته تضمَّنت تهديدًا إلى جانب الترغيب بِالصُلح، فقال: «أَنتَ مَمْلُوكُ أَبغَت بِسِيوَاس، فَكَيفَ يَصلِحُ لَكَ أَن تُخَالِفَ مُلُوكَ الأَرضِ؟ واعلَم أَنَّكَ لَو صَعِدتَ إِلَى السَّمَاءِ أو هَبَطَّتَ إِلَى الأَرضِ مَا تَخَلَّصتَ مِنهُ، فَاعمَل لِنَفسِكَ عَلَى مُصَالَحَةِ السُّلطَانِ أَبَغَا». فلم يلتفت بيبرس إلى هذا الكلام، ورفض مبدأ الصُلح، وردَّ على كتاب أباقا قائلًا: «أَعلِمُوهُ أَنِّي وَرَاءَهُ بِالمُطَالَبَةِ، وَلَا أَزَالُ حَتَّى أَنتَزِعَ مِن يَدِهِ جَمِيعَ البِلَادِ الَّتِي استَحوَذَ عَلَيهَا مِن بِلَادِ الخَلِيفَةِ وَسَائِرِ أَقطَارِ الأَرضِ». وهكذا، كان لا بُدَّ من الحرب لِتقرير مصير هذا الصراع.

تعرَّضت الدولة الإلخانيَّة، في غُضُون ذلك، إلى هُجوم المغول الجعطائيين من الشرق، إذ عبر براق خان بن ييسون نهر جيحون على رأس جيشٍ كثيف، واصطدم بِالجيش الإلخاني عند هراة وباذغيس وتغلَّب عليه وطارد فُلُوله حتَّى أخرجه من خُراسان واستولى عليها. وأرسل بُراق إلى الملك شمس الدين مُحمَّد كرت صاحب هراة، يدعوه إلى الدُخُول في طاعته، ويُخبره بِأنَّهُ استولى على خُراسان ويعتزم الزحف نحو أذربيجان والعراق، ووعدهُ بِمنحه إقليم خُراسان إذا سانده بِقُوَّاته، فوافق شمس الدين كرت على مضض، ثُمَّ تراجع عن ذلك عندما علم باستعداد أباقا لِلزحف على خُراسان وشعر بِدُنوِّ أجل الدولة الجغطائيَّة بعدما طغى براق خان في البلاد، وتطاول وبغى وأرهق الناس بِشتَّى المطالب والمُصادرات، فاعتصم بِقلعة خيسار في هراة، وراح يترقَّب نتيجة الصراع. وجهَّز أباقا جيشًا جرَّارًا، وسار على رأسه في شهر رمضان سنة 668هـ المُوفق فيه شهر نيسان (أبريل) 1270م، قاصدًا خُراسان، واصطدم بِخصمه في شهر ذي الحجَّة المُوافق لِشهر تمُّوز (يوليو) وتغلَّب عليه وكبَّده كثيرًا من القتلى، وفرَّ براق عبر نهر جيحون بِمشقَّةٍ بالغةٍ إلى بلاد ما وراء النهر، حيثُ تُوفي بعد فترةٍ قصيرة مُتأثرًا بإصابته الجسديَّة والمعنويَّة. تفرَّغ أباقا بعد ذلك لِلمماليك، وشرع بِالإغارة على الشَّام، وحمل عليها عدَّة مرَّات بدايةً من سنة 670هـ المُوافقة لِسنة 1271م، لكنَّهُ هُزم في كُلِّ مرَّةٍ على يد المُسلمين، وظلَّ بيبرس يملك زمام المُبادرة، ويُؤرق عين مغول فارس، واستمرَّ الأمر على هذا المنوال إلى أن توفي بيبرس يوم الخميس 27 مُحرَّم 676هـ المُوافق فيه 29 حُزيران (يونيو) 1277م، فاستغلَّ أباقا الاضطرابات الداخليَّة التي سادت الشَّام ومصر على أثر وفاة بيبرس، وتنازُع الأُمراء على السُلطة، فأرسل قُوَّةً استطلاعيَّة في شهر جُمادى الأولى 679هـ المُوافق فيه شهر أيلول (سپتمبر) 1280م، إلى شماليّ الشَّام لِسبر أغوار المماليك وجس نبضهم، فوصلت تلك القُوَّة إلى حلب وأعمالها وعاثت في البلاد وبذلت السيف في الناس، وأحرقت منبر المسجد الجامع وغيره من المصالح. وفي غُضُون ذلك كان المماليك قد ولُّوا عليهم الأمير سيف الدين قلاوون الألفي الصالحي، الذي وحَّد كلمة المُسلمين في مصر، وتكتَّل خلفه أُمراء المماليك، فخرج من القاهرة مُتوجهًا إلى دمشق حيثُ دعا إلى التعبئة العامَّة، وسار بِجيشٍ قوامه 30,000 مُقاتل باتجاه حِمص وعسكر في ظاهرها. وفي يوم الخميس 14 رجب 680هـ المُوافق فيه 29 تشرين الأوَّل (أكتوبر) 1281م، اصطدم المُسلمون بِالمغول في رحى معركةٍ طاحنة أسفرت عن انتصارٍ إسلاميٍّ واضحٍ، وقُتل الكثير من الجُنُود المغول، وانسحب الباقون ناجين بِحياتهم. ولم يَعش أباقا خان طويلًا بعد ذلك، إذ تُوفي في 20 ذي الحجَّة 680هـ المُوافق فيه 1 نيسان (أبريل) 1282م، فأُسدل الستار على الصراع المغولي الإسلامي حتَّى حين.

المصدر: wikipedia.org