English  

كتب compound ideas

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

الأفكار المركبة (معلومة)


يصنعها العقل من الأفكار البسيطة عن طريق العمليات الذهنية التي يقوم بها. ومعنى هذا أن الأفكار المركبة ليست مجرد صور ذهنية عن الأشياء مثل الأفكار البسيطة بل هي من إنتاج العقل( 31). وليس معنى كونها من إنتاج العقل أنها مجرد أوهام بل هي حقيقية، وكل الاختلاف بينها وبين الأفكار البسيطة أن الأفكار البسيطة تشير مباشرة إلى الأشياء، ذلك لأن الإحساس هو مصدرها، بينما لا تشير الأفكار المركبة إلى إحساسات بل إلى أفكار بسيطة أخرى. وفي العقل طائفة كبيرة من الأفكار المركبة مثل الجيش، لأنه يشير إلى مجموعة من الجنود. إن مجموعة الجنود عبارة عن أفراد، كل فرد واحد منها جندى واحد، والإحساس التي يتلقاه المرء وهو ينظر إلى هذه المجموعة عبارة عن أفراد جنود متجمعين معاً، أما كون هذه المجموعة تشكل جيشاً ففكرة مركبة يتوصل إليها العقل عن طريق إضافة هؤلاء الأفراد المتشابهين إلى بعضهم، فالإدراك الحسى لا يرى شيئاً اسمه الجيش أمامه، بل يرى جنوداً، والعقل هو الذي يفهم معنى كلمة جيش لا الحواس. والجمال أيضاً فكرة مركبة لأنها مكونة من عدد من الأفكار البسيطة، مثل فكرة التناسق وفكرة اللون والشكل، وشعور الارتياح أو الاستحسان الذي يشعر به المرء عند رؤية الشئ الجميل. الأفكار المركبة هي نتيجة العمليات الذهنية التي يقوم بها العقل، وتنقسم هذه العمليات الذهنية إلى ثلاثة أنواع ينتج كل نوع منها نوعاً من الأفكار المركبة. هذه العمليات الذهنية هي: ( 32) 1 - الدمـــج Combining: حيث يجمع العقل فكرة بسيطة مع فكرة أخرى للوصول إلى فكرة مركبة، وذلك مثل مثال الجيش الذي شرحناه آنفاً، إذ هو نتاج دمج عدد من الأفراد مع بعضهم البعض، وكذلك فكرة المثلث التي تعتمد على الدمج بين فكرة الضلع وفكرة الزاوية. 2 - التعلـــق Relating: وفيه لا يدمج العقل فكرة بأخرى بل يحافظ على الفكرتين منفصلتين ومستقلتين لكن يربط بينهما بعلاقة، مثل إدراك العلاقة بين شئ سابق وشئ لاحق باعتبارها علاقة سببية بينهما، حيث يكون السابق سبباً لحدوث اللاحق، وكذلك أفكار المكان التي تعتمد على إدراك علاقات التجاور وعلاقات الجهة مثل اليمين واليسار والأمام والخلف والأعلى والأسفل، ذلك لأنه لا يمكن إدراك هذه العلاقات إلا بالربط بين الأشياء على أساس المكان الذي تشغله بالنسبة لبعضها البعض. وفكرة الزمان أيضاً لأنها تعتمد على علاقات التوالى والتزامن، وهذه العلاقات تصف الترتيب الزمنى بين أشياء منفصلة. 3 - التجريـــد Abstraction: حيث يجمع العقل طائفة من الأشياء المتشابهة ليدرك ما بينها من اشتراك وعمومية، وهذا هو مصدر الأفكار العامة، أى الكليات والمجردات، مثل فكرة الإنسان التي يتوصل إليها العقل بتجريد العام والمشترك في النوع البشرى. الأفكار المركبة إذن إما أن تكون أحوالاً modes أو جواهر substances أو علاقات relations. الأحوال هي الأفكار المركبة عن الأشياء، وهذه الأفكار لا تقوم بذاتها مستقلة بل هي في حاجة إلى وجود شئ سابق عليها تقوم به، مثل الوفاء، ذلك لأن الوفاء لا يمكن أن يوجد إلا في الشخص الوفى، والشكل الكروى الذي لا يمكن أن يقوم بذاته بل هو صفة لكل ما يتصف بهذا الشكل، والقتل الذي هو فعل لا يحدث بذاته بل في حاجة إلى فاعل وهو القاتل. أما الجواهر فهى تشير إلى أشياء مفردة تقوم بذاتها وتتصف بأحوال( 33)، وهي نتاج الربط بين عدة أحوال، مثل الربط بين البياض والصلابة والبرودة للوصول إلى فكرة الثلج، والربط بين الحيوانية والنطق والتعقل للوصول إلى فكرة الإنسان. وبذلك يكون الثلج هو الجوهر الذي تجتمع فيه صفات البياض والصلابة والبرودة، وفكرة الإنسان هي الجوهر الذي تجتمع فيه صفات الحيوانية والنطق والتعقل. والملاحظ أن فكرة لوك عن الجوهر تختلف عن نفس الفكرة لدى الفلسفات السابقة الأرسطية والأفلاطونية، ذلك لأن الفكرة الأرسطية عن الجوهر تلحق به الثبات واللاتغير والقوام، حيث يكون الجوهر هو الشئ حامل الصفات المتغيرة. إن الجوهر في الفلسفات الأرسطية يتم الوصول إليه بالعقل، إذ يكون لديها هو القوام الذي يحمل الصفات، أما الجوهر عند لوك فيتم الوصول إليه من الإدراك الحسى، لأنه بذلك يكون هو الشئ الذي تجتمع فيه عدد من الصفات حصرياً. يتوصل أرسطو إلى الجوهر عن طريق العقل، بينما يتوصل إليه لوك عن طريق الحواس، والجوهر عند أرسطو هو القوام الثابت، أما عند لوك فهو ليس سوى المحل الذي تجتمع فيه مجموعة من الصفات أو الإدراكات الحسية، وبذلك أحل لوك نظرية تجريبية في الجوهر محل النظرية العقلية الأرسطية. 4 - الأحـــوال: يقسم لوك الأحوال إلى أحوال بسيطة وأحوال مركبة، الأحوال البسيطة هي تلك التي تتكون من أفراد بسيطة أو فرد واحد متكرر أو ممتد، وذلك مثل المكان( 34). فالمكان مكون من أجزاء بسيطة مضافة إلى بعضها ومتكررة، إذ أن المكان هو الامتداد، والامتداد يقاس بوحدات بسيطة مثل السنتيمتر أو المتر أو الكيلومتر، ويكون المكان الأكبر مجموع من أمكنة صغرى، لكل منها مقياس بوحدة قياس بسيطة. وكذلك الموضع place فكل جسم يشغل موضعاً وهو حيز من المكان، وكلما غير الجسم مكانه احتل مكاناً آخر متطابق الأبعاد. والزمان أيضاً من الأحوال البسيطة لأنه يقاس بوحدات بسيطة هي الثوانى والدقائق والساعات، وامتداد الزمان هو تكرار وحداته البسيطة وإضافتها إلى بعضها. وكذلك العدد، فإذا فكرنا في العدد عشرة أو في عشر كرات وجدنا أن العدد عشرة هو تكرار للعدد واحد عشر مرات، والعشر كرات هو مجموع وحدات متماثلة هي الكرة الواحدة لعشر مرات( 35). فالأحوال تكون بسيطة لأنها تعتمد على تكرار وحدات مماثلة، سواء كانت وحدات مكانية أو زمانية أو رقمية. ويضيف لوك إلى الأحوال البسيطة مفهوم اللامتناهى infinity، فالمكان يمكن تصوره على أنه لا متناهى لأنه من الممكن أن نضيف وحدات مكانية أخرى إلى المكان القائم إلى مالانهاية، وكذلك الزمان والعدد، فكل عدد يمكن تصور عدد أكبر منه بإضافة عدد آخر إليه. وكما أن هناك لا تناهى في الحجم والعدد والزمن فهناك أيضاً لا متناهى في الصغر، فكل مكان يمكن تقسيمه إلى وحدات مكانية أصغر إلى مالانهاية. مفهوم اللاتناهى إذن يعتمد على إمكانية الإضافة اللامتناهية أو التقسيم اللامتناهى لمكان أو زمان أو عدد قائم. وكما أن الأحوال البسيطة تعتمد على إضافة الوحدات المتماثلة إلى بعضها فهى أيضاً تعتمد على إدراك التنويعات التي تحدث لفكرة بسيطة واحدة، وذلك مثل التفكير الذي يعد حالاً بسيطاً لأنه يعتمد على فكرة واحدة وهي الفهم، لكنه يتنوع إلى عدد كبير من عمليات التفكير مثل الجمع والمقارنة والفصل والاستدلال والحكم. ويضم لوك عدداً من إحساسات الشعور إلى الأحوال البسيطة مثل اللذة التي تعتمد على فكرة الحلاوة أو الارتياح، والألم الذي يعتمد على فكرة المرارة أو عدم الارتياح. كما يضم لوك فكرة القوة power إلى الأحوال البسيطة، لأنها تعتمد على ملاحظة قدرة جسم ما على التأثير على جسم آخر، وبذلك ندرك أن في الأجسام قوة على التأثير على بعضها أو على تغيير صفاتها أو على إحداث إحساسات مختلفة فينا، والذي يجعل لوك ينظر إلى القوة على أنها حال بسيطة أنها تعتمد على إدراك واحد عن قوة في الشئ أو قدرته على إحداث أثر. وفى حين أن الأحوال البسيطة تعتمد على أفكار بسيطة ترد في النهاية إلى إدراكات حسية، فإن الأحوال المركبة تعتمد على تركيب عدد من الأفكار البسيطة مع بعضها البعض( 36). والأحوال البسيطة يمكن أن تشاهد دلالاتها الحسية في إدراك حسى، وهي تشير مباشرة إلى الأشياء المحسوسة، أما الأحوال المركبة فهى لا تشير إلى الأشياء مباشرة بل إلى أفكار أخرى بسيطة، وذلك مثل فكرة السعادة التي هي حال مركب، وهي حال مركب لأنها تركيب من عدد من الأفكار البسيطة مثل اللذة والغنى والارتياح والجمال. ومن الأحوال المركبة التي يذكرها لوك القناعة والشجاعة والجشع، ونلاحظ على الأمثلة التي يضربها لوك على الأحوال المركبة أنها كلها تنتمى إلى مجال الأخلاق والسلوك العملى، والحقيقة أن هذا الجمع بين الأفكار النظرية والأفكار الأخلاقية العملية، أى بين الإبستمولوجيا والأخلاق في سياق فلسفة تجريبية واحدة كان الطابع المميز لفلسفة لوك ولكل فلسفة تجريبية أتت بعده، وعلى رأسها فلسفات هيوم وجون ستيوارت ميل وجورج إدوارد مور، وأصبح هذا الجمع هو ما يميز الفلسفات الإنجليزية ذات الطابع التجريبى. لكن نلاحظ أيضاً أن نظرية لوك حول الأحوال المركبة بها شئ من الغموض، ذلك لأنه يضمها إلى فئة الأفكار البسيطة بذهابه إلى أن الحال المركب هو جمع بين عدد من الأفكار البسيطة، لكن الحال المركب هو في حد ذاته فكرة مركبة، وكان يجب على لوك أن يضمه إلى فئة الأفكار المركبة ولكنه لم يفعل ذلك نظراً لذهابه إلى أن الحال المركب مكون من أفكار بسيطة مجمعة مع بعضها( 37). كما يأتى مصدر الغموض في مفهوم لوك عن الأحوال المركبة أنها هي المفهوم الوحيد في فلسفته الذي يجمع بين النظرى والعملى، ذلك لأن الأحوال المركبة لديه تحوى معظم القيم الأخلاقية ومعايير السلوك العملى، وفي نفس الوقت تحوى جانباً نظرياً متمثلاً في كل التنويعات التي يجريها العقل على مفاهيم الزمان والمكان؛ كما أننا إذا دققنا النظر في حديث لوك اللاحق حول الجوهر والعلاقات سنجد أن كل الجواهر والعلاقات لديه تنضم إلى فئة الأحوال المركبة، بما أن الجوهر لديه مجرد فكرة ذهنية عن الصفات والأحوال وعن قوة تأثير الشئ في غيره، فالجوهر بذلك حال مركب بما أنه لا يشير مباشرة إلى الإدراكات الحسية بل هي أفكار بسيطة عن الأشياء. كل هذا سبب غموضاً حول نظريته في الأحوال المركبة، لأنه لم يفصل بدقة بين الحال المركب على المستوى الإبستمولوجى والحال المركب على المستوى الأخلاقى العملى، وبما أنه لم يدرك أن الأحوال المركبة تنسحب على الجواهر والعلاقات. 5 - الجواهـــر : يذهب لوك إلى أن فكرة الجوهر فكرة مركبة، ذلك لأنها تتركب من أفكار بسيطة. وهي عنده مجرد افتراض وليس لها وجود حقيقى من ذاتها، ذلك لأننا لا ندرك إلا الأحوال والصفات والكيفيات، وعندما نلاحظ أن عدداً من الصفات متلازم في الشئ الذي ندركه ولا يمكن أن ينفصل عنه، نفترض أن هذه الصفات يجب أن يكون لها حامل تحمل عليه، أو قوام تقوم به( 38). فقطعة الثلج مثلاً تتصف بالصلابة والبياض والبرودة، هذه الصفات ملازمة لقطعة الثلج، ونفترض بذلك أن هذه الصفات يقف تحتها حامل تحمل عليه وهو جوهر الثلج، لكننا في الحقيقة لا ندرك شيئاً يسمى جوهر الثلج، أو الثلجية، وكل ما ندركه مباشرة هو صفات قطعة الثلج. ويذهب التأمل الفلسفى خطوة أبعد قائلاً أن هذه الصفات هي التي تجعل قطعة الثلج ثلجاً لا أى شئ آخر، بحيث تكف هذه القطعة عن أن تكون ثلجاً إذا افتقدت لصفة من الصفات الثلاثة، وبالتالى يظهر الافتراض بأن قطعة الثلج جوهر تتجمع فيه صفات البياض والصلابة والبرودة. والحقيقة أننا بذلك لم نتوصل إلى جوهر الثلج بل إلى مجرد صفاته وإلى كون هذه الصفات ملازمة للشئ المسمى ثلجاً( 39). فكلما أردنا تعريف الجوهر وجدنا أنفسنا نعرِّف صفاته وحسب ولا نتوصل إلى حقيقة جوهر الثلج. وبذلك رد لوك الجوهر إلى صفاته المدركة المحسوسة وقطع بأن الثلج لا يوجد إلا على أنه مجموعة صفات وحسب ولا يوجد كجوهر خاضع لإدراك خاص. كما يذهب لوك إلى أن فكرة الجوهر تأتى للذهن من كثرة ربطه بين عدد من الصفات بشئ ما، فالجوهر ما هو إلا عادة فكرية. هذا بالإضافة إلى أن الذهن يعتاد على تسمية صفات معينة باسم كلى يجمع بينها، فالبياض والصلابة والبرودة هي الإحساسات التي يستقبلها الذهن، ثم يطلق عليها اسماً واحداً هو الثلج، ثم يعتقد أن هذا الاسم الواحد هو الجوهر، والحقيقة أنه ليس كذلك، لأن ما يسمى بالجوهر لا يستقبله الإدراك الحسى بل هو مجرد اسم. وبذلك رد لوك الجوهر إلى عادة لغوية تجعل الذهن يعتقد أن ما أطلق عليه أسماء كلية هو الجوهر لكنه ليس كذلك، ومن هنا فإن الجوهر عند لوك ليس سوى اسم، ولذلك سُمى مذهب لوك في الجوهر بالمذهب الاسمى Nominalism، ذلك المذهب الذي لا يعتقد في وجود جواهر حقيقية بل يعتبرها مجرد أسماء أطلقها الذهن على الأشياء، فالجوهر عنده مجرد ظاهرة لغوية. والجوهر عند لوك هو مجرد افتراض نصنعه كلما أردنا البحث عن قوام للصفات( 40)، فالعقل لا يتصور أن تقوم الصفات أو الأحوال أو الأعراض بذاتها، ويجد أنه لزام عليه أن يفترض وجود شئ ثابت يحمل هذه الصفات والأعراض. وبذلك يعتقد العقل أن كل العمليات البيولوجية التي تحدث للإنسان قوامها الجسد، الذي يعد بالنسبة لها الجوهر. كما أن العمليات الذهنية مثل التفكير والاستدلال والخوف والسعادة تحمل على شئ مفترض هو الروح، التي يُعتقد أنها هي الجوهر الذي تقوم فيه هذه العمليات. ويرفض لوك أن يكون الجسد أو الروح جوهراً، ذلك لأن كل ما ندركه عمليات بيولوجية أو ذهنية، وليس لدينا أدنى دليل على ارتباط العمليات البيولوجية بوحدة واحدة مقومة لها وجامعة وهي فكرة الجسد، كما أنه ليس لدينا أدنى دليل على ارتباط العمليات الذهنية بشئ يسمى الروح، لأن الروح لا تخضع للخبرة التجريبية ولا تتلقى منها إدراكات حسية أو بيانات أو انطباعات، كل ما ندركه عمليات ذهنية تفترض أن هناك روحاً تقف وراءها وتجمعها معاً( 41). والحقيقة أن رفض لوك لفكرة الجوهر يتبعه ضرورة القول بأن العمليات البيولوجية والعمليات الذهنية يمكن أن تقوم بذاتها وفي غنى عن جوهر تقوم به، سواء كان الجسد أو الروح، بحيث تشكل هذه العمليات نسقاً متكاملاً ينظم نفسه بنفسه ويسير ذاته من ذاته دون حاجة إلى جوهر ينظمه أو يوجده. لكن لم يقدم لنا لوك تلك النتيجة الضرورية المترتبة على تحليلاته ورفضه لفكرة الجوهر، بل ترك الأمر على ما هو عليه، ويعد هذا نقصاً كبيراً في فلسفته، فأنت لا تستطيع أن تنكر فكرة الجوهر دون أن تسلم بأن العمليات البيولوجية والذهنية قائمة بذاتها ومنظمة لذاتها، لكن لم يذهب لوك في فلسفته إلى هذا الحد وتوقف عند حدود إنكار فكرة الجوهر وحسب. ويذهب لوك إلى أن هناك ثلاثة أنواع من الأفكار تشكل لدينا فكرة الجوهر، وهي الصفات الأولوية مثل الشكل والامتداد والصلابة والقابلية على عدم الاختراق، والصفات الثانوية وهي اللون والطعم والرائحة والملمس، وأخيراً قابلية الشئ على تغيير صفاته الأولوية أو الثانوية مع بقائه ثابتاً وموجوداً( 42). والحقيقة أن الأنواع الثلاثة من الأفكار هذه ليست أنواع لأفكار، ذلك لأن لوك قد أخطأ عندما نظر إليها جميعاً على أنها أفكار بل هي مبادئ للتوحيد. فالصفات الأولية التي نتوصل بها إلى فكرة الجوهر المادى ما هي إلا مبادئ يوحد بها العقل الصفات للتوصل إلى فكرة الجوهر، وكذلك الصفات الثانوية هي مجرد مبدأ لتوحيد ما يطرأ على الشئ من أعراض مع بقاءه ثابتاً وسط تغير أعراضه. ثم يأتى لوك بفكرة جديدة حول الجوهر، إذ يذهب إلى أن الجوهر سواء كان مادياً أو روحياً من طبيعة واحدة، فالجوهر المادى هو جماع الصفات الحسية والخصائص والصفات الأولية والثانوية، والجوهر الروحى أيضاً هو جماع الأحوال النفسية والعمليات الذهنية( 43). صحيح أن الجوهر المادى والجوهر الروحى مختلفان في طبيعتهما ومضمونهما، إلا أن الذهن يتوصل إليهما عن طريق نفس العملية الذهنية التي تلحق أحوالاً، مادية أو نفسية، بشئ ثابت يشكل لها الدعامة والقوام. وليس معنى هذا أن لوك يعتقد في وجود الجوهر بل هو يحلل مجرد أفكارنا عنه. والحقيقة أن توحيد لوك للجوهر المادى والروحى على أساس العمليات الذهنية التي تنتج كل منهما شبيه بنظرية سبينوزا في الجوهر، والذي ذهب إلى أن هناك جوهر واحد في الكون ذو طبيعة مزدوجة، مادية وروحية في نفس الوقت، وإلى أن الجوهر إذا نظرنا إليه من ناحية صفاته المادية ظهر على أنه جوهر مادى، وإذا نظرنا إليه من ناحية صفاته الفكرية ظهر أنه جوهر فكرى أو روحى، وإلى أن الجوهر الواحد يحمل صفات الفكر والامتداد في نفس الوقت. كل الفرق بين لوك وسبينوزا أن لوك يعتبر الجوهر واحداً من منطلق وحدة العمليات الذهنية التي تنتجه، في حين أن سبينوزا يعتبر الجوهر واحداً من حيث المضمون والوضع الأنطولوجى. كما أن لوك ينتهى إلى اعتبار الجوهر مجرد فكرة عقلية ناجمة عن عمليات ذهنية في حين يعتبره سبينوزا حقيقياً وليس مجرد نتاج للذهن. لكن وراء كل هذه الاختلافات نكتشف أن لوك وسبينوزا قد وحدا بين الجوهر المادى والجوهر الفكرى أو الروحى، الأول عن طريق وحدة العمليات الذهنية التي تنتج الجوهر المادى والجوهر الروحى معاً، والثانى عن طريق توحيد صفات الامتداد والفكر في جوهر واحد. والاختلاف الأساسى بينهما أن لوك يعتبر الجوهر مجرد فكرة أو ظاهرة إبستمولوجية في العقل البشرى، في حين يعتبره لوك وجوداً أنطولوجياً وليس مجرد نتاج للتفكير.

المصدر: wikipedia.org