اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
العصيان المدني هو أحد الطرق التي ثار بها الناس على القوانين غير العادلة، وقد استخدم في حركات مقاومة سلمية عديدة موثقة؛ في الهند (مثل حملات غاندي من أجل العدالة الاجتماعية وحملاته من أجل استقلال الهند عن الإمبراطورية البريطانية)، وفي جنوب أفريقيا في مقاومة الفصل العنصري، وفي حركة الحقوق المدنية الأمريكية. وبالرغم من اشتراك العصيان المدني مع الإضراب (و خصوصا الإضراب العام) في كونهما وسيلتان تستخدمهما الجماهير للمطالبة برفع ظلم أصابها، إلا أن الإضراب متعلق بحقوق العمال في مواجهة صاحب العمل (والذي يمكن أن يكون هو الحكومة).
تمثلت إحدى أكبر تطبيقات العصيان المدني وأوسعها نطاقا في لجوء المصريين إليه ضد الاحتلال البريطاني في ثورة 1919 السلمية.
العصيان المدني هو رفض الخضوع لقانون أو لائحة أو تنظيم أو سلطة تعد في عين من ينتقدونها ظالمة. وينسب هذا المصطلح للأمريكي هنري دافيد ثورو كان قد استخدمه في بحث له نشر عام 1849، في أعقاب رفضه دفع ضريبة مخصصة لتمويل الحرب ضد المكسيك، بعنوان "مقاومة الحكومة المدنية". وفي أوروبا، حتى وإن كان اللجوء إلى مفهوم العصيان المدني قد تأخر صياغته، فان فكرة مقاومة قانون جائر أو غير عادل كانت موجودة قبل القرن التاسع عشر. أما اليوم فقد اتسع هذا المفهوم ليشمل العديد من الأشخاص الذين يمارسون أفعالا تسعى للإحلال إعلاميا محل " الحركات المناهضة للدعاية". ولا يرى البعض في هذه الأفعال إلا نوعا من الإضرار بالممتلكات. أما البعض الآخر فيجدونها أفعالا مفيدة تهدف إلى تغيير سياسة السلطات.
لا يوجد إجماع حول تعريف العصيان المدني. وقد كان لكل من جون راولز وج. هابرمس تعريف خاص به. فوفقا لما ذكره راولز: يمكن تعريف العصيان المدني على أنه عمل عام، سلمي، يتم بوعي كامل، ولكنه عمل سياسي، يتعارض مع القانون ويطبق في أغلب الأحوال لإحداث تغيير في القانون أو في سياسة الحكومة. وباتخاذ هذا المسلك، يخاطب العصيان حس العدالة لدى غالبية المجتمع ويصرح، وفقا لرأي وتفكير ناضج، بأن مبادئ التعاون الاجتماعي بين أفراد يتمتعون بالحرية والمساواة في الحقوق لا يتم حاليا احترامها. أما بالنسبة لهابرماس: فينطوي العصيان المدني على أعمال غير قانونية، ونظرا لطابعها الجماعي، فهي توصف بأنها عمل عام ورمزي في آن واحد وتتضمن كذلك على مجموعة من المبادئ. إنها أعمال تشتمل في المقام الأول على وسائل للاحتجاج غير عنيفة تنادي بالقدرة على التعقل وتخاطب حس العدالة لدى الشعب". ويتسم فعل العصيان المدني بست خصائص:
إن فعل العصيان المدني هو خرق واع ومتعمد للقانون. كما أنه انتهاك لقاعدة قانونية وضعية. فإذا كان الانتهاك يقوم على القاعدة محل الخلاف مباشرة، فنحن بصدد الحديث عن عصيان مباشر. وهذا هو الحال، على سبيل المثال، بالنسبة لحملة العصيان المدني التي أطلقها مارتن لوثر كينغ والتي كانت تهدف إلى شغل السود للأماكن المخصصة بمقتضى للقانون للبيض. بيد أن القاعدة التي يتم خرقها ربما لا تكون هي تلك محل الخلاف، وحينئذ يكون الحديث عن عصيان مدني غير مباشر، وهو الحال- على سبيل المثال- بالنسبة للاعتصامات التي لا تهدف إلى الاحتجاج على قانون المرور. وعلى الرغم من عدم إمكانية إدراك وجود خرق مسبق (فالقاضي وحده هو الذي يحدد وجود خرق من عدمه)، فإن أي فعل يعد عصيانا مدنيا، عندما يخاطر القائمون عليه بعمل يكون، في نظر الرأي العام ورأي السلطات، خرقا عاما للقانون. وعند التعرض لهذه القضية، يجدر التذكير بالتجربة التي قام بها ستانلي ميلجرام. والتي تمثلت في قياس نسبة الأفراد القادرين على إطلاق مثل هذا العمل الخاص بالعصيان على الرغم من وجود ضغوط اجتماعية وإدارية.
يترجم فعل العصيان بسلوك شعبي وهو ما يميزه عن العصيان الإجرامي حيث يزدهر الأخير في الخفاء (وأحيانا تكون له مطالب).
وتهدف الدعاية في حالة العصيان المدني إلى استبعاد كل شكوك حول " أخلاقيات الفعل "فضلا عن إضفاء قيمة رمزية عليه وإلى استقطاب أكبر عدد ممكن من الجمهور حتى يكون له الصدى الأكبر في تغيير " شعور" أو قناعة" لدى الرأي العام. لذا، يهدف فعل العصيان إلى القيام بأكبر ترويج إعلامي ممكن وربما يتبع إستراتيجية استفزازية ودعاية سياسية.
وقد يذهب بعض المشاركين إلى أبعد من ذلك. فباعتبارهم ملتزمين بنهج غاندي، فهم يجدون في الدعاية مطلبا ضروريا لإبلاغ السلطات المعنية مسبقا بحركات العصيان المدني المستقبلية.
يندرج فعل العصيان تحت مبدأ الحركة الجماعية. فهو الفعل الصادر عن مجموعة يعرفون أنفسهم بالأقلية الفاعلة، ويترجم بتضافر جهود هؤلاء. لذا تشير "هنا ارندت" إلى أن "العصيان المدني، بعيدا عن انطلاقه من فلسفة ذاتية لبعض الأفراد غريبي الأطوار، إلا أنه ينتج عن تعاون مقصود بين أعضاء مجموعة تستمد قوتها على وجه التحديد من قدرتها على العمل المشترك." وهكذا يكون العصيان المدني بطبيعته عمل جماعي. ومع ذلك، لا مانع من أن تؤدي صحوة أخلاقية لدى فرد إلى تعبئة تيار أكثر اتساعا ربما يمكن وصفه بالعصيان المدني.
يلجأ الممارس للعصيان إلى وسائل سلمية، فالعصيان المدني يهدف إلى الدعوة إلى إطلاق حوارات عامة. ولبلوغ هذا الهدف، فهو يخاطب " الضمير الغافل للأغلبية" أكثر مما يدعو إلى أعمال عنف. وهذه إحدى السمات التي تميزه عن الثورة التي من الممكن أن تدعو إلى استخدام القوة لبلوغ غاياتها. ومن ناحية أخرى، فإن فكرة معارضة قانون ما اللصيقة بالعصيان المدني تتم بالالتزام بقانون أسمى، مما يعد نوعا من المفارقة، لذا فلا وجود للعنف في فكر العصيان المدني. فوفقا لماكس وابر: هذا العنف هو منوط بالأحرى بالدولة، التي تمتلك وحدها سلطة " العنف الشرعي". وقد يكون هذا العنف بدنيا و"رمزيا" في آن واحد أي نفسي بل غالبا اقتصادي.
يسعى العصيان المدنى - وفقا لمؤسسي فكرته - إلى إدراك غايات مستحدثة. كما يهدف إلى "إلغاء" أو على الأقل تعديل القاعدة محل النزاع.
ينادي القائمون على العصيان المدنى "بمبادئ عليا" تتفوق على الفعل موضع النزاع. وهو دون شك أهم ما يميز العصيان المدنى، إذ أن هذه السمة هي ما تضفى عليه "نوعا من الشرعية". وربما كانت هذه المبادئ العليا مبادئ دينية، لذا كان دائما بعض رجال الدين يشاركون أو يتزعمون حركات للعصيان المدنى. ففى الولايات المتحدة على سبيل المثال، نجد الأخوين بريجان وهما قسيسان الذين تم القبض عليهما عشرات المرات لاشتراكهما في أعمال للعصيان المدنى أثناءاحتجاجات مناهضة للحرب. وقد تكون هذه المبادئ العليا المشار إليها مبادئ "دستورية" أو "فوق دستورية"، ولذلك كانت مرجعية بعض الكتاب والسينمائيين الفرنسيين هي الحريات العامة واحترام الإنسان في أعمالهم التي كانت تنادى بالعصيان المدنى عام 1997 ضد مشروع قانون جون لويس ديبرى والذي كان يفرض على أي إنسان يستضيف أجنبيا في زيارة خاصة لفرنسا إخطار عمدة المدينة بموعد مغادرته. ومن خلال توجيه هذا النداء، يكشف القائمون على العصيان من منظورهم عن وجود إمكانية إرغام الحكام على الاستماع إليهم. وهو ما حدث بالفعل ضد مشروع قانون ديبرى، فبعد الجدل الذي أثير وأمام تعبئة الرأى العام لم تجد الحكومة حينها خيارا آخرا سوى التخلى عن المشروع. إذن، فبخلاف كونه عاملا يضعف المؤسسات، فإن العصيان المدنى - وفقا لمؤسسي فكرته - ربما يؤدى على النقيض إلى تعزيزها عن طريق الحث على فهم أوضح لثوابتها التأسيسية والعمل على حث الرأى العام على المشاركة بشكل متزايد في عملية وضع المعاير.
لا تكتسب مبررات العصيان المدنى أهمية متزايدة عند إدراجه في بعده الأخلاقى فحسب، على الرغم من قبوله بصفة عامة، بل أيضا بوضعه في الإطار القانوني. إلا أن هذا ما يشكل قضية كانت محلا لجدل واسع المدى.
فهل هناك حق في العصيان المدنى؟
إن العصيان المدنى قد يعتبر ضمانا للحريات العامة لا يخضع للسلطة القضائية، ضمانا يمارسه المواطنون أنفسهم. وهو غير معترف به قانونيا بشكل صريح داخل تصنيف المعايير الفرنسية. إلا أن المادة الثانية من إعلان حقوق الإنسان والمواطن تنص على:
وقد ذهب دستور مونتنرد (الجبل) لعام 1793 إلى أبعد من ذلك حيث وضع في مواده رقم 33 و34 و35 حقا فعليا في الثورة. فالمادة 35 تنص أنه: «عندما تنتهك الحكومة حقوق الشعب، تصبح الثورة بالنسبة للشعب بكل شرائحه أكثر الحقوق قدسية وأكثر الواجبات حتمية». وعلى الرغم من القصر الشديد لديباجة دستور 1958، إلا أنها تشير إلى نصين أساسيين في تاريخ القانون الفرنسي: إعلان حقوق الإنسان والمواطن لعام 1789 وديباجة دستور 1946. وقد ظلت قيمة إعلان حقوق الإنسان والمواطن لعام 1789 محل النقاش لمدة طويلة، فهل هو مجرد إعلان للنوايا أم معيار لقانون وضعي؟. وتعارض الرأيان حول القيمة القانونية لهذه الديباجة ومرجعية نصوصها. فأحد الرأيين كان يعضض فكرة أن قيمة الديباجة لا يمكن أن تكون سوى قيمة "أخلاقية وفلسفية" (أي دليل اختيارى للدولة)، بينما كان يدافع الرأى الآخر عن طابعها المعيارى والقانوني (أي أنه نصا ملزما ذا قيمة دستورية).
وقد حسم المجلس الدستورى الفرنسى المسألة في قراره الصادر في 16 يوليو 1971 والمتعلق بحرية التجمع: إذ يعتبر هذا الإعلان نصا معياريا ذا قيمة عليا. ومن ثم فإن مرجعية المجلس الدستورى في قراره الصادر في 27 ديسمبر 1974 والمتعلق بقانون المالية لعام 1974، كانت ولأول مرة هي اعلان حقوق الإنسان والمواطن لعام 1789. ثم أقر المجلس بشكل غير مباشر بالقيمة الدستورية لمقاومة القمع وذلك من خلال القرار الصادر16 يناير 1982 بشأن قانون التأميم: في الواقع أكد المجلس مجددا على القيمة الدستورية لحق الملكية مشيرا إلى أن إعلان 1789 «قد وضعه في المرتبة نفسها للحق في الحرية والأمن ومقاومة القمع».
وهنا يجب أن نتساءل: عن العلاقة بين مقاومة القمع والعصيان المدني. فمقاومة القمع قد تكون لها غايات بعيدة المدى والنص المذكور يعتبرها حقا بل وأيضا» أكثر الواجبات تقديسا «مما يعنى أنها لا تعد وسيلة للعمل فحسب بل هدفا في حد ذاته وأن من يدعو إليها يجب عليه العمل بها "فورا وبقوة شديدة". وهذا يتخطى فكرة العصيان المدني الذي يظل وسيلة للعمل ضمن وسائل أخرى مثل التظاهر وإقامة محاكمات صورية والنضال المسلح، إلخ.
إلا أن التأكيد على هذا الحق يظل إلى حد ما نظريا ولا يستخدم من قبل القضاة أثناء محاكمة أي شخص ارتكب فعل عصيان. وهناك قاعدة أخرى في القانون الفرنسى (مادة 433-6 من القانون الجنائي)، والتي تحمل تفسيرا مخالفا، فتمنح نوعا من الحماية للأشخاص الذين يتمردون ضد الموظفين الحكوميين الذين يقومون بأفعال دون وجه حق (على سبيل المثال، في حالة القيام باعتقالات أو تفتيش دون تصريح مسبق من قبل قاضى الحريات). ومن ناحية أخرى، عندما يتلقى الموظف أمرا غير قانونى بشكل واضح، يكون له حق الاعتراض على هذا الأمر ورفضه بالعصيان وهو المنصوص عليه في (مادة 122-4 من القانون الجنائي).
وبالتالى، تقع مقاومة الظلم بين التأكيد على الحق النظري في المقاومة والاعتراف ضيق الحدود بالحق في العصيان. إذن فمسألة قانونية العصيان المدنى ليست مؤكدة بشكل واضح. فالعصيان هو فعل غير شرعى من حيث المبدأ، ولكن هذا لا يمنع وجود بعض مظاهر "التسامح الإدارى أو الرأفة القضائية ". (يمتلك القاضى العديد من الوسائل القانونية لتبرأة المتهم أو لتخفيف العقوبة: في حالة الضرورة أو شرعية الدفاع عن النفس أو خطأ في الإجراءات القانونية، أو لظروف تستدعي تخفيف العقوبة، أو للتفسير المحدود لسيادة القانون).
وتأتى مشكلة قانونية العصيان المدنى من أنه على الرغم من خرقه المتعمد لسيادة القانون، إلا أن ذلك يحدث بشكل متناقض من خلال الولاء لباقى أحكام القانون (بما في ذلك، على سبيل المثال، الولاء للعقوبة المنصوص عليها في القانون محل النزاع)، إلى جانب الالتزام "بالقوانين العليا ". وبالتالي يمكن تحليل العصيان المدنى على أنه " جنحة سياسية "، وحينئذ سوف يستفيد من يقوم بالعصيان المدنى من نظام الحماية الذي يمكن وضعه لمثل هذا النوع من الجنح.
كتب "د. كوينراد ألست" في خاتمة "رسائل المهاتما غاندى لأدولف هتلر" قائلا: " إن نجاح هذا الأمر ليس مؤكدا ولكن فلسفة غاندى ليست دائما مرادفا للفاعلية. فقد نجحت سياسة غاندي في أن تثنى بريطانيا عن التمسك بالهند، ولكنها لم تنجح في ردع الرابطة الإسلامية عن فكرة تقسيم الهند. ومن هذه الزاوية، فإننا نطرح سؤلا قد لا تكون له إجابة وتجربة جديدة لم تكن محل اختبار، وهي هل كانت سياسة غاندى ستنجح في منع اندلاع الحرب العالمية الثانية؟ وعلى العكس من ذلك، لا يوجد خلاف على أن هذا الأسلوب في الردع السلمي كان متأثرا بفلسفة غاندي. فما كان المهاتما غاندى ليصبح مهاتما ولو أنه فضل اللجوء لأسلوب آخر. وينبغى أن يكون الحكم المتعلق على رسائل غاندي لهتلر هو ذاته حكمنا على مذهب غاندى نفسه: فإما أن الاثنين يمثلان بديلا أخلاقيا أكثر سموا من الأساليب المعتادة لسياسة القوة وإما أن يكون كلاهما مغلوطا وغريبا.
النقاط التي يرتكز عليها نقد العصيان المدنى: