اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
المسيحية في العراق هيَ ثاني أكبر الديانات فيها من حيث عدد الأتباع بعد الإسلام، تليهما ديانات أخرى مثل الصابئية والشبكية واليزيدية والكاكائية والبهائية والشيخية والزرادشتية، وتعد المسيحية ديانة مُعترَف بها حسب الدستور العراقي؛ حيث أنه يعترف بأربعة عشر طائفة مسيحية في العراق مسموح التعبد بها. يتوزع أبناؤها على عدة طوائف ويتحدث نسبة منهم اللغة العربية لغةً أمًّا، وغالبيتهم من العرب الأقحاح، في حين أن نسبةً منهم تتحدث اللغة السريانية بلهجاتها العديدة واللغة الأرمنية. يُعتبر مسيحيو العراق من أقدم المجتمعات المسيحية المستمرة في العالم، والغالبية العظمى منهم هم من الآشوريين الأصليين الناطقين باللغات الآرامية الشرقية. هناك أيضاً مجموعة صغيرة من الأرمن والتركمان والأكراد والعرب المسيحيين. ويعيش المسيحيون في المقام الأول في بغداد والموصل والبصرة وأربيل ودهوك وزاخو وكركوك وفي البلدات والمناطق الآشورية مثل سهل نينوى في الشمال.
احتفظت المسيحية في العراق وعلى خلاف سائر الدول العربية بطابعها الأصلي، فظلت مسيحية سريانية ولم تتعرب بنسب كبيرة كما حصل في بلاد الشام ومصر، وإن كان معظم أتباع هذه الكنائس يجيدون العربية حاليًا كلغة تخاطب يومي سيّما في المدن الكبرى. أكبر كنيسة في العراق هي الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية ومقرها ببغداد تليها كنيسة المشرق الآشورية التي نقل مركزها من الموصل إلى شيكاغو بعد مجزرة سميل عام 1933 بالإضافة إلى تواجد للكنيسة السريانية الأرثوذكسية والسريانية الكاثوليكية. هناك أقليات أخرى تتبع من الروم الملكيين والأرمن والبروتستانت في العراق. يعيش أغلب مسيحيي العراق خارج البلاد ولا توجد أرقام دقيقة عن نسبة المسيحيين العرب غير أنه باستثناء المسيحيون المنتمين للكنائس السريانية والأرمنية فإنه لا يتبقى سوى عدة آلاف ممن قد يصنفون كمسيحيين عرب. اتخذت الأنظمة الحاكمة في العراق سياسة تعريب بلغت ذروتها في السبعينيات من القرن العشرين عندما تم تصنيف جميع المسيحيين على أنهم عرب.
بالنسبة للوضع السياسي، لدى المسيحيين قانون أحوال شخصية خاص بهم، وتعتبر السريانية لغة رسمية في المناطق التي يشكلون فيها أغلبية في شمال العراق. يوجد عدد من الأحزاب السياسية المسيحية، ويمثل المسيحيين العراقيين في البرلمان العراقي كل من الحركة الديمقراطية الآشورية بثلاثة مقاعد والمجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري بمقعدين.
تاريخيًا أدّى مسيحيو العراق خاصًة السريان من يعاقبة ونساطرة دورًا مهمًّا في الترجمة والعلوم والطب خلال فترة الدولة العباسية، لقد ترجم المسيحيون من اليونانية والسريانية والفارسية، واستفادوا من المدارس التي ازدهرت فيها العلوم قبل قيام الدولة العربية خصوصاً مدارس مدن الرها ونصيبين وجنديسابور وأنطاكية والإسكندرية المسيحية والتي خرجت هناك فلاسفة وأطبّاء وعلماء ومشرّعين ومؤرّخين وفلكيّين وحوت مستشفى، ومختبرًا، دارًا للترجمة، ومكتبة ومرصدًا.
تعود هجرة مسيحيي العراق إلى بداية القرن العشرين بسبب مجزرة سميل في شمال العراق التي دعت عشرات الآلاف للنزوح لسوريا، وبعد استقرار خلال منتصف القرن العشرين عادت ظاهرة الهجرة متأثرة بعوامل اقتصادية واجتماعية خصوصًا بعد حصار العراق وحرب الخليج الثانية، إلا أن وتيرتها تسارعت بشكل كبير في أعقاب غزو العراق عام 2003 وما رافقه من انتشار لمنظمات متطرفة شيعية وسنيّة. وبحسب تقارير انخفض عدد الطوائف المسيحية في العراق إلى النصف في السنوات الأخيرة بسبب الهجرة، حيث قُدِر عددهم بحوالي مليون نسمة في عام 2013 لكن انخفضت هذه النسبة بسبب الهجرة، حيث تم استهداف الكنائس والمجتمعات المسيحية والتي شملت أعمال اختطاف وتعذيب وتفجيرات وقتل في جميع أنحاء البلاد منذ سقوط صدام حسين في عام 2003.
ظهرت المسيحية في القرن الأول الميلادي حيث كان معظم سكان العراق يعتنقون المسيحية، وبعض منهم اليهودية والمجوسية والمانوية وعبادة الأوثان، وبعد دخول المسلمين للعراق تضاءلت أعداد المسيحيين بشكل كبير على مدى عدة قرون لأسباب عديدة منها فرض الجزية واعتناق الناس الإسلام. أقدم كنيسة في العراق موجودة آثارها في محافظة كربلاء قرب بلدة عين تمر وهي تعد من أقدم الكنائس في العالم. يضع التقليد المسيحي دخول المسيحية لبلاد ما بين النهرين إلى القرن الأول الثاني. ففي "أسطورة منديل الرها" بحسب رواية يوسيبيوس يرسل الملك أبجر الأسود مستشاره حنانيا في طلب يسوع بعد أن سمع بمعجزاته ويدعوه إلى المجيء إلى مملكة الرها، غير أن يسوع يعطيه صورته منقوشة على منديل ويعتذر عن المجيء ويعده بإرسال مار أدي أحد تلامذته الاثنان والسبعون والذي ينشر المسيحية بمملكته.
يعتبر توما أحد التلاميذ الاثنا عشر أول من بشر بالمسيحية في بلاد ما بين النهرين وفارس بحسب التقليد المسيحي. وبحسب التقليد السرياني، فقد قام مار ماري تلميذ مار أدي بنشر المسيحية في بلاد الرافدين وبالتحديد ببابل وكرخ سلوخ (كركوك) في القرن الأول. غير أن ابن العبري يذكر أن مار أدي هو المسؤول عن نشر المسيحية في كل فارس وآشور وأرمينيا وميديا وبابل وغيرها، كما يوافقه في الرأي مؤرخون سريان آخرون مثل ماري ابن سليمان ومخطوطات تاريخ كنيسة المشرق منذ القرن السابع. ومن الواضح هنا أن حدياب (أربيل حاليًا) لعبت دورًا مركزيًا في تاريخ المسيحية المبكر في الإمبراطورية الفارثية وذلك بسبب انتشار اليهودية سابقًا بها. ويظهر هنا اسم أول أسقف على المدينة "بقيذا" الذي سيم بحسب التقليد سنة 104 للميلاد.
بحسب تقليد كنيسة المشرق يرجع أصل جاثليقها الثالث والرابع إلى عائلة يوسف والد يسوع بالتبني، التي يفترض وصولها إلى قسطيفون من فلسطين. ويتطابق هذا مع رواية تاريخية تذكر قيام الإمبراطور الروماني دوميطيان بالبحث عن عائلة يسوع الناصري في فلسطين خلال حملة لاضطهاد المسيحيين وهو الأمر الذي دعا هؤلاء بحسب هذه الفردية إلى الهجرة إلى الإمبراطورية الساسانية أثناء الهجرة اليهودية في تلك الأثناء. ومن المعروف تاريخيًا أن المسيحية أصبحت بحلول القرن الثالث متوطدة في شمال ما بين النهرين وخاصة بمدينة الرها التي أصبحت في فترة مبكرة مركزًا ثقافيًا للمسيحية السريانية. وتظهر هيمنة الرها جليًا في اعتبار لهجتها الآرامية التي عرفت بالسريانية لغة ليتورجية لهذه الكنائس. ويبدو أن المسيحية انتشرت بسرعة شرقًا بعد أن قام أباطرة الساسانيين وخاصة شابور الأول بحملات على الإمبراطورية الرومانية كانت من نتائجها سبي عدد كبير من مسيحيي سوريا وقيليقية وكبدوكية، من ضمنهم بطريرك أنطاكيا الذي أصبح أول أسقف على "بيث لافط" (جنديسابور). ومن اللافت للنظر هنا أن هذا السبي أدى إلى حدوث ازدواجية في كنيسة فارس وذلك لتواجد كنيستين: سريانية ويونانية، وذلك حتى القرن الخامس. ويظهر ذلك في نقوش كاترير، الكاهن الأعظم للزرادشتية، والتي تذكر اضطهاد المسيحيين السريان (نصرايي) واليونان (كريستياني). ويعود تاريخ المسيحية في كردستان إلى العصور المبكرة، ففي عام 338 للميلاد تحوّل حاكم كردي عُرف باسم تيرداد إلى المسيحية. ووفقًا للتقليد الكنسي نجح مار سابا في تحويل بعض من "عبَّاد الشمس" (وهي إشارة على الإرجح إلى أتباع اليزيدية) من الأكراد إلى الديانة المسيحية في القرن الخامس.
في أوائل القرن السادس قبل الميلاد سقطت بابل وهي آخر عاصمة لدولة عراقية مستقلة. حينها سيطر الفُرس على بلاد النهرين وراحوا يتبنون بالتدريج الميراث الحضاري العراقي، وأبسط مثال تبنيهم ليوم نيروز الذي كان يومًا مقدسًا عراقيًّا باسم "حاجتو" (أي يوم الحج)، وهو اليوم الأول من السنة العراقية الجديدة التي تبدأ في أول أيام المنقلب الربيعي، وفيه يعود تموز إله الخصب الذكوري إلى الحياة ليخصب عشتار إلهة الخصب الأنوثي وتعود الخضرة والحياة إلى ربوع النهرين. منذ القرن السادس قبل الميلاد حتى القرن السابع الميلادي، أي خلال أكثر من ألف عام، استمر العراق تابعًا للدول الأجنبية، وأصبح ساحة للصراع بين القوتين الأساسيتين في المنطقة حينذاك: القوة الفارسية والقوة الأوربية الإغريقية ثم الرومانية ثم البيزنطية، ولكن الهيمنة الفارسية كانت هي الأقوى والأبقى. ولم تنته هذه الحالة إلا بالفتح العربي الإسلامي. يشبِّه البعض تلك الفترة الطويلة المضطربة بتلك الحقبة التي عاشها العراق بعد سقوط بغداد وتحوله إلى ساحة للصراع الإيراني العثماني، حتى الفتح الإنكليزي وقيام الدولة الوطنية.
خلال تلك القرون التي أعقبت سقوط بابل، خسر العراقيون الكثير من ميراثهم الحضاري مع فقدانهم لاستقلاليتهم السياسية. لكنهم تمكنوا من الحفاظ على خصوصيتهم الثقافية والدينية رغم كل الضغوطات الحضارية الفارسية والغربية؛ فقد بقوا متمسكين بلغتهم الآرامية (السريانية) التي هي امتداد للغتهم السابقة الأكدية (الآشورية البابلية)، كما حافظوا على خصوصيتهم الدينية، حيث بقوا على ديانة الخصب السومرية البابلية الآشورية حتى القرن الثاني الميلادي. بعدها تحولوا بغالبيتهم إلى المسيحية، بل إنهم أسسوا مذهبًا مسيحيًّا خاصًّا وهو (المذهب النسطوري). انتشرت الكنائس المسيحية في جميع أنحاء بلاد النهرين، وأصبحت مدينة المدائن مقر الكنيسة النسطورية العراقية الرسمية ومقر المرجع الأعلى (الجاثليق)، وأُطلِق عليها كنيسة بابل، لكن بعض المؤرخين المستشرقين يفضلون أن يطلقوا عليها "كنيسة فارس".
وقد عانى المسيحيون العراقيون من اضطهاد الدولة الساسانية بسبب إصرارهم على نشر المسيحية في بلاد فارس بحيث تمكنوا من نشرها حتى في داخل البلاط وعائلة الشاه. بل إن اللغة السريانية العراقية أصبحت اللغة الثقافية الأولى في الإمبراطورية، وانحصرت اللغة البهلوية في الجانب الإداري. لهذا بدأ كسرى الأول منذ عام 98 حملة اضطهاد واسعة تواصلت خلال قرنين لاحقين، حيث قام الملوك الفرس من أبناء كسرى وأحفاده وقوَّادهم بمواصلة حملات التنكيل والاضطهاد والقتل خلال قرون. وتعد الفترة الواقعة بين عامي 339 ـ 379 من أكثر عهود الاضطهاد لمسيحيي العراق، وقد سميت بفترة الاضطهاد الأربعيني؛ حيث دامت أربعين عامًا إبان عهد الملك سابور الثاني.
رغم الاضطهاد، ظهر الأدب اللاهوتي والفلسفي بين مسيحيي العراق، وقد بدأه طاطيان المولود في بلاد آشور في أوائل القرن الثاني للميلاد بعمله الدياطسرون، وهو ترجمة لمضمون الأناجيل الأربعة بالسريانية وما أضافه عليها ثم تلاه مليطون السرديني وبرديصان ومدرسته بنهاية القرن الثاني وبداية القرن الثالث، وقد برز من أشهر المؤرخين وكُتَّاب السريان في القرنين الثالث والرابع مار أفرام السرياني،الذي خلَّف مجموعة ضخمة من الأعمال الأدبية والدينية والفلسفية والتاريخية من شعر ونثر، وقد أرَّخ أحداث حصار نصيبين من قبل الفرس شعرًا بين عامي 350 - 370، كما أقام أكاديمية في نصيبين ثم هجرها إلى الرها بعد أن استولى عليها الفرس وأسس هناك أكاديمية أخرى، ويبلغ ما تركه مار أفرام ثلاثة ملايين سطر في مختلف نواحي الحياة.
وأثناء الانشقاقات المذهبية ترك السريان أدبًا في جميع المجالات وبالأخص خلال المجادلات الدينية التي جرت بين النساطرة واليعاقبة، وقد كان للمدارس التي أنشؤوها في كل من نصيبين والرها وجنديسابور وقنسرين، دور كبير في نبوغ الأدباء والعلماء الكبار مثل يعقوب النصيبيني وبار صوما ونرسي ويعقوب البرادعي، ومن العلماء سرجيس الرأس عيني وغيره، ومن كُتَّاب التاريخ يشوع العموني والمؤلف المجهول لكتاب تاريخ الرها ويوحنا الأفسسي وزكريا المدلل.
لقد تعودت وجهة النظر القومية اختصار تاريخ العراق منذ سقوط بابل حتى الفتح العربي الإسلامي، أي أكثر من ألف عام بتاريخ مدينة الحيرة ودولة المناذرة. ورغم أن الحيرة وسكانها لم تشكلا سوى جزء بسيط من سكان العراق آنذاك، إلا أن تلك الوجهة تقتضي أخذ مجتمع الحيرة نموذجًا مصغرًا من عموم المجتمع العراقي. وتقع الحيرة وسط العراق بالقرب من النجف، وقد كان لها دورها في توطيد المسيحية في غرب العراق ونشرها بين القبائل الرحل من عرب والآراميين، بل ونشر المسيحية والثقافة العراقية إلى الجزيرة العربية والحجاز على الأخص، مما ساعد على تقبل المسيحية العراقية. خالفت النسطورية للكنيسة البيزنطية والكنيسة السورية. انتشرت النسطورية عن طريق عدد من ملوك الحيرة وزوجاتهم وعوائلهم.
صارت الحيرة لمكانتها الدينية دارًا لرفات عدد من كبار الجثالقة في تاريخ الكنيسة الشرقية منذ القرن الخامس إلى ما بعد دخول العرب المسلمين إلى العراق بفترة طويلة، منهم: داد يشوع (456) وبابوي (484) وآقاق (496) وحزقيال (581) وإيشوعياب (595) وكوركيس (681) وإبراهيم (850). وأصبحت ملجأً للجاثليق الذي كان مركزه المدائن غالبًا، ففي الأزمات الطارئة بين المسيحية والملوك الساسانيين، يضطر إلى تركها، فحدث أن غادر إيشوعياب الأول الأرزني (582 - 595) إلى الحيرة، واجتمع بالملك النعمان بن المنذر، وكان المنذر قد تنصر حديثًا سنة 593، وصار يعد نفسه من حماة المذهب النسطوري، وأصبحت الحيرة، حاضرة ملكه، من معاقل هذا المذهب، وهناك وافت المنية الجاثليق، فتولت شؤون دفنه هند الصغرى أخت النعمان. ومن المفارقات أن أختي المنذر بن ماء السماء (512-554) وهما هند الصغرى ومريم كانتا مسيحيتين مع والدتهما، وقد تعاونن جميعهن في تأسيس دير شهير.
أهلت المسيحية، وهي خارج السلطة، الحيرة لتخليها عن شريعة سلفها اليهودية والأديان المحيطة بها، التي تُقِر قطع اليد ورجم النساء وقتل المرتد وأخذ الجزية والتدخل بشؤون الناس الخاصة، من تحريم وتحليل المشارب والأطعمة، في أن تكون دوحة للعلم والثقافة والعمران، يضاف إلى ذلك ما ورثته من حضارة بابل، لذا يعد العباديون أكثر أهل الحيرة ثقافةً آنذاك، حذق بعضهم الصناعات، ودرس بعضهم العلوم، وفاق بعض آخر في اللغات، فحذق العربية وتعلم الفارسية، وكانوا يتقنون في الغالب لغة إرم بحكم تنصرهم واعتداد النصارى بها لغةً مقدسة لأنها لغة الدين، لذلك كان لهم وجه ومقام في الحيرة، ولهذا السبب اختار الفرس تراجمهم، ومَنْ كان يتولى المراسلة بينهم وبين العرب من مسيحيي الحيرة). ومن الحيرة امتدت الصِلات بين قريش والعراقيين، فانعكس ذلك فيما بعد على ما بين الإسلام والمسيحية، عبر الصلات التجارية، فكان بالحيرة سراة نصارى اشتركوا مع سراة قريش في الأعمال التجارية، مثل كعب بن عدي التنوخي، وهو من سراة نصارى الحيرة، وكان أبوه أسقفًا على المدينة، وكان يتعاطى التجارة، وله شركة في التجارة في الجاهلية مع عمر بن الخطاب في تجارة البز، وكان عقيدًا لهم.
عندما فتحت الجيوش العربية الإسلامية العراق في القرن السابع، وجدت أمامها حوالي سبعة ملايين عراقي، لغتهم الثقافية والدينية هي السريانية، بمن فيهم الجماعات العربية في إمارة المناذرة في الحيرة. أما من الناحية الدينية فقد كانت غالبيتهم الساحقة تابعة للكنيسة النسطورية، وهنالك أقليات من أتباع الكنيسة اليعقوبية وكذلك اليهود والمندائية. لقد رحب المسيحيون في بلاد الرافدين بالفاتحين المسلمين، إذ كان للصراع الدائر بين الروم والفرس تأثير سلبي كبير على حياتهم المادية والدينية، وهذا ما أدى إلى كره السريان ويأسهم من كلتا الدولتين، فكانوا يطمحون إلى التخلص من هذا الاستبداد بأية وسيلة كانت، لذا عندما جاءت الجيوش العربية الإسلامية عام 637 إلى بلاد النهرين رحب بهم العراقيون أملًا في التخلص من واقع الظلم والاستبداد الذي ذاقوه من قبل الفرس والروم مئات السنين، وقد حصلوا فعلًا على عهود بالأمان من قادة جيوش المسلمين ومن بعض الخلفاء. وعمل البطريرك النسطوري طيموثاوس الأول على تهيئة المرسلين إلى آسيا وذلك بتدريسهم كل من الفلسفة واللاهوت بالإضافة إلى ثقافات ولغات الشعوب الأخرى. وقام بعض الرهبان النساطرة بالسفر إلى أواسط آسيا والصين لنشر المسيحية فيها بسبب القيود التي فرضت على نشر المسيحية بين المسلمين في المشرق، ووصلت أوج قوة كنيسة المشرق والتي كان مقرها في بغداد بين القرنين السادس والرابع عشر حيث كانت حينئذ أكبر كنيسة انتشارًا جغرافيًا ممتدة من مصر إلى البحر الأصفر شرقا كما شملت بالإضافة إلى السريان المشارقة الذين احتفظوا بالبطريركية تقليديًا الملايين من الفرس والترك والمغول والهنود والصينيين. وشهدت بداية القرن التاسع ظهور عدد كبير من الكتب الدينية المسيحية بالعربية بدلاً من السريانية، فبالرغم من كتابة طيموثاوس الأول لأعماله بالسريانية غير أنها سرعان ما كانت تترجم للعربية. من أبرز من ألف بالعربية كذلك السكرتير البطريركي أبو الفضل علي بن ربان النصراني، وعمار البصري وإسرائيل الكشكري، على أن أهم لاهوتيي كنيسة المشرق كثيودور بار قوني استمروا بالتأليف بالسريانية التي تطورت مفرداتها الأدبية بشكل ملحوظ.
أدى انتصار العباسيين وتحول مركز الخلافة إلى بغداد إلى تقارب بين الخلفاء وبطاركة كنيسة المشرق. قام طيموثاوس الأول بتحويل كرسيه من كاتدرائية كوخي بقطيسفون إلى دير الجاثليق على الضفة الغربية لدجلة في بغداد. فأصبح بطريرك كنيسة المشرق القاطن في بغداد ممثلاً عن جميع المسيحيين ضمن الدولة العباسية على اختلاف مذاهبهم. غير أن فترة العباسيين شهدت كذلك اضطهادات متفرقة عادة ما تزامنت مع فترات الحروب ضد البيزنطيين. كان أشدها في عهد الخلفاء المهدي وهارون الرشيد، ووالمأمون ما أدى إلى حدوث هجرات كبيرة لمسيحيي العراق إلى سواحل البحر الأسود الجنوبية وخاصة مدينة سينوبي حيث استقبلهم الإمبراطور ثيوفيلوس. حول أبا الثاني (741-751) مركز البطريركية إلى كشكر فترة قصيرة قبل أن يتحول إلى كاتدرائية كوخي في قطيسفون. ولم تدم بطركية خلفه سورين (753) سوى عدة أشهر حيث توفي في سجن الخليفة المنصور بعد خلافه مع البطريرك اللاحق يعقوب الثاني (753-773)، والذي قضى كذلك معظم فترته مسجونًا من قبل الخليفة المنصور. قام خلفه حننيوشوع الثاني (773-780) بتنقيح مقررات السينودسات السابقة. قام يشوعيهب الثالث لاحقًا بتحويل الكرسي مجددًا إلى دير بيث عابي بالقرب من عقرة حاليًا كما أسس مدرسة لاهوتية في مسقط رأسه بأربيل. وألف كتبًا حول سير الشهداء وكتبًا أخرى في الفلسفة واللاهوت وقام مع الراهب حنانيشوع بتأليف كتاب الموسيقى الكنسية السريانية الشرقية المعروف بالهودرا. بالإضافة لذلك رتب التقويم الكنسي وحرر كتاب الطقس الكنسي وطور مدرسة نصيبين فأصبحت تدرس الطب والموسيقى بجانب اللاهوت والفلسفة.
كان الخليفة أبو جعفر المنصور أول خلفاء بني العباس اهتمامًا بالعلم والعلماء، وقام باجتذاب الأطباء النساطرة إلى مدينة بغداد، وترجمت له كتب في الطب والنجوم والهندسة والآداب، وألفت له ولعصره الكثير من كتب الحديث والتاريخ، وترجم جرجيس بن بختيشوع مؤلفات كثيرة في الطب من اليونانية إلى العربية، كما أن المنصور طلب من إمبراطور بيزنطة أن يرسل له أعمال إقليدس والمجسطي لبطليموس، وترجم كتاب إقليديس للعربية، وكان هذا الكتاب أول كتاب يترجم من اليونانية إلى العربية في عهد الدولة العباسية. ساهم المؤلفون النساطرة في نهضة التأليف تحت مظلة بيت الحكمة، وأبرز هؤلاء النساطرة آل بختيشوع الذين قدموا إلى جنديسابور في عهد هارون الرشيد ووزرائه البرامكة، وتناقلوا العلم من جيل إلى جيل على مدى ثلاثة قرون في عهد العباسيين، وخدموا الطب والمنطق والديانة النصرانية بما عرَّبوا وألفوا. نشط أتباع كنيسة المشرق في الترجمة من اليونانية إلى السريانية ومن ثم للعربية وخاصة في عهد الدولة العباسية حيث كان معظم المترجمين في بيت الحكمة من اليعاقبة والنساطرة وقد برزوا أيضا بالطب والعلوم والرياضيات والفيزياء فاعتمد عليهم الخلفاء، ومن أبرز الباحثين والعلماء والأطباء في تلك الفترة أسرة بختيشوع الذين خدموا أطباءً للخلفاء العباسيين وكان منهم جبريل بن بختيشوع وبختيشوع بن جبريل ويوحنا بن بختيشوع وأبو سعيد عبيد الله بن بختيشوع، ويوحنا بن ماسويه مدير مشفى دمشق خلال خلافة هارون الرشيد، وحنين بن إسحاق المسؤول عن بيت الحكمة وديوان الترجمة وابنه إسحاق بن حنين، وحبيش بن الأعسم، ويحيى بن البطريق، ومتى بن يونس، وأسطفان بن باسيل، ويحيى بن عدي، وابن بطلان، ويوحنا ابن الفنكي، وأبو سهل المسيحي، وماسويه المارديني، وإسحاق بن علي الرهاوي، وسَابُورُ بْنُ سَهْلٍ، وسلمويه بن بنان، وسيرابيون الصغير، وسهل بن بشر، وقسطا بن لوقا، وابن زرعة وغيرهم. وأصبحت بغداد عند إنشائها مركزًا لكنيسة المشرق وكان بطاركتها غالبا ما ينادمون الخلفاء العباسيون. غير أن فترة الازدهار هذه بدأت بالانحسار بوهن الدولة العباسية وانتهت بسقوط بغداد سنة 1258 وسيطرة القبائل المنغولية والتركية على المنطقة.
خلال عصر القوة والازدهار العباسي كانت العلاقة بين الدولة ومواطنيها غير المسلمين تصنف على أنها في أحسن الأوضاع خصوصًا خلال خلافتي المنصور والرشيد، وقد جاء في «المنتجب العاني» لمؤلفه أسعد علي أن الخلفاء كانوا يحتلفون بالأعياد المسيحية كعيد الميلاد وأحد الشعانين حتى في قصر الخليفة، فيضع الخليفة وحاشيته أكللة من زيتون ويرتدون الملابس الفاخرة، وقد بنيت في بغداد كاتدرائيتان مع تشييد المدينة. ولعلّ أبرز الدلائل والشواهد عن التعايش الديني والعيش المشترك أشعار أبي زيد الطائي والأخطل التغلبي كذلك ما رواه ابن فضل العمري بكتابه «مسالك الأبصار» وما جاء في كتاب «مسالك الممالك» من وصف للحياة بين المسلمين والمسيحيين في البلاد التي زارها، وقد نقل في كتابه ذاته أنه الرها العباسية وجوارها كان هناك ثلاثمائة دير. كذلك فإن كتابات المؤرخين السريان كالتلمحري وميخائيل الكبير وغيرهما تدلّ عل ذلك، ومراسلات طيموثاوس الأول بطريرك كنيسة المشرق الذي جمعته صداقة مع أبي جعفر المنصور حتى لقبه «أبي النصارى»، ويذكر أيضًا عددًا من الخلفاء والأمراء والولاة كانوا يقيمون خلال تنقلاتهم في الأديرة وقد سجلت أديرة الرصافة ودير زكا ودير القائم قرب البوكمال زيارات لخلفاء عباسيين. كما أنّ العباسيين لم يجبروا القبائل المسيحية العربية كتغلب ونمر وطيء وبني شيبان وقبيلة إياد على الإسلام، وإنما الأسلمة جاءت في القرون اللاحقة التي شهدت اضطهاد الأقليات خصوصًا القرن العاشر. وقد استعان العرب المسلمون بالسريان وبالأخص الشرقيين منهم مثل سمعان بن الطباخين وغيره في ترتيب أمور الدولة وتنظيم الأجهزة الإدارية وتنظيم الحياة الاجتماعية والثقافية والعلمية، ومن أشهر علماء السريان يوحنا بن ماسويه وحنين بن إسحق وأبو بشير ويوحنا بن جلاد ويحيى بن عدي وعبد المسيح الكندي وآل بختيشوع وغيرهم، الذين ألفوا وترجموا ونقلوا مختلف العلوم الطبية والفلكية ومن اللغات السريانية واليونانية والفارسية إلى اللغة العربية أتحفوا المكتبة العباسية بمصنفاتهم وعلومهم، كما أدار السريان الشرقيون بيت الحكمة، وكان أطباء الخلفاء دائمًا من السريان. لكن لم يدم هذا الازدهار الثقافي بسبب فقدان العرب السلطة وسيطرة الأجانب عليهم. وخدمت آل بختيشوع من الأطباء والعلماء السريان الخلفاء العباسيين.
القسم الأكبر من هذا التعايش تبخر خلال عصور الانحطاط، فهدمت الكنائس ومنع أبناء هذه الأديان من ركوب الخيل ومزاولة بعض الأنشطة التجارية والاقتصادية أو الإقامة في دور مرتفعة، كما أنهم قد عوملوا كرعايا من الدرجة الثانية وأخذ السلاطين والولاة يستبدون بهم وكان البدو يقتحمون الكنائس والأديرة لسلبها على ما يذكر المؤرخ ابن بطريق والمسعودي وغيرهما. كانت إحدى نتائج ذلك، هجرة المسيحيين الذين رفضوا اعتناق الإسلام من المدن نحو الجبال، وهكذا سجلت حركات هجرة مسيحية نحو طور عابدين وماردين وغيرها من الأماكن المنعزلة. عمومًا لا يمكن أن يفهم أن الاضطهادات كانت مستمرة، إذ كانت تخف وتيرتها بين الفنية والأخرى؛ وقد شملت جميع الأقليات الدينية وفي بعض الأحيان حتى الإسلامية منها. وبدأت الخلافة العباسية بالانحلال بنهاية عهد المتوكل فاستقلت عدة أجزاء عنها. حاول الخلفاء اللاحقون استعادة توازنهم عن طريق الاعتماد على مرتزقة ترك. أنهت هذه السياسة هيمنة العرب على الحكم وبحلول القرن العاشر بات الخليفة العباسي مجرد منصب اسمي بينما انتقلت السلطة الفعلية لأيدي عدة سلالات تركية متناحرة. أثرت تلك التحولات سلبًا على مسيحيي الدولة العباسية فبينما أدى ضعف السلطات على إرخاء القوانين المعادية "لأهل الكتاب" التي كان المتوكل قد فرضها، انتشرت أعمال الشغب من قبل العامة التي غالباً ما استهدفت المسيحيين.
يمكن أن يعيّن المتوكل على الله كصاحب الفضل في بدء سلسلة الاضطهادات على الأقليات الدينية في الدولة العباسية، ومنع أبناء هذه الأديان من ركوب الخيل ومزاولة بعض الأنشطة التجارية والاقتصادية أو الإقامة في دور مرتفعة، ومنعوا من إطالة شعرهم وأمروا بارتداء ألبسة مميزة صفراء اللون وعسلية الأكمام، وأضاف المتوكل على الله لها عام 854 قوانين أخرى منها "وضع تماثيل لشياطين" أمام أبواب بيوت المسيحيين ومنع وضع شواهد لقبورهم فضلاً عن مضاعفة الجزية، وإسقاط عقوبة المسلم الذي يقتل مسيحيًا والاكتفاء بنصف ديّة، وكل هذا "بهدف الإذلال لا غير"، أعاد سرجيوس (860-872) كرسي البطريركية إلى بغداد سنة 865. وفي عهد يوحنا الرابع (900-905) حصل أهالي بغداد المسيحيين على حق اختيار البطاركة. وحصل خلفه إبراهيم الرابع (906-937) على تأكيد من السلطات بأحقية كنيسة المشرق في تمثيل المسيحيين في الدولة العباسية. وبنتيجة ضعف سلطة الدولة إلى قيام عدة اضطرابات في بغداد أدت أحيانًا إلى تدمير الكنائس من قبل العامة كما حصل في عهد يوحنا الخامس (1000-1011) حين قتل جمع كبير من المصلين بعد إحراق كنيستهم، غير أن الخليفة المقتدر بالله (908-932) قام بعقاب المتسببين بذلك حينها. على أن العلاقة بين الإسلام وكنيسة المشارقة اتصفت بالتوتر وعدم الثقة منذ ذلك الحين، كما يظهر من خلال إجبار سبريشوع الثالث (1064-1072) على الإشراف على تنفيذ الشريعة الإسلامية بين رعاياه. تحسنت أوضاع كنيسة المشرق في فترة حكم البويهيين الشيعة بين عام 945 إلى عام 1055، غير أنها ساءت مجددًا بوصول السلاجقة. ويذكر القاضي الماوردي عددًا من القيود التي فرضت على المسيحيين كمنع دق النواقيس وبناء مباني أعلى من بنايات المسلمين وانتقاد الإسلام والنوح على موتاهم. بالرغم من هذه القوانين إلى أن أحوالهم فعليًا لم تكن أسوأ مما كانت عليه في العهد الساساني.
خلال الغزو المغولي لبغداد، هو الاصطلاح الذي يُشير إلى دخول المغول بقيادة هولاكو خان حاكم إلخانيَّة فارس مدينة بغداد حاضرة الدولة العبَّاسيَّة وعاصمة الخلافة الإسلاميَّة في عام 1258، أمَّن المغول سُكَّان بغداد المسيحيين على حياتهم بِتوصية من زوجة هولاكو النسطوريَّة دوقوز خاتون، وكذلك اليهود ومن التجأ إلى دار ابن العُلقُمي، وطائفةٌ من التُجَّار بذلوا المال ليسلموا وذويهم من القتل. كان أغنياء بغداد من المُسلمين يُدركون المكانة التي يحتلها السُريان لدى هولاكو لذا سارعوا إلى وضع أموالهم أمانةً لدى بطريرك السُريان النساطرة لكي لا ينهبها جُنود هولاكو. وعرض هولاكو قصر الخلافة لِلبطريرك سالف الذِكر، وأمر لهُ بِبناء كاتدرائيَّة. وعندما غزا تيمورلنك بلاد فارس وبلاد ما بين النهرين وسوريا في القرن الرابع عشر، تم هلاك العديد من السكان المدنيين. وقام تيمورلنك بذبح 70,000 مسيحي آشوري في تكريت، إلى جانب ذبح 90,000 مسيحي في بغداد. صرَّح ماركو بولو في كتابه في القرن الرابع عشر، أن بعض الأكراد الذين سكنوا الجزء الجبلي من الموصل كانوا مسيحيين، بينما كان آخرون مُسلمين.
بدأ محمود غازان (1295-1304) سلطان الدولة الإلخانية باضطهاد المسيحية والبوذية، وتذكر إحدى القرارات التي حملت ختم غازان أمرا بتدمير الكنائس وقلب المذابح وإسكات التراتيل، ودعا إلى قتل كبار اليهود والمسيحيين. غير أن قرارات كهذه لم تنفذ في جميع المناطق، فسلم مسيحيو الموصل وكنائسها بعد أن رشوا حاكمها، بينما دمرت كنائس أربيل حين لم يتمكن مسيحييها من جمع ما يكفي لإنقاذها. وتذكر مخطوطة أن عهد محمد أولجايتو شهد إقرار قانون يخير المسيحيين بين الإسلام أو دفع الخراج والجزية ونتف لحاهم وشمر وجوههم، وحين رضى المسيحيين بشروطه، أمر بخصيهم وسمل إحدى عيناهم. وأبيد المسيحيون الذين تحصنوا بقلعة أربيل في 1 يوليو عام 1310، وتدهورت أحوالهم في بغداد بحيث أصبحوا لا يجرؤون على الظهور علنًا. تمتع المسيحيون في بغداد في عهد الإلخان أبو سعيد بهادر خان بحماية من قبل أحد أمرائه غير أن أوضاعهم ساءت مجددًا بعد عام 1327. بعد وفاة أبو سعيد بهادر خان تصارع عدة أمراء على الحكم إلى أن تمكن الجلائري حسن برزج من بسط سيطرته على العراق. وفي عهده ظهر الأمير المسيحي المنغولي هجي توجي الذي تحالف مع الجلائيريين وقام باستعادة بعض الكنائس في بغداد كما دعم ترشيح دنحا الثاني (1336-1381) كرأس على كنيسة المشرق في بغداد. نقل دنحا كرسيه إلى كرملش شرقي الموصل كما عرف عنه علاقته الودية مع بطاركة الكنيسة السريانية الأرثوذكسية. ولدى وفاة تيمورلنك عام 1405 باتت كنيسة المشرق قاب قوسين أو أدنى من الاختفاء من التاريخ بعد تدمير مؤسساتها الثقافية والدينية بشكل شبه كامل والمذابح ضد المسيحيين النساطرة. وتحول كرسي البطريركية إلى منصب وراثي ينتقل إلى ابن الأخ تحت تأثير الأم والخالات (لم يكن للبطريرك أطفالاً كونه بتولاً) بقرار من شمعون الرابع باسيدي (1437-1497) عام 1450. وبدأت المطرانيات والأسقفيات تتشكل مجددًا وخاصة بمنطقة الجزيرة الفراتية كما في ماردين ونصيبين غير أن أسقفيات أخرى اختفت في القرن السادس عشر كما في طرسوس.
أدى انعزال بطريركية كنيسة المشرق إلى استمرار محاولة البابوات الكاثوليك لتحويل السريان المشارق إلى الكثلكة فنجحت أولى المحاولات أثناء مجمع فلورنسا حين اعترف أسقف قبرص طيموثاوس الطرسوسي بالإيمان الكاثوليكي وحمل لقب رئيس أساقفة قبرص الكلداني (باللاتينية: Archiepiscopus Chaldaeorum,qui in Cypro sunt) في 7 أغسطس من عام 1445، ومنذ ذلك الحين أصبح لقب الكلدان يطلق على أبناء كنيسة المشرق الذين تبعوا كنيسة روما. وشهد القرن السادس عشر تمركز مركز بطريركية كنيسة المشرق في المنطقة المحصورة بين نهر دجلة وبحيرتي وان وأورميا في حين بدأت ما تبقى من البطريركيات والأسقفيات في تبريز وبغداد ونصيبين وأربيل والجزيرة الفراتية بالاختفاء من حوليات الكنيسة في القرنين السادس عشر والسابع عشر، وتحول البطاركة إلى مجرد قادة قبليين بعض أن فقدوا المراكز العلمية واللاهوتية التي اشتهروا بها في القرون السابقة. في تلك الحقبة باءت محاولات المبشرين الكاثوليك لاستدراج مسيحيي حكاري وأرومية النساطرة بالفشل، في حين نجحت المحاولات مع مسيحيي سهل نينوى الذين تحولوا إلى الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، تحت رعاية خط الإيليون والذي كان مركزهم في دير الربان هرمزد في ألقوش. وأنقسم المسيحيين الآشوريين بين كرسي الإيليون الكاثوليك في ألقوش وكرسي الشمعونيون النساطرة في قدشانس. وتمكّن يوحنا هرمز، رئيس أساقفة الموصل، في آخر الأمر من توحيد كرسي آمد (اليوسفيون) وألقوش (الإيليون) مؤسساً الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية الحديثة.
في القرن السادس عشر، عزز العثمانيون حدودهم الشرقية من خلال القبائل السنيَّة الكردية الموالية. واستوطنت القبائل الكردية في هذه المناطق وفي عام 1583 قام السلطان مراد الرابع "بإعطاء مقاطعات ضخمة لقبيلة المكري الكردية". وفقاً للمؤرخ هرمز أبونا "أصبحت العديد من المناطق التي تضم العديد من الآثار الآشورية والأرمنية مأهولة بالكامل من قبل الأكراد بعد معركة جالديران"، وكتب المؤرخون الأكراد أنه "تم تطهير الأرض في هذا الوقت، وطرد سكانها الأصليين بالقوة". أكد المؤرخ الكردي علي القراني أن سرسنك "كانت مدينة آشورية وأن الأكراد الذين استقروا هناك كانوا مهاجرين من أذربيجان الفارسية". ولاحظ فيبي مار أنه "في الشمال أيضاً، هاجرت العديد من القبائل الكردية من بلاد فارس إلى العراق". لاحظ المسافر البريطاني جيمس ريتش في شمال العراق "التدفق السريع للأكراد من بلاد فارس ... وأن تقدمهم لم يتوقف". وأشار إلى أن "حوالي عشرة آلاف أسرة، تضم سبعين ألف نسمة، كانت تتحرك باستمرار عبر الحدود". لاحظ ساوثجيت أيضاً "التقدم السريع للأكراد من بلاد فارس إلى شمال العراق" في ذلك الوقت تقريبًا. وقدم الدكتور جرانت رواية شهود عيان، وقال: " كان بيت غارني (منطقة أربيل - كركوك) يضم على عدداً كبيراً من المسيحيين النساطرة، وقد تم تحويلهم الآن إلى بضع قرى متفرقة ...". سمح العثمانيون لليهود والمسيحيين أن يمارسوا شعائرهم الدينية بحرية تحت نظام الملّة، وكجميع الدول الإسلامية من قبلهم، الجزية على الرعايا غير المسلمين مقابل إعفائهم من الخدمة في الجيش. ومع ذلك، كان المسيحيين السريان في الغالب، يُعتبرون جزء من الملّة الأرمنيَّة حتى القرن التاسع عشر، عندما اكتسب كل من النساطرة والسريان الأرثوذكس والكلدان هذا الحق أيضاً.
تعد مدينة الموصل من المناطق المهمة بالنسبة للمبشرين المسيحيين بسبب كثرة أبناء الطائفة المسيحية فيها، إذ عُدّ القرن السابع عشر بداية للإرساليات الغربية، فانطلقت الإرساليات الفرنسية تحت رعاية وتنظيم مجمع التبشير بالإيمان في روما، فأرسلت لتلك الغاية بعثات تبشيرية متواصلة منذ أواسط القرن السابع عشر ومنها إرسالية الآباء الكرمليين الذين كانوا يترددون علي مدينة الموصل، ففي عام 1622 أنشئ في روما تنظيم يدعي مجمع انتشار الإيمان غايته نشر التعاليم المسيحية الكاثوليكية في الشرق بصورة خاصة، وكانت مدينة بيروت وحلب المركزين الرئيسيين التي تُرسَل منهما الإرساليات التبشيرية، فانطلقت إلى العراق وإلى الموصل بعثات تبشيرية مستفيدة من الأقليات المسيحية الموجودة لإنجاح عملها. كما بدأ الفرنسيون نشاطهم في العراق منذ أوائل الحكم العثماني، ولكن لم يكن نشاطهم يلفت النظر، ولذلك تركوا المبشرين الكبوشيين، فالدومنيكانيون الكاثوليك يعملون دون أن يتعرض لهم أحد، وكانت مهمتهم الأساسية تحويل أكبر عدد من الطوائف المسيحية إلى المذهب الكاثوليكي. سعى الكبوشيون لإقامة مركز لهم في الموصل، وأسسوا أول نواة كاثوليكية عام 1636 بهدف تحويل النساطرة من مذهبهم الشرقي إلى المذهب الكاثوليكي، إلا أن العلاقة التي تربط الكبوشيون بالدولة العثمانية اعتراها التدهور، مما أدى إلى غلق دارهم في بغداد، وإغلاق مركزهم في الموصل، وانتقالهم إلى ديار بكر. ونتيجة للجهود المبذولة آنذاك ازداد عدد المتكثلكين، مما دفعهم إلى الاعتقاد بأنهم قادرون علي الامتناع عن دفع الرسوم المستحقة عليهم للدولة، فسعى بطاركة القوش النساطرة وبطاركة ماردين اليعاقبة لكبح جماح ذلك التيار الديني المعزَّز بحماية الفرنسيين، وعمدوا إلى استخدام سلطاتهم الإدارية والقضائية وتوسطوا لدى الحكام، وكانت تهمة تعاون الكاثوليك مع المبشرين الأوربيين كافية لإنزال العقوبات بهم، فاضطر الكبوشيون إلى هجر مراكزهم في الموصل عام 1724، ويمكن القول أن مدة حكم الجليليين في الموصل تعد مدة تقدم التبشير الكاثوليكي في شمال العراق. وقد تمكن الكبوشيون من تكوين أول نواة كاثوليكية لهم بعد تلك المدة في مدينة الموصل من النساطرة الذين أطلق عليهم تسمية الكلدان عام 1750، وبذلك انتعشت الكثلكة من جديد في مدينة الموصل، وعملت من أجل تحقيق أهدافها، ففي عام 1750 نجح الأبوان الإيطاليان فرنسيس طورياني، وعبد الأحد يلشيني، في فتح مركز للآباء الدومينيكانيين في الموصل، وسهل مهمتهم كاثوليك الموصل الذين كانوا على علاقة حسنة مع الوالي الجليلي وتصدوا للفرس مع المسلمين عام 1742. انتشرت الكثلكة في الموصل، فبعد أن كان عدد أسر الكلدان الكاثوليك في الموصل عام 1747 لا يتجاوز العشرات، أصبحت في مطلع القرن التاسع عشر 1000 أسرة كلدانية.
أرسلت الجمعية الإنكليزية جرانت مبشرًا لها في العراق عام 1843، وقد حالفه النجاح في عمله بين الطوائف المسيحية العراقية، كما حظي بمساعدة القنصل البريطاني، الذي وضع كل إمكانياته لكسب السريان اليعاقبة والنساطرة والكلدان إلى الكنيسة الأنجليكانية. وقد أصبح جرانت موضع ثقتهم واحترامهم في ذلك الوقت، إذ طلب منه قساوسة النساطرة أن يبني لهم مدرسة لتعليم الصبيان، فاستغل حاجتهم وأشاع بين الأكراد أن البناية قلعة حربية وأن النساطرة يستعدون للهجوم على الأكراد، مما دفع الأكراد إلى أن يهجموا على مقر البطريرك الآشوري ويحرقوه، فازدادت الفتنة بين الآشوريين والأكراد، حتى تدخلت السلطات البريطانية بحجة حماية الآثوريين، ووجهت وزارة الخارجية البريطانية عام 1857 كتابًا إلى السفارة البريطانية في القسطنطينية بصدد حماية الآشوريين.
ولعل الأدوار التي اتُّخذت في استمرار التبشير لم تقتصر على كرسي الكنيسة فحسب، وإنما بفتح أبوابه عن طريق الواجهات المدرسية، والمطبعة التي فتحت في الموصل، كما أنه لم يقتصر العمل على الجانب الثقافي، بل تعداه إلى الجانب العلاجي، وبخاصة عندما اجتاحت الكوليرا مدينة الموصل بين عامي 1863 - 1865، كما أن الإرساليات التبشيرية قد مارست نشاطات اجتماعية مختلفة لخدمة مبادئ الدول التي أرسلتها. لقد ساهم النشاط التبشيري الأمريكي في مدينة دهوك، التي كانت تابعة إداريًّا للواء الموصل في إرسال المبشر كمبرلاند الذي كان يدعو المسلمين علناً للدخول في الدين المسيحي، مما أدى إلى قتله من قبل سليم آغا بيسفكي من أهالي دهوك عام 1938. تحكي عدد من سجلات السفر المختلفة والتي تعود إلى القرن التاسع عشر والقرن العشرين عن عدد من القبائل المسيحية الكردية، وكذلك القبائل المُسلمة الكردية. وإن كان عدد كبير من هؤلاء زعم أن أصوله أرمنيَّة أو آشوريَّة، تاريخيًا كان غالبيَّة الأكراد الذين اعتنقوا المسيحية من أتباع كنيسة المشرق.
عاد معظم الآشوريين الذين فروا من أورميا هرباً من الإبادة الجماعيًّة في عام 1918 إلى ديارهم بعد أن استقر الوضع هناك بسيطرة الحكومة الإيرانية عليها وموافقتها بمضض على عودة النازحين إليها. كما عاد معظم الآشوريين الذين هجروا من مناطق برواري الواقعة ضمن حدود المملكة العراقية إلى قراهم هناك، غير أن هجمات العشائر الكردية المتالية أجبرتهم على الرحيل فاستقروا نهائيا في المدن الكبرى كبغداد والموصل والبصرة. غير أن معظم النازحين تشكلوا من آشوريي حكاري التي رفضت تركيا دعوات آغا بطرس لإستقبالهم أثناء الاتفاق على معاهدة لوزان. كما بائت محاولات توطينهم في منطقة "بردوست" بكردستان العراق بالفشل، وتم رفض مقترحات بتوطينهم في كندا. فتم الاتفاق على توطين بعضهم في مناطق جنوبي محافظة دهوك حالياً. غير أن الجيش العراقي سرعان ما دمر معظم تلك القرى وقتل حوالي 3,000 آشوري فيما عرف بمجزرة سميل عام 1933 بعد انتشار إشاعات عن رغبتهم بتكوين كيان مستقل. ففي عام 1933 قامت الحكومة العراقية بمذابح بحق أبناء الأقلية الآشورية في شمال العراق في عمليات تصفية منظمة بعهد حكومة رشيد عالي الكيلاني ازدادت حدتها بين 8 إلى 11 أغسطس 1933. ويستخدم المصطلح "مذبحة" لوصف ما حدث من مجازر وإبادة عرقية في بلدة سميل بالإضافة إلى حوالي 63 قرية آشورية في لواء الموصل آنذاك (محافظتي دهوك ونينوى حالياً)، والتي أدت إلى موت حوالي 600 شخص بحسب مصادر بريطانية، وأكثر من 3,000 آشوري بحسب مصادر أخرى. وكان الشعب الآشوري قد خرج لتوه من إحدى أسوأ مراحل تاريخه عندما أبيد أكثر من نصفه خلال المجازر التي اقترفت بحقهم من قبل الحكومة العثمانيَّة وبعض العشائر الكردية التي تحالفت معها أبان الحرب العالمية الأولى. كانت لهذا الحدث تأثير كبير على الدولة العراقية الناشئة، حيث صورت هذه المجازر على أنها أول انتصار عسكري للجيش العراقي بعد فشله في إخضاع التمرد الشيعي في الجنوب وإخماد ثورة البرزنجي في الشمال، مما أدى إلى تنامي الروح الوطنية وزيادة الدعم للجيش العراقي. تمت صياغة عبارة "Genocide" أي (إبادة الشعب) أو (إبادة عرقية) لوصف عمليات الإبادة المنظمة التي تهدف لإبادة شعب ما من قبل رافايل لمكين بعد دراسته لهذه المجازر في إحدى أطروحاته. مع انتهاء حملات مذبحة سميل قامت الحكومة العراقية باحتجاز البطريرك شمعون إيشاي في بغداد ومن ثم ترحيله إلى قبرص فقضى عدة سنوات يتنقل بين جنيف وباريس ولندن محاولاً عرض قضية اللاجئين الآشوريين على عصبة الأمم من دون نتيجة تذكر، وبسبب وجود أكبر تجمع للكنيسة الآشورية آنذاك كان بمدينة شيكاغو بالولايات المتحدة التي قطن بها حوالي 30,000 من أتباع كنيسة المشرق، فهاجر البطريرك بدوره إلى الولايات المتحدة عام 1940 وأعاد تأسيس البطريركية بمدينة شيكاغو عام 1950. تناقص عدد أتباع كنيسة المشرق بشكل ملحوظ بعد مذبحة سميل عام 1933 ليصل إلى 20,000 بقيادة المطران يوسب خنانيشو. وقطن معظمهم بقرى بشمال العمال بالإضافة إلى مدن أخرى كالموصل وأربيل وكركوك وبغداد.
في عام 1947 وصلت نسبة المسيحيين في العراق حسب إحصاء إلى 3.1%، أي حوالي 149 ألف نسمة من إجمالي سكان العراق البالغ عددهم أربعة ملايين ونصف المليون. تم تدمير العديد من القرى الآشورية من قبل الجيش الحكومي خلال الصراع بين الحكومة المركزية والأكراد الذي بدأ عام 1961 ونشط البطريرك شمعون إيشاي في محاولة الضغط على الحكومة العراقية عن طريق الأمم المتحدة ومجلس الكنائس العالمي. وبالرغم من وعود الحكومة العراقية بقيادة نائب رئيسها صدام حسين بتسوية الخلاف مع الأكراد أوائل السبعينات من القرن العشرين إلا أن الحرب العراقية الإيرانية أشعلت النزاع مجددًا الأمر الذي أدى لتدمير المزيد من القرى وخاصة خلال حملات الأنفال.
في عام 1979 أصبح صدام حسين رئيساً لجمهورية العراق وأمينا قطريا لحزب البعث العربي الاشتراكي. وخلال حكم صدام حسين تمتع المسيحيين بالحرية النسبية وبالحماية. وبحسب أديب دويشه الأستاذ بجامعة ميامي في أوهايو، إنه كان هناك عقد اجتماعي بين الأقليات وصدام حسين، ويشير أنه "في عهد صدام، كان من المفهوم أنه إذا لم تتدخل في السياسة، فإنك تحصل على حياة طيبة". ويشير إلى أن "المسيحيون دعموا صدام، ليس لأنهم أحبوا ما كان يفعله، بل بسبب الخوف من البديل". وبحسب الباحث دويشه في عهد صدام حسين ازدهر المسيحيون اقتصاديًا، حيث كانوا رجال أعمال وأطباء ومحامين ومهندسين. في حين كان هناك قلة مختارة من النخبة السياسية، مثل طارق عزيز الذي شغل منصب وزير الخارجية ونائب رئيس الوزراء في عهد حسين. في ثمانينيات القرن العشرين، قُدِر أعداد المسيحيين بين مليون نسمة إلى 1.4 مليون من إجمالي سكان العراق، وشكلوا حوالي 8.5% من السكان. انخفضت هذه النسبة بسبب الهجرة خلال فترة التسعينيات من القرن العشرين وما أعقب حرب الخليج الثانية من أوضاع اقتصادية وسياسية متردية. وبلغ عدد المسيحيين حوالي 1.5 مليون في عام 2003، وكانوا يمثلون ما يزيد قليلاً عن 6% من السكان البالغ عددهم 26 مليون نسمة، كما تسارعت وتيرة هذه الهجرة بعد احتلال العراق عام 2003 وأعمال العنف الطائفي التي عصفت بالعراق وأدت إلى تهجير عدد كبير من مسيحيي العاصمة بغداد وخصوصاً ضاحية الدورة إضافة إلى مسيحيي المدن الأخرى إلى خارج العراق أو إلى منطقة إقليم كردستان العراق الآمنة نسبياً.