اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
يُذكر أن عمر بن عبد العزيز قد مَنع من استعمال اليهود والنصارى في شيء من ولايات المسلمين وأمورهم، فقد كتب إلى بعض عماله: «أما بعد، فإنه بلغني أن في عملك كاتباً نصرانياً يتصرف في مصالح الإسلام، والله تعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ، فإذا أتاك كتابي هذا فادع حسان بن زيد (يعني ذلك الكاتب) إلى الإسلام، فإن أسلم فهو منا ونحن منه، وإن أبى فلا تستعن به ولا تتخذ أحداً على غير دين الإسلام في شيء من مصالح المسلمين»، فأسلم حسان وحسن إسلامه. كما أسقط عمر الجزية عن أهل الذمة الذين دخلوا الإسلام، وكان الخلفاء الأمويون من قبله يجبرونهم على دفعها، فقد كتب عمر إلى حيان عامله على مصر باعتماد ذلك، فكتب إليه حيان: «أما بعد يا أمير المؤمنين، فإنه إن دام هذا الأمر (أي إسقاط الجزية عن المسلمين) في مصر أسلمت الذمة، وبطل ما يؤخذ منهم»، فأرسل إليه رسولاً وقال له: «اضرب حيان على رأسه ثلاثين سوطاً أدباً على قوله، وقل له: من دخل في دين الإسلام فضع عنه الجزية، فوددت لو أسلموا كلهم، فإن الله بعث محمداً داعياً لا جابياً».
ولذلك قال ميخائيل السرياني في صدد عمر بن عبد العزيز: «منذ توليه الحكم، أخذ عمر يسيء إلى المسيحيّين لسببين؛ أولاً: رغبة في تعظيم الشريعة الإسلاميّة، ثانياً: لفشل المسلمين في احتلال القسطنطينيّة. وكان يشدّد الخناق على المسيحيّين ليكرههم على اعتناق الإسلام، فأصدر قراراً يقضي بإعفاء من الجزية كلّ مسيحي يعتنق الإسلام، فأسلم الكثيرون، كما قرّر عدم قبول شهادة المسيحي على المسلم وعدم تولية مسيحي في أي مجال، كما منع المسيحيين من رفع أصواتهم في الصلاة، ومن لبس الأخضر وركوب حصان مسرّج. وإذا قتل مسلم مسيحيّاً لا يُحكم بالقتل بل بدفع ديّته خمسة آلاف درهم، ومنع تقدمة النذور للأديرة والرهبنات، لا بل صادر قسماً من أملاك الكنائس والأديرة والفقراء».
إلا أن بعض الروايات عن النصارى الذين عاصروا عمر بن عبد العزيز تتناقض مع ذلك، فقد روي عن الأوزاعي أنه قال: شهدت جنازة عمر بن عبد العزيز، ثم خرجت أريد مدينة قنسرين، فمررت على راهب فقال: «يا هذا، أحسبك شهدت وفاة هذا الرجل» أي عمر بن عبد العزيز، فقلت له: «نعم»، فأرخى عينيه فبكى سجاماً، فقلت له: «ما يبكيك ولست من أهل دينه؟»، فقال: «إني لست أبكي عليه، ولكن أبكي على نور كان في الأرض فطفئ».
ويُروى أن عمر بن عبد العزيز بعث وفداً إلى ملك الروم في أمر من مصالح المسلمين، وحق يدعوه إليه، فلما دخلوا إذا ترجمان يفسر عليه وهو جالس على سرير ملكه، والتاج على رأسه والبطارقة على يمينه وشماله، والناس على مراتبهم بين يديه، فأدى إليه ما قصدوه له، فتلقاهم بجميل وأجابهم بأحسن الجواب، وانصرفوا عنه في ذلك اليوم، فلما كان في غداة غد أتاهم رسوله، فدخلوا عليه، فإذا هو قد نزل عن سريره ووضع التاج عن رأسه، وقد تغيرت صفاته التي شاهدوه عليها، كأنه في مصيبة، فقال: «هل تدرون لماذا دعوتكم؟»، قالوا: «لا»، قال: «إن صاحب مصلحتي التي تلي العرب جاء في كتابه في هذا الوقت: أن ملك العرب الرجل الصالح قد مات»، فما ملكوا أنفسهم أن بكوا، فقال: «ألكم تبكون أو لدينكم أو له؟»، قالوا: «نبكي لأنفسنا ولديننا وله»، قال: «لا تبكوا له، وابكوا لأنفسكم ما بدا لكم، فإنه خرج إلى خير مما خلف، وقد كان يخاف أن يدع طاعة الله، فلم يكن الله ليجمع عليه مخافة الدنيا ومخافته، لقد بلغني من بره وفضله وصدقه ما لو كان أحد بعد عيسى يحيي الموتى لظننت أنه يحيي الموتى، ولقد كانت تأتيني أخباره باطناً وظاهراً فلا أجد أمره مع ربه إلا واحداً، بل باطنه أشد حين خلوته بطاعة مولاه، ولم أعجب لهذا الراهب الذي ترك الدنيا وعبد ربه على رأس صومعته، ولكني عجبت من هذا الذي صارت الدنيا تحت قدمه فزهد فيها حتى صار مثل الراهب، إن أهل الخير لا يبقون مع أهل الشر إلا قليلاً».