اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
استعاضت المسيحية في العصور الوسطى معيار الفصل التقابلي في ثنائية: إغريق / برابرة بمعيار فصل ميتافيزيقي آخر يقوم على ثنائية: مؤمنون/ كافرون، وهو فصل يعتمد على معيار الإيمان بالمسيحية دون سواها من الأديان، ويتماشى مع الطبيعة التبشيرية للمسيحية، التي شنت الحروب الصليبية على خلفية الصور الميتافيزيقية التي بنتها متخيلات التمركز اللاهوتي وتعاليمه الكنسيّة. ومع النهضة الأوروبية دُعم التمركز العرقي، وبرز إلى الواجهة معيار »التقدم« أو »المدنية« لفصل جديد بين الشعوب، حيث بدا الغربي صورة للتفوق والصفاء والقوة. ثم بدأت، في العصر الحديث، حركة الأوربة التي تجلت بإخضاع مجتمعات وشعوب العالم للنموذج الأوروبي، عبر مختلف أشكال الانتداب والاستعمار والسيطرة، ورأت القوى المسيطرة في الغرب الحديث ضرورة إخضاع الشعوب للنموذج الغربي بوصفه النموذج الأمثل والأصلح لمختلف الشعوب، واحتل الغربي (الرجل الأبيض) فيه القطب الأول في ثنائية: المتقدم/ المتخلف التي شكلت جوهر التفكير الميتافيزيقي الفلسفي الغربي الحديث.
تعد الديانة المسيحية في نظر الفيلسيوف هيغل الديانة المطلقة بامتياز:
وينطلق هيجل في قوله بأفضلية الديانة المسيحية على غيرها من الديانات على أساس فلسفي يستمد نسقه من نظام الجدل في فلسفته، فهو يرى أن لنشأة الروح الواعي بذاته من حيث هو روح أصلا مزدوج، فهناك من جهة اغتراب الجوهر عن ذاته، وهناك من جهة أخرى حركة عكسية وهي اغتراب الذات عن نفسها وتساميها إلى مستوى الماهية". والقول بان المسيحية تتضمن الحقيقة المطلقة يعني كذلك بالضرورة أنها دين الوحي أو الكشف، فهو الدين الذي يكتشف فيه الإله عن نفسه تماما على ما هو عليه أي بوصفه روحيا عينيا بحيث تظهر الآن طبيعيته الكاملة."
أسهم هيغل أكثر مما فعل أي فيلسوف غربي حديث في تعميق صورة التمركز الغربي، القائم على أساس التفاوت بين الغرب الأسمى والأرفع عقليا وثقافيا ودينيا وعرقيا، والعالم الآخر الأدنى والأحط في كل ذلك، فصاغ بذلك غربا يتربع على هرم البشرية، ويدفع باتجاه تثبيتها في وضع يمكنه أن يظل في القمة، إلى أن يحدث تغيير في العمران البشري بمنطق الدورة الخلدونية.