اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
لم يعد لديه أمل في العودة مرة أخرى إلى عالم الصحافة, وهو رجل متشائم في أعماقه وحزين رغم ما يبدو عليه من سعادة لا نظير لها. وعاد من جديد إلى مكانه على "باب القيادة" رغم أنه لم يعد يمثل أحدًا إلا نفسه. ولقد كان له رأى في بعض مندوبى الصحف في القيادة, وراح يجهر بهذا الرأى في كل مكان. أحدهم وكان مندوب جريدة كبرى كان "مرتشيًا ومغامرًا وأفاقًا". وصحفى أخر بدأ حياته في شارع عماد الدين, ثم انضم إلى الحزب السعدى "وأصبح فتوة للمرحوم حامد جودة رئيس مجلس النواب". ثم انتقل إلى حزب الوفد وأصبح "فتوة" لأحد الوزراء. أما الزميل الذي حل محله فقد كان "شأنه أعجب من العجب". كان "صاحب صالون حلاق"ة في سالف الزمن. ولم يكن في رأسه أى شئ, وكان ضعيفًا في الإملاء. وذات مساء سخر الكاتب منه بشدة, ويبدو أنه وشى به عند أحد الحراس, لأن أحدهم جاء بعد فترة وطرده. عشرة أيام وهو "قعيد البيت يكاد يتمزق غيظًا" بينما مصر تموج بالحياة والحركة.
عاد معظم أقربائه يلحون عليه في أن يتوظف في الحكومة ليضمن دخلًا ثابتًا ثم يهوى الصحافة بعد ذلك كما يشاء. وفعلًا راح يكتب طلبات لمديرى المصالح ليلحقوه بعمل مناسب. وبالطبع لم تجد هذه الطلبات شيئًا فقرر السفر إلى زفتى حيث كان يعمل أحد أصدقائه هناك ملاحظ مبانى. وسافر في قطار الصباح إلى زفتى وعندما رآه صديقه لم يبد ترحيبًا كبيرًا به. ودار نقاش بين صديقه وأصدقاءه في الحجرة حوله, ومن سيدفع ثمن عشائه. وقد أحتدم النقاش بينهم بينما أصرّ صديقه الملاحظ على أن يتحمل الجميع ثمن عشائه. وأحس أنه يذوب من شدة الخجل, واستأذن منهم بحجة شراء سجائر. وخرج من الحجرة هائمًا على وجهه في حوارى زفتى, واكتشف أن ما معه من نقود لا يكفى لعودته إلى القاهرة.وعاد إلى القاهرة في الفجر في عربة نقل محملة بالفواكه.
زاره بعد أيام الصديق الطيب يوسف فكرى ودعاه للعمل معهم في جريدة الجمهور المصرى. وكان هناك محمد حمدى وفتحى الرملى وكمال النجمى وطوغان وسعد زغلول وإبراهيم البعثى والأمير المليجى, وكان هؤلاء الصحفيون الوطنيون يعملون مع مجموعة من الصحفيين القدامى. وعندما ظهر أول عدد للمجلة تم تخفيض جميع المرتبات, وتناقص مرتبه إلى عشرة جنيهات. وجاء سكرتير تحرير جديد أفتى بأن عصرالمقالات قد انتهى, وأن الشهر القادم سيكون امتحانا لكل العاملين بالمجلة, "فالذي يحصل على أخبار جيدة سيبقى, والذي يفشل سيفصل". وقد حصل بطريق الصدفة على أخبار غاية في الخطورة والأهمية. وكان قد سرق أخبار من محرر في جريدة أخرى, لذلك فصل من المجلة بحجة أنه غير منتج.
عاد بعد ذلك إلى المجلة بشهر واحد وبمرتب ثلاثة عشر جنيها. وبعد خمسة شهور ترك المجلة. فقد أتصل به الأستاذ أحمد قاسم جودة وعرض عليه عملًا في جريدة يومية كبرى اسمها القاهرة وبمرتب خمسين جنيهًا في الشهر. ففرح كثيرًا وتيقن أنه سيصبح في مقدوره أن يحقق الحلم الذي راوده طويلًا, وهو أن يصبح مالكًا لشقة خاصة ومكتبة وربما سيارة أيضًا. وذات مساء أستدعاه قاسم جودة لمقابلة مدير جريدة القاهرة. وبعد أن خرج من مكتبه, وقع عقدًا للعمل ولمدة عام, وبمرتب سبعة وثلاثين جنيهًا ونصفًا. وعلى صفحات الجريدة نشر أول قصة في حياته, ثم نشر مجموعة قصص كاملة أصدرها بعد ذلك في كتاب.