اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
صادفت مصر في بداية الخمسينات قد عهدًا من الهدوء والاستقرار لم تألفه منذ بداية الحرب العالمية الأخيرة. وذات مساء استقل قطار غادر محطة مصر إلى السويس في رحلة صحفية, ولم يعد من هناك إلا بعد ذلك بأربعة شهور كاملة. كانت المدينة هادئة تمامًا, وذهب إلى لوكاندة فؤاد التي لم يكن بها غير سرير واحد في حجرة مشتركة ينزل فيها "رجل عجوز". وفي الصباح نزل إلى المحافظة ليسأل عن حقيقة الأحوال, واستقبله المحافظ في مكتبه الفاخر وراح يحكى عن التدابير التي أتخذها لمواجهة الموقف. وعندما عاد إلى حجرته في اللوكاندة وجد "الرجل العجوز" منهمكًا في الكتابة. وكانت فرحته عظيمة عندما علم أنه صحفى, وأنه موفد من جريدة الأهرام لمتابعة الأحوال في المدينة. وكان هذا أول لقاء له مع أحمد عبد العزيز وتوطدت الصداقة بينهم بعد ذلك. وقضوا معًا وفي غرفة واحدة أربعة شهور كاملة كانت أخصب وأعظم فترة في حياته. والتقى هناك برجل اسمه عبودة, وكان يريده أن ينشر حديثًا عنه وعن كفاحه ضد الانجليز في القناة. ولم يكن عبودة قد قام بأى عمليات أو أعمال بطولية. ولم يكن في السويس أى نوع من أنواع الحركة ضد الاحتلال.
ذات مساء اتفق السعدنى مع أحمد عبد العزيز على أنه ما دامت المعركة لم تنشب بعد في المدينة فلا أقل من أن تنشب على صفحات الجرايد, وفعلًا بدأت المعركة الصحفية عن أعمال وهمية للفدائيين داخل السويس, وهجوم مسلح في الخيال على معسكرات الانجليز في الصحراء, وارتفع التوزيع فأغرى عدد كبير من الصحف إلى سلوك نفس الطريق. وبالفعل أسفر ذلك عن وفود الكتائب على السويس, "كتائب محترمة" وقادمة من القاهرة من أجل الكفاح. ثم عاد إلى القاهرة على ظهر مركب, وكانت أغلب الصحف الوطنية قد توقفت عن الصدور. وأصبحت الصحف تحت الأحكام العرفية, وانتعشت دار الهلال لأنها لا تنتعش إلا في ظل الرقابة والحكم العرفى, وانتعشت الأهرام أيضًا لأنها كانت دائمًا على الحياد بين الشعب والحكومة. هكذا كانت الحياة تغلى في البلاد بينما مجلة النداء تنام في واد آخر بعيد. واختارته المجلة للسفر إلى بورسعيد مع مندوب إعلانات اسمه عبد البصير. وكانت مهمته هي تحرير موضوعات عن الميناء وقناة السويس ومراكب الصيد وشاطئ بورسعيد بينما راح عبد البصير "يسرح" في المدينة لجلب أكبر عدد ممكن من "الإعلانات والفلوس". وقضوا هناك شهرًا كاملًا. وعاد إلى القاهرة, وعكف بعيدًا مشغولًا بكتابة المواضيع عن بورسعيد.
علم الكاتب فجأة أن الرجل الطيب عاد من الهند. وزاره في بيته وحدثه عن عالم الهند الساحر الغامض, وحدثه عن الأدب والفن والسياسة. وذات صباح استيقظ من النوم وعلم أن الراديو "مقطوع ولا يذيع شيئا", وذهب إلى بيت طوغان. وفجأة عادت الحياة إلى الراديو, انطلق صوت أنور السادات يعلن للناس قيام الثورة. ففرحوا كثيرًا وقاموا يعانقوا بعضهم بعضًا, ثم نزلوا جميعًا نحو الشارع. وهكذا أصبح مندوبًا للمجلة في القيادة العامة. وكانت الثورة فرصة له لكى يشرع قلمه من جديد ليكشف كل شئ دار في السويس خلال معركة القناة. ثم فصل من المجلة, وما كان أسهل الفصل في تلك الأيام. وهكذا عاد إلى الشارع "عاطلاً مفلسًا", ولكن بأمل جديد. فلا بد أن الثورة ستنحى هؤلاء الكتّاب الكبار الذين تورطوا في النظام الملكى حتى أصبحوا جزءًا لا يتجزأ من النظام, "لتفسح الطريق" لجيله في الصحافة.