اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
هو المنهج الجديد في الفلسفة، وبسببه سمي ديكارت بـ"أبو الفلسفة الحديثة". إن من درس فلسفة ديكارت يندهش عندما يعلم أن تخصص ديكارت الأساسي لم يكن الفلسفة بل الرياضيات والجبر والبصريات. فالمطلع على مجمل أعماله يلاحظ أنها تشكل عدة مجلدات تعد ست مجلدات من القطع الكبير في بعض الطبعات، تنصب أساسًا على الموضوعات الرياضية والهندسية ولا تحتل أعماله الفلسفية التي اشتهر بها سوى جزء ضئيل لا يكاد يصل إلى نصف مجلد. لقد كان ديكارت رياضيًا في الأساس، ولم يكن فيلسوفًا إلا في أوقات فراغه من دراساته الرياضية. لكن هذا الجزء الفلسفي الصغير نسبيًا من مؤلفاته هو السبب في شهرته كفيلسوف وهو الذي صنع منه مؤسس الفلسفة الحديثة. ومعنى هذا أن الجزء الفلسفي من أعماله يعد ملحقًا على أعماله الرياضية الأساسية، أو هامش فلسفي على متن رياضي هندسي. ويرجع السبب في ذلك إلى أن ديكارت الذي شهد درجة النجاح المذهل الذي حققته الرياضيات في عصره من دقة المنهج ويقين النتائج التام أراد للفلسفة أن تصل إلى نفس الدقة المنهجية واليقين المطلق الذي وصلته الرياضيات في عصره وعلى يديه هو شخصيًا. ويتمثل تأثر ديكارت بالمنهج الرياضي في فلسفته في سعيه نحو الوصول إلى نقطة أولى يقينية واضحة بذاتها يؤسس عليها فلسفته كلها، وهي وجود الأنا أفكر. فهذا الأنا أفكر كان بالنسبة له المبدأ الأول الشبيه بمبادئ الرياضيات التي تؤسس لكل المبرهنات الرياضية التالية عليها. كما يسير ديكارت بالطريقة الاستنباطية السائدة في الرياضيات في مذهبه الفلسفي حيث يستنبط وجود الإله والعالم وخلود النفس من وجود الأنا أفكر. ويقوم المنهج الديكارتي على أساسين، هما:
والحقيقة أن محاولة الوصول إلى اليقين في الموضوعات العلمية والفيزيائية سهل يسير باتباع الطريقة الرياضية، لكنه ليس كذلك بالنسبة للموضوعات الميتافيزيقية. فلا يمكن التعامل مباشرة مع موضوعات مثل وجود الإله وخلود النفس بالطريقة الرياضية. وقد كان ديكارت صادقًا في ذلك مع نفسه، إذ أنه لم يبدأ دراسة هذه الموضوعات مباشرة، بل وضعها كلها موضع الشك وتوقف عن الحكم عليها منذ البداية. يقول ديكارت في التأمل الأول: «وإذا لم يكن في مقدوري الوصول إلى معرفة أي حقيقة، فليكن أن أفعل ما هو في مقدوري على الأقل، أي التوقف عن كل حكم، وأتجنب أن أعطي أي مصداقية لأي شيء باطل».
وعندما فكر ديكارت في وضع منهج في الفلسفة أقامه على أساس أسلوب التفكير الرياضي والهندسي. وهذا هو المعنى الحقيقي لقواعد المنهج الأربعة التي وضعها في كتابه «مقال عن المنهج». تنص القاعدة الأولى على «ألا أقبل شيئًا على أنه حق ما لم أعرف يقينًا أنه كذلك، بمعنى أن أتجنب بعناية التهور، والسبق إلى الحكم قبل النظر، وألا أدخل في أحكامي إلا ما يتمثل أمام عقلي في جلاء وتميز، بحيث لا يكون لدي أي مجال لوضعه موضع الشك». وتسمى هذ القاعدة بقاعدة اليقين، لأنها تدخل إلى يقين بديهي بسيط لا يتطرق إليه شك. ويتضح ارتباط هذه القاعدة بالهندسة الرياضية من الأمثال التي يضربها ديكارت عليها، فاليقين عنده هو القول بأن المثلث هو الشكل المكون من ثلاث أضلاع، وأن المساويان لشيء ثالث متساويان. ولا يهدف ديكارت من هذه القاعدة تأسيس الرياضيات أو الهندسة على أسس يقينية، ذلك لأنهما مؤسسان على اليقين بالفعل، بل يهدف استعارة هذا اليقين الرياضي والهندسي لتطبيقه على موضوعات الفلسفة. وعندما نطبق هذه القاعدة على الفلسفة تبدأ باعتبارها شكًا منهجيًا، ذلك لأنها تنص على «ألا أقبل شيئًا على أنه حق ما لم أكن على يقين أنه كذلك»، فنص القاعدة يبدأ بالسلب، أي بألا يقبل شيئًا، وهذا هو الشك الذي هو الخطوة الأولى في المنهج الفلسفي عند ديكارت. ومعنى هذا أن قواعد المنهج عامة وكلية، وعندما تتم مناسبتها كموضوعات الفلسفة لوضع منهج خاص بالفلسفة تنقسم القاعدة الأولى إلى خطوتين، الخطوة الأولى هي الشك في كل شيء شكًا منهجيًا للوصول منها إلى يقين أول. فبعد أن يشك ديكارت في وجود العالم، ينطلق من هذا الشك نفسه ليتوصل إلى أول يقين وهو أن الشك يتضمن التفكير، والشخص الذي يفكر يجب أن يكون موجودًا: أنا أشك إذن أنا أفكر إذن أنا موجود.
وتنص القاعدة الثانية على «أن أقسم كل واحدة من المعضلات التي سأختبرها إلى أجزاء على قدر المستطاع، على قدر ما تدعو الحاجة إلى حلها على ذلك»، وتسمى هذه القاعدة بقاعدة التحليل. وتقول القاعدة الثالثة: «أن أُسِّير أفكاري بنظام، بادئًا بأبسط الأمور وأسهلها معرفة، كي أتدرج قليلًا قليلًا حتى أصل إلى معرف أكثرا ترتيبًا، بل وأن أفرض ترتيبًا بين الأمور التي لا يسبق بعضها الآخر بالطبع». وتسمى هذه القاعدة الثالثة بقاعدة التركيب. أما القاعدة الرابعة والأخيرة فهي تنص على «أن أجري في كل الأحوال الإحصاءات والمراجعات الشاملة ما يجعلني على ثقة من أنني لم أغفل شيئًا»، وتسمى هذه القاعدة بالاستقراء التام.
وبذلك فإن قواعد المنهج الأربعة، من يقين وتحليل وتركيب ومراجعة واستقراء، هي نفسها طريقة التفكير المتبعة في الرياضيات والهندسة. ويحاول ديكارت تطبيقها على موضوعات الفلسفة، لأنه أراد الوصول في الفلسفة إلى نفس درجة الوضوح واليقين الذي وصلت إليه الرياضيات والهندسة.
إن ديكارت لا يطبق المنهج الرياضي نفسه على الفلسفة بل يطبق طريقة التفكير في الرياضيات، فإذا كان يستعير المنهج الرياضي فهو لاتبع طريقة البدء بالبديهيات والمسلمات والفروض ولانطلق منها إلى مبرهنات ثم قضايا تلزم عنها ضرورةً، ولو كان قد فعل ذلك لرأينا مؤلفاته الفلسفية تأخذ شكل الاستنباط والبرهان الرياضي. لكن لا تظهر طريقة الاستنباط الرياضي في فلسفة ديكارت، وكل ما يستعيره من الرياضيات هو طريقة التفكير المتبعة فيها وحسب. والملاحظ أن طريقة البرهان الرياضي الهندسي والتي لم يتبعها ديكارت قد اتبعها من بعده سبينوزا بحذافيرها. وبذلك يكون سبينوزا قد سار خطوة أبعد من ديكارت، ذلك لأن ديكارت اتبع مجرد طريقة التفكير في الرياضيات والتي تتمثل في القواعد الأربعة: اليقين أو الوضوح، والتحليل والتركيب والاستقراء التام، وما رفضه ديكارت وهو تطبيق المنهج الهندسي من تعريفات ومصادرات ثم مبرهنات وقضايا مستنبطة منها قد تبناه سبينوزا نجد بحذافيره. وهكذا يكون سبينوزا أكثر جرأة وثورية من ديكارت الذي وقف عند حدود التفكير الرياضي فقط ولم يصل إلى درجة تطبيق المنهج الرياضي الهندسي نفسه في الفلسفة.