اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
هذه المساحة الواسعة من الأرض التي استطاع فخر الدين أن يحكمها، لم يكن إخضاعها سهلا لو لم يكن فخر الدين يملك جيشا قويّا وافر العدد جيّد التدريب. ولم يكن الأمير يستطيع أن يُحافظ على البلاد التي ضمها إلى إمارته، لو لم يُنشئ شبكة من القلاع والحصون، في المواضع الحربية المناسبة. ولم يهمل فخر الدين السلاح، فجهّز جنوده بأفضل الأسلحة التي عرفها عصره، وزوّد قلاعه بأوفر الذخائر والعتاد.
نظّم فخر الدين جيشه على أحدث الأساليب التي عرفها القرن السابع عشر، مستعينا بخبراء استدعاهم من فرنسا وتوسكانا، وزوّده بأسلحة جلبها من إسبانيا. كان جيش فخر الدين نوعين: وطني، ومرتزقة. وهذان النوعان هما عماد الجيش النظامي. أما الجيش الوطني فكان مؤلفا من اللبنانيين على اختلاف مناطقهم وأديانهم، من غير أن يشعروا تحت لوائه بأي فرق أو تمييز، ولم يكن يُعكر صفاء هذه الوحدة إلا الانقسام الحزبي بين القيسيين الذين هم أنصار الأمير، واليمنيين الذين كانوا يناصبونه العداء. إلى جانب هذا الجيش الوطني، استأجر فخر الدين جنودا من السُكمان وغيرهم من المرتزقة، ومن هؤلاء المرتزقة كان بعض العاصين على الدولة العثمانية، فهؤلاء كانوا قد يئسوا من عفو السلطان، فأقبلوا على الأمير: يخدمونه، ويُهاجمون جيوش أعدائه من الولاة العثمانيين. وقد صمدت قوات السُكمان في القلاع صمودا رائعا، بعد سفر الأمير إلى أوروبا، ورفض رجالها وعود الحافظ وإغراءاته. وكان الأمير فخر الدين يعتمد أحيانا على قوات حلفائه من الأمراء كآل شهاب، وآل حرفوش عندما كانوا معه، وقبائل العرب في عجلون وحوران. وكان عدد الجنود في جيش فخر الدين، يتفاوت بين وقت وآخر، فعندما سافر إلى توسكانا كان جيشه لا يزيد على عشرين ألفا. أما في أيام مجده الأخيرة فقد بلغ نحوا من أربعين ألف جندي مدرّب، وكانوا يتناولون الرواتب بانتظام. وكان في وسع فخر الدين، زمن الحرب، أن يجهّز أكثر من سبعين ألفا. وإلى جانب هذا الاستعداد العسكري في عدد الجنود الوافر، وإلى الشجاعة التي اتصفوا بها في القتال، فقد كان لبسالة الأمير وعنفه في المعارك، أثر كبير في انتصاراته التي حققها.
كان جيش فخر الدين النظامي يتألف من مشاة وخيالة. أما المشاة فكانوا يلبسون أخف الثياب، ويحملون البنادق والسيوف ذات النصال العريضة. وأما الخيّآلة، فكان الفارس منهم يلتف بعباءة واسعة ويحمل البدقية ذات القدّاحة، ويُعلق السيف على جنبه، ويمسك ترسا يقيه الضربات. وكان لدى الأمير عدد قليل من المدافع أحضرها من توسكانا، ونصبها في قلعة الشقيف كما كان لديه عدد آخر من المدافع الإسبانية جاءته هدية من ملك إسبانيا. وكان الأمير في مخابراته مع ملوك أوروبا وأمرائها يلح عليهم بأن يوفدوا إليه خبراء في صناعة الأسلحة وصب المدافع. والظاهر أن هذا الطلب لم يتحقق. ولم يكن الأمير يملك قوة بحرية يستطيع بها أن يُقاوم الأسطول العثماني، وكان لهذا النقص البحري أثر في تحديد مصير الإمارة فيما بعد. وقد حجز الأمير مرة مركبين حربيين لقراصنة مالطة لأنهم اعتدوا على شواطئ لبنان، فاستخدمهما في حماية جيشه البري عندما يسير على الطرق الساحلية، كما استخدمهما في نقل البضائع والذخائر والجنود بين الموانئ اللبنانية.
لم يكن الأمير فخر الدين يُقدم على إعلان الحرب إلا بعد أن يبحث الأمر مع مستشاريه، ورجال إمارته، وزعماء الإقطاع المخلصين له. وكان يستدعيهم إلى قصره للمشورة، حتى إذا أجمعوا على إعلان الحرب أوفدوا إلى القرى رسلا، أو صعد المنادون إلى أعالي الجبال واستنهضوا أبناء القرى المجاورة للتجمع، أو أشعلوا النار على قمم الجبال، وهي إشارة تعني أن الناس مدعوون إلى التجمع في قصر الأمير. وكان الأمير فخر الدين هو القائد العام لجيشه، فإذا تغيّب عن المعركة، ناب عنه ابنه علي، أو أخوه يونس. وجعل فخر الدين للجيش النظامي قادة دائمين، أشهرهم أبو نادر الخازن، وكان كل إقطاعي من الأمراء والمقدمين والمشايخ قائدا على رجاله، تحت إمرة الأمير. وكان شعار الجيش المعني العلم الأحمر، وهو شعار القيسيين كلهم.
حمى فخر الدين أراضي الإمارة بشبكة من الحصون والقلاع والأبراج والأسوار، ووزع جنوده في هذه الحصون والقلاع ودرّبهم على إطلاق المدافع وقذف المواد المتفجرة على المحاصرين. وقد بنى فخر الدين بعض هذه الحصون. أما بعضها الآخر فكان قد بناه الصليبيون أو من سبقهم، ورممه فخر الدين وجعله صالحا للتحصن داخله. ومن مهمة هذه القلاع والأبراج أن تحمي طرق المواصلات في بلاد الإمارة من اللصوص، وتكافح قطاع الطرق، وتؤمن راحة المسافرين والتجار. وأشهر قلاع فخر الدين هي:
ومن قلاع فخر الدين الأخرى في لبنان: قلاع طرابلس وجبيل وبعلبك وبيروت وصور وغزير. أما أشهر قلاع فخر الدين خارج لبنان فهي:
ومن قلاع فخر الدين الأخرى في سوريا: قلاع حلب وأنطاكية، وحصن الأكراد، والمرقب وعجلون.
كانت مناطق لبنان قبل عهد فخر الدين الثاني تتنازعها الفوضى والظلم، فالناس وما يملكون من مال وأرض وبيوت هم تحت رحمة رجال الإقطاع، وإذا نجوا من هؤلاء، فمن الصعب ان يتخلصوا من قطّاع الطرق، وغزوات البدو. أما الجيوش العثمانية التي كانت تتدخل لتأديب ثائر أو اعتقال ممتنع عن دفع الضرائب، فإن بعضها لم يكن يتورع عن النهب والقتل والاعتداء على الآمنين، كما كان شأن حملة إبراهيم باشا المصري. وكان الحج إلى مكة المكرمة أو بيت المقدس مغامرة غير مأمونة العاقبة، لما كان يعترض الحجاج من أهوال وأخطار. فلمّا جاء فخر الدين حاول أن يقيم العدل في حكمه بين الناس، وان ينشر الأمن في ربوع بلاده، فاحتفظ لنفسه بالحكم على المجرمين، تاركا لرؤساء الطوائف الحكم في القضايا الدينية وقضايا الأحوال الشخصية من زواج وطلاق وإرث وغيرها، وجعل رؤساء الطوائف مسؤولين عن أتباعهم أمامه. وبلغ من حرص الأمير فخر الدين على انتشار الأمن في إمارته، حدّا دفعه إلى أن يُجهز الحملات بقيادته الشخصية لتأديب القرى العاصية أو إخضاع عصابة قطعت الطريق، فعندما عاد من أوروبا ووحد لبنان وبلاد الشام تحت لوائه، حتى نهض على رأس حملة من رجاله وسار بهم في رحلة استغرقت ثمانية أشهر، فجال في سوريا وفلسطين من أقصاها لأقصاها، مرتبا أمور مملكته الواسعة، كابحا جماح العصاة قاطعا دابر الاجرام، مرمما التحصينات ومجهزا اياها بالاعتدة والزاد والرجال. كذلك أقام في مفارق الطرق المعرّضة للاعتداء أبراجا للمراقبة، وخانات محصنة، جهزها بالجنود ووسائل الدفاع وزودها بالماء والمؤن. وهكذا أمن الناس على حياتهم وأموالهم في السفر والتنقل، وقد شهد على ذلك كثير من الرحالة الذين زاروا لبنان في عهد فخر الدين، إذ كان الأمن السائد في ربوع لبنان في طليعة ما لفت أنظارهم. وكان هذا الأمر عاملا شجّع على الهجرة إلى لبنان، كما فعل آل جانبولاد، الذين جاءوا من حلب زمن فخر الدين الثاني، وأصبحوا فيما بعد آل جنبلاط.
نظّم فخر الدين إمارته تنظيما إداريّا يكفل له الإشراف على أمورها العامة، فجعل فيها موظفين مسؤولين يعينهم بنفسه، وحدد لهم مرتبات يتقاضونها من خزينة الإمارة. ولكي يضبط سجلات الإدارة، أمر بوضع سجلات تضم أسماء اللبنانيين الذكور القادرين على حمل السلاح، وسجلات بعدد البساتين وأشجارها المثمرة، وسجلات بعدد الحيوانات والمواشي الموجودة في كل قرية. وعلى أساس هذه السجلات تُفرض الرسوم والضرائب. واختار للمناصب السياسية والإدارية والعسكرية رجالا أذكياء مخلصين من غير أن يلتفت إلى طوائفهم. فكان يعاونه من الموارنة: أبو صافي الخازن، وإبراهيم الخازن، وخازن الخازن الذي كان مديرا أو وزيرا للأمير، وأقام يونس حبيش خازنا لبيت المال، كما اختار أعوانه الآخرين من الدروز والسنّة والشيعة.
شعر الأمير، بعد عودته من إيطاليا، بضعف التعليم وقلة المتعلمين في بلاده، فشجع على إيفاد عدد من التلاميذ الموارنة إلى روما، ليتعلموا اللغات الأجنبية والعلوم العالية، ويعودوا إلى لبنان، فينشروا ما تعلموه بين الناشئين. وقد توالت بعثات الطلاب في عهده إلى إيطاليا، وكثر أفرادها، وبلغوا مراتب عالية في العلوم التي تخصصوا فيها. وعاد عدد كبير من بعثات الطلاب إلى لبنان، وأنشأ العائدون مدارس للأحداث، وأسس بعضهم مطبعة في دير قزحيا، قرب طرابلس سنة 1610 وهي أول مطبعة في لبنان، بل في الشرق العربي كله. وساعد تسامح فخر الدين في الشؤون الدينية على قدوم الإرساليات الأجنبية إلى لبنان، وإنشائها المدارس فيه، ومنها بعثة الآباء الكبوشيين الذين قدّم لهم فخر الدين الأراضي فبنوا فيها أديرة ومعاهد. أما فخر الدين نفسه، فلم تسمح له ظروف نشأته أن ينصرف إلى الدرس انصرافا كاملا، ولكنه مع ذلك كان ميّالا إلى العلم والعلماء، وكان يُحب كل ما يتصل بالعلوم الكيميائية والفلكية.
وقد بقي بعض الطلاب اللبنانيين في إيطاليا، فحققوا المخطوطات الشرقية وحفظوها في مكتبات روما. وألّف بعضهم الكتب والأبحاث. وعملوا جميعا على إدخال أساليب اللغة اللاتينية إلى اللغة العربية. ومن هؤلاء الأب جبرائيل الصهيوني الإهدني الذي كان استاذا في مدارس روما ثم أصبح مترجما للملك لويس الثالث عشر ملك فرنسا، وإبراهيم الحاقلاني ويوحنا الحصروني اللذان اشتغلا في ترجمة الكتب الدينية، ويوسف سمعان السمعاني الذي كان يُلقب في أوروبا "بأبي العلوم الشرقية".
كان فخر الدين محبّا للبناء والعمران، كما كانت ظروف حياته العسكرية تفرض عليه الاهتمام بإقامة الحصون والأبراج، وتحسينها وتطوير هندستها، فلمّا سافر إلى إيطاليا ورأى القصور الجميلة والقلاع المنيعة والحدائق المنسقة، ازداد اهتمامه بالناحية العمرانية، ورغب في تطويرها في بلاده لتخدم مصلحته العسكرية زمن الحرب، وليُمتع نفسه بجمال القصور والحدائق زمن السلم والاستقرار. وقد عهد فخر الدين إلى الخبراء والمهندسين الإيطاليين الذين جاء بهم من توسكانا بمهمة تصميم مشاريعه العمرانية وتنفيذها. من أهم المشروعات التي نفذها المهندسون الطليان، عدد من الجسور كانت ضرورية لتنقل الناس والجيوش بين المناطق، وفي مقدمتها جسر على نهر الأولي قرب صيدا، وكان مؤلفا من عقد واحد، والقناطر التي أعيد بناؤها على جسر نهر الكلب، وترميم جسر نهر بيروت، وسبيل الماء الذي أقامه فخر الدين في صيدا تخليدا لذكرى زوجته ابنة الأمير علي سيفا، التي ماتت في ربيع شبابها، وقد كثر حديث الرحالين عنه لما فيه من فن وجمال. وكان لإقامة سُبل المياه أهمية خاصة في المدن، لأن مياه الشرب لم تكن تصل إلى البيوت.
بنى الأمير قصرا له في دير القمر، ما تزال آثاره باقية حتى اليوم، وشاد للأمراء المعنيين قصورا في صيدا، وأنشأ الخانات في المدن، وعلى الطرق الطويلة، لكي ينزل فيها التجار الأجانب والمسافرون. وكان من أهم هذه الخانات خان الإفرنج في صيدا وهو اليوم مقر دار اليتيمات التابعة لراهبات مار يوسف. وكانت الحمامات العامة ضرورة صحيّة في العصور الماضية. وقد اهتم الأمير فخر الدين بإنشاء عدد منها، وأهمها "الحمام البرّاني" المعروف اليوم "بحمام المير" في صيدا. زيّن فخر الدين مدينة بيروت وابتنى فيها الأبراج والقصور، وكان قصره فيها درّة هذه المنشآت العمرانية. وقد تولى هندسته وبناءه عدد من المهندسين الطليان على الطراز الإيطالي. ضمّ هذا القصر عددا من الأجنحة منها: جناح للنساء، وآخر للموظفين، وثالث للحرس، وجُرّت إليه المياه، وأنشئت حوله الحدائق الواسعة التي غُرست فيها أشجار البرتقال وغيره من الفاكهة. وكانت المياه تجري في أقنية بين مربعات الزهور المتعددة الألوان، وتتوسط الحدائق بركة ماء جميلة، وحولها عدد من تماثيل الحيوانات المنحوتة من الرخام أو المصبوبة من النحاس. وفي جانب من هذه الحدائق، كانت حديقة الحيوان التي ضمت أصناف الوحوش من أسود ونمور وذئاب. وقد وصف السيّاح قصر فخر الدين بأنه من عجائب الشرق. وكان يرتفع في إحدى زوايا القصر برج عال يزيد ارتفاعه على عشرين مترا، وكان الأمير يُشرف منه على ميناء بيروت وضواحيها. وإلى هذا البرج تنسب "ساحة البرج" التي أصبحت اليوم "ساحة الشهداء" أو "ساحة الحرية". وكان قصر فخر الدين يقوم في الجهة الشمالية الغربية منها. لكن الأثر الأهم للأمير يبقى غابة الصنوبر التي زرعها لحماية المزروعات والحدائق من زحف الرمال البحرية عند شواطئ بيروت الجنوبية، حيث كانت الرياح تلفظ سنويّا تلالا رملية من الصحراء الليبية، وكانت الوسيلة الوحيدة لردعها هي عن طريق زرع الأشجار.
انتشرت في عهد فخر الدين البيوت ذات السطوح القرميدية الحمراء، وواجهات المنازل الزجاجية، المؤلفة من ثلاث قناطر، والمرتكزة على أعمدة رشيقة من الرخام، والتي تسمح للنور والشمس بأن يدخلا إلى داخل المسكن. وانتشر هذا الطراز في بناء المنازل واستمر بعد عهد فخر الدين في مدن الساحل وقرى الجبل. وما زالت المساكن القديمة الموجودة اليوم تُحافظ على هذا الطابع.
كانت الحياة الاقتصادية مزدهرة خلال عهد فخر الدين الثاني، وقد ساعده هذا على تحقيق أهدافه السياسية، فقد استطاع أن يستغل ثروة بلاده الزراعية والصناعية لتسديد الضرائب المفروضة عليه للدولة العثمانية، ولإرضاء رجال الدولة العثمانية وولاتها بالهدايا الثمينة، ولإقناع دولة توسكانا بمحالفته ومعاونته، ولكي يتمكن أخيرا من الإنفاق على جيشه وموظفيه وتوطيد أركان إمارته.
شجّع فخر الدين الزراعة ودعا إلى تحسينها، واستقدم الفلاحين من إيطاليا لتدريب الفلاحين اللبنانيين على أساليب زراعية جديدة من شأنها أن تزيد في الإنتاج وأن تسرع في إنمائه. وكان قوام الزراعة في عهد فخر الدين: التوت، والزيتون، والقطن، والحبوب وأشجار الفاكهة. عمّت أشجار التوت السهول الساحلية من صيدا إلى طرابلس، وسفوح الشوف والمتن ومناطق جبيل والبترون وجبة بشري. وعلى أشجار التوت تعتمد صناعة استخراج الحرير التي كانت قوام الصناعة. واعتنى فخر الدين بأشجار الزيتون القديمة، وساعد على استنبات أشجار جديدة منه، فأصبح موردا رئيسيّا لخزينة فخر الدين الذي كان يتقاضى حصة وفيرة من الإنتاج الزراعي. ومن مزروعات لبنان الهامة الأخرى آنذاك قصب السكر، والقطن. وكان إنتاج لبنان من الحبوب يكفي حاجة السكان ويفيض عنهم. وعندما انتشرت المجاعة في دمشق، أنقذ الأمير فخر الدين سكانها بكميات القمح الوافرة التي بعثها إليهم. ولم يُهمل الأمير زراعة الفاكهة، وقد قلّده فيها عدد كبير من الأغنياء، عندما أنشأ حول قصره بستانا حافلا بأنواع الفاكهة. وقد بلغ من اهتمام الأمير بالأشجار المثمرة أن وضع لها سجلات خاصة، تتضمن عدد هذه الأشجار في كل بستان، وفي كل منطقة. وكانت هذه السجلات أساسا لفرض الضرائب. والتفت فخر الدين إلى ضرورة إنماء الثروة الحيوانية، فشجع على تربية البقر والإبل والغنم والمعزى. وجلب من توسكانا أنواعا ممتازة من البقر والثيران وعددا من الفلاحين العارفين بتربيتها.
كانت الصناعة البيتية اليدوية أنشط أنواع الصناعات في عهد الأمير فخر الدين. وكان الحرير عماد ثروة البلاد، وأكثر الصناعات ازدهارا، فقد كانت أكثر قرى لبنان تعنى بتربية دود القز، لتستخرج خيوط الحرير منه، حتى بلغ حرير لبنان مستوى عاليا من الجودة، وذاعت شهرته في أسواق العالم، وتنافس للحصول عليه أصحاب معامل النسيج في أوروبا، فاشتروا منه كميّات وافرة صنعوا منها أفخر الأقمشة وأكثرها نعومة. وكان أشهر أنواع الحرير: الأبيض الطرابلسي، والذهبي البيروتي، وكان الحرير يُصدّر بكثرة نظرا لأن أغلبية الرجال، وخاصة المسلمين منهم، لم يرتدوا ملابس حريرية نظرا لأن هذا يعتبر تشبها بالنساء، فكان يفيض منه الكثير. وكان الأمير فخر الدين يُقايض البضائع الأجنبية بالحرير، ويستخدمه في تسديد الضرائب للدولة العثمانية، كما كانت أغلب هداياه إلى أمراء توسكانا من أنواع الحرير الثمين.
وكان يلي الحرير أهمية آنذاك، الصناعات المستخرجة من الزيتون: كالزيت والصابون، الذين بلغت جودتهما مستوى رفيعا. وكثيرا ما قام الأمير فخر الدين بإهداء كميات منها إلى رجال الدولة العثمانية، ففي سنة 1612 أرسل ثلاثة مراكب ملأى بالصابون إلى الصدر الأعظم نصوح باشا، كما أرسل مراكب أخرى منه إلى تجّار إسطنبول وليفورنو لبيعه في أسواق تركيا وأوروبا. وكانت محالج القطن منتشرة في أماكن كثيرة من لبنان. وكانت النساء في البيوت ينصرفن في فصل الشتاء إلى غزل القطن حتى أن صيدا وحدها بلغ إنتاجها أكثر من أربعين ألف قنطارا في السنة. وكانت معامل النسيج في صيدا تغطي الاستهلاك المحلي، وتُصدّر ما يفيض عنها، وهو كثير، إلى البلاد الأوروبية. وانتعشت في عهد الأمير دباغة الجلود وصناعة الشمع. وانتشرت في ذلك العهد صناعة لم تعد معروفة اليوم، هي صناعة الرماد الذي كان يُصنع منه الزجاج. وهي صناعة كانت رائجة في القرن السابع عشر: فقد كان في طرابلس ولبنان الجنوبي أفران تُحرق فيها حشائش معينة، ثم يُجمع رمادها ويُصدّر إلى مدينة البندقية في إيطاليا وسائر مدن أوروبا فتصنّع منه معاملها أنقى الألواح الزجاجية، والثريات البلورية، والأقداح اللامعة.
ازدهرت التجارة في عهد فخر الدين الثاني، بسبب انتشار الأمن ونمو القطاع الزراعي ونشاط الصناعة، وكثر روّادها في صيدا ثم بيروت، اللتين اتخذ الأمير فخر الدين كلاّ منهما عاصمته الشتوية على التوالي. وقد حفلت مرافئ صيدا وصور وبيروت بأنواع المراكب الأوروبية، التي كانت تفرغ حمولتها من الأقمشة والورق والزجاج والفولاذ والنقود الفضية والذهبية ثم تنقل من المرافئ اللبنانية الحرير والقطن والصوف والصابون والقمح وتبحر بها إلى بلادها. ويعود نشاط التجارة إلى سببين: تسهيل أعمال التجار الأجانب وحمايتهم، وتأمين الشواطئ من القراصنة. وقد تولّى الأمير فخر الدين بنفسه تحقيق هذين الأمرين، فقد طارد اللصوص وقطّاع الطرق وقرصان البحر، وأنزل بمن قبض عليه منهم أقصى أنواع العقاب، وأنشأ الخانات الواسعة لتستوعب التجار الذين يؤمون صيدا، والمستودعات لتتسع بضائعهم. وسمح لبعض الدول الأوروبية أن يكون لها قناصل مقيمون في صيدا، لرعاية شؤون موظفيهم. وبقدر ما كان التجار الأوروبيون يلقون عند فخر الدين حرية ورعاية وتسهيلات، كانوا يلقون في حلب ودمشق ألوانا من التضييق والتشديد والمراقبة. شعر التجار الأوروبيون بهذه المميزات، فجعلوا من مدينة صيدا محط رحالهم ومرسى سفنهم ومركز تجارتهم في الشرق، حتى بلغ عدد السفن التي قصدت مرفأ صيدا عام 1631 زهاء 120 سفينة كبيرة، وهو عدد كبير في ذلك العهد. وكان لكل مدينة أو قرية كبيرة، سوق أسبوعية في عهد فخر الدين، وأشهر هذه الأسواق سوق صيدا التي كانت تُقام يومي الإثنين والثلاثاء. وكان التجار يقصدونها من عكا ودمشق وطرابلس وبيروت.
كان هذا الازدهار الذي حققه الأمير فخر الدين قد أثار غيظ بعض خصومه، وفي نفس الوقت كانت الدولة العثمانية قد ثار قلقها بسبب علاقات فخر الدين المتنامية مع الدول الأوروبية وبعد أن فهمت من تصرفاته أن غرضه ليس فقط جمع الضرائب والتوسع قليلا في منطقته، بل بناء دولة حديثة ومستقلة، فأخذت تفكر في التخلص منه كيلا يُهدد استقرار أمنها وليكون عبرة لمن يُفكر بالعصيان أو الثورة على السلطنة.