اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
تمساحُ نهر بيروت هو اسمٌ أُطلق في وسائل الإعلام اللُبنانيَّة وفي الوسط الشعبي اللُبناني عُمومًا والبيروتي خُصوصًا، على تمساح نيل شبه بالغ عُثر عليه في نهر بيروت خِلال أواسط سنة 2013م، عندما شاهده بعض الناس يتشمَّس على إحدى ضفاف النهر المذكور، ورآه آخرون يسبح في مياهه. وقد شكَّل هذا الأمر صدمة كبيرة لِأهالي محلَّة بُرج حمّود التي يعبر فيها النهر نظرًا لأنَّه كان سابقةً من نوعها. كما أثار الموضوع استغراب وسائل الإعلام والرأي العام لِعدَّة أسباب، أبرزها أنَّه لا وُجود للتماسيح في لُبنان (أقلّه في التاريخ المُدوَّن) ولأنَّ النهر شديد التلوُّث وشحيح المياه، بل إنه جاف على مقربة من مصبِّه، الأمر الذي يحول دون عيش أي كائنٍ بريٍّ فيه بشكلٍ طبيعيّ. غير أنَّ بعض سُكَّان المحلَّة أشاروا إلى أنهم شاهدوا التمساح كثيرًا قبل ذلك، وأنَّ بعض الأهالي كانوا يرمون له الطعام، بل إنَّ بعضهم أشار بِوُجود 4 تماسيح كحدٍ أدنى.
احتلَّ التمساح مركزًا مُتقدمًا في الأخبار اللُبنانيَّة طيلة أسابيع، ثُمَّ اختفت آثاره لِفترة قبل أن يُعاود الظُهور مُجددًا. وفي نهاية المطاف تمكَّن أحد الصيَّادين من الإمساك بالتمساح وعُهد به إلى فريقٌ من المُتطوعين العاملين في حماية البيئة والحياة البريَّة الذين قاموا بترحيله إلى مُنتزه للحياة البريَّة في بريطانيا كي يعيش حياةً طبيعيَّة بعيدة عن التلوث ومع بني جنسه، وحيثُ يلقى العناية المُلائمة.
أشار الطبيب البيطري الدكتور وليد درويش في مُقابلةٍ مع الصحافي شادي عواد لجريدة الجُمهوريَّة أنَّ تماسيح النيل لم يُعثر لها حتَّى الآن على مُستحثاتٍ ضمن حُدود الأراضي التابعة لِلجُمهوريَّة اللُبنانيَّة، لكنَّها كانت تعيشُ في القدم في أنحاء أُخرى من الشَّام، وفي الأُردُن. وفي الحقيقة فإنَّ بعض أنهار الشَّام الجنوبيَّة، أي فلسطين والأُردُن، اشتهرت عبر التاريخ بوُجود تماسيحٍ فيها، ومن أبرزها نهر الزرقاء الذي اقترن اسمه بالتماسيح مُنذُ القدم، فعرفه الرومان بـ«نهر التمساح»، وأطلق عليه الصليبيون تسمية «نهر التماسيح»، والفُرس «سيل التمساح». كذلك، كانت التماسيح تعيشُ في نهر الأُردُن وفي أغلب الأنهار الفلسطينيَّة التي تصبُّ في البحر المُتوسِّط، وورد ذكرٌ لها في الكتاب المُقدَّس في عدَّة مواضع، منها موضعٌ يُشير إلى وُجودها في فلسطين، فقد ورد في سفر أيُّوب بالأصحاح الحادي والأربعين: «أَتَصْطَادُ لَوِيَاثَانَ بِشِصٍّ، أَوْ تَضْغُطُ لِسَانَهُ بِحَبْلٍ؟ أَتَضَعُ أَسَلَةً فِي خَطْمِهِ، أَمْ تَثْقُبُ فَكَّهُ بِخِزَامَةٍ؟ أَيَكْثِرُ التَّضَرُّعَاتِ إُِّلَيْكَ، أَمْ يَتَكَلَّمُ مَعَكَ بِاللِّينِ؟ هَلْ يَقْطَعُ مَعَكَ عَهْداً فَتَتَّخِذَهُ عَبْدَا مُؤَبَّداً؟ أَتَلْعَبُ مَعَهُ كَالْعُصْفُورِ، أَوْ تَرْبِطُهُ لأَجْلِ فَتَيَاتِكَ؟ هَلْ تَحْفِرُ جَمَاعَةُ الصَّيَّادِينَ لأَجْلِهِ حُفْرَةً، أَوْ يَقْسِمُونَهُ بَيْنَ الْكَنْعَانِيِّينَ؟ أَتَمْلأُ جِلْدَهُ حِرَاباً وَرَأْسَهُ بِإِلاَلِ السَّمَكِ؟ ضَعْ يَدَكَ عَلَيْهِ. لاَ تَعُدْ تَذْكُرُ الْقِتَالَ! هُوَذَا الرَّجَاءُ بِهِ كَاذِبٌ. أَلاَ يُكَبُّ أَيْضاً بِرُؤْيَتِهِ؟ لَيْسَ مِنْ شُجَاعٍ يُوقِظُهُ، فَمَنْ يَقِفُ إِذاً بِوَجْهِي؟ مَنْ تَقَدَّمَنِي فَأُوفِيَهُ؟ مَا تَحْتَ كُلِّ السَّمَوَاتِ هُوَلِي». ووفقًا لِمُفسري الكتاب المُقدَّس فإنَّ «لوياثان» كلمة عبريَّة تعني «مُلتف»، وهو حيوان مائيّ كبير يُرجَّح أنهُ التمساح، وأنَّ الله كان يُخاطب النبيّ أيُّوب بعد أن استمرَّ مرضهُ العضال 30 سنة، واضعًا لهُ التمساح كنموذج لأشرس الحيوانات المائيَّة، ومُشبهًا إياه بالمرض الذي يقدرُ على شفائه مهما عظُم. ومن المعروف أنَّ النبيّ أيُّوب ذُكر على أنَّهُ عاش في «أرض عوص»: «كَانَ رَجُلٌ فِي أَرْضِ عَوْصَ اسْمُهُ أَيُّوبُ. وَكَانَ هذَا الرَّجُلُ كَامِلاً وَمُسْتَقِيمًا، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ»، وأرض عوص هذه يُرجّح بعض الباحثين أن تكون جُزءًا من مملكة أدوم الواقعة في فلسطين وجنوب غرب الأُردُن. أو في باشان جنوب سوريا وغرب الأُردُن، وبالتالي فإن صحَّ هذا فإنَّ التماسيح تكون قد سكنت هذا الجُزء من الشَّام خِلال العُصور القديمة.
قُتل آخر التماسيح في فلسطين في أوائل القرن العشرين، وعند قيام دولة إسرائيل قام بعض الأشخاص بإنشاء مزارع خاصَّة لِتربية تماسيح النيل في سبيل الحُصول على جُلودها، وذلك في منطقة حوض نهر الأُردُن وفي صحراء النقب، وقد حدث أن هربت بضعة تماسيح أكثر من مرَّة من حظائرها إلى نهر الأُردُن وبعض الأنهر والسُيول المُتفرعة منه والبُحيرات، الأمر الذي دفع بالسُلطات المحليَّة إلى المُطالبة بإغلاق بعض تلك المزارع حفاظًا على السلامة العامَّة.