اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
بعد أسبوع من مكوثه في بارموث مع أحد أصدقاء الدراسة، عاد داروين إلى منزله في يوم 29 من شهر أغسطس ليعُثر على رسالة من هنسلو تعتبرُه رجُل الطبيعة الأمثل، الذي سيحصُل على رحلة مُمَوّلة على متن سفينة البيغل (HMS Beagle) بقيادة القُبطان روبرت فيتزروي (Robert FitzRoy)، الذي سيكون أكثر من مجرد رفيق رحلة. وقد كانت السفينة في رحلة مُدتها أربعة أسابيع لاستكشاف ورسم الخط الساحلي لأمريكا الجنوبية. اعترض روبرت داروين على رحلة ابنه البحرية والمُقررة لعامين، معتبراً أنها مَضيعةً للوقت، ولكن صِهره (brother - in law) يوشيا ويدجود (Josiah Wedgwood) أقنعه بضرورة مشاركة ابنه. وبعد عدة تأجيلات، بدأت الرحلة البحرية في 27 ديسمبر من عام 1831، واستمرت ما يقارب الخمس سنوات. وكما كانت خُطة الكابتن فيزتوري، فقد قضى داروين مُعظم وقته آنذاك على اليابسة في المسح الجيولوجي ودراسة التاريخ الطبيعي للأنواع وكذلك رسم السواحل. لقد احتفظ داروين بما جمعه من ملاحظات بحذر وكذلك بما وضعه من أُطروحات ونظريات، وما بين فترة وأخرى كانت تُرسل عيِّناته إلى جامعة كامبردج مع نسخة من دوريته العلمية إلى أسرته. لقد كان لداروين بعضُ الخبرة في الجيولوجيا، وجمع وتشريح اللافقاريات، وأما في المجالات الأخرى فقد كان مُبتدئاً ويستعين بالخبراء. على الرغم مما كانوا يعانونه طِوال رحلتهم البحرية من دُوار البحر، فلم يمنع ذلك داروين من الكِتابة والتأليف بغزارة بينما هو على متن السفينة. مُعظم ملاحظاته وكتاباته في علم الحيوان كانت حول اللافقاريات البحرية، والتي تبدأ من العوالق البحرية التي يجمعها عندما تهدأ الأمواج. في أول توقف لهم على شاطئ سانتيقو (St. Jago) وجد داروين حزمة بيضاء متواجدة في سفوح الجبال البركانية ومن ضمنها أصداف بحرية. وقد أعطاه فيتزروي النسخة الأولى من (نظريات الجيولوجيا) لـتشارلز لايل والتي شكَّلت مفاهيم ارتفاع سطح الأرض أو هبوطه على فترات متباعدة. [II] ولقد رأى داروين الأمور من وجهة نظر لايل مفكراً ومحللاً ليكتب كتاباً عن الجيولوجيا (علم الأرض). وفي البرازيل سُرَّ داروين من رؤية الغابات الاستوائية ولكن ساءه مناظر العبودية. وأمَّا بيونتا ألتا في بتاقونيا (Punta Alta in Patagonia) فقد وجد أحافير عظمية لثدييات ضخمة منقرضة في أحد المنحدرات، بجانب أصداف بحرية حديثة، والتي تشير إلى الانقراض وعدم وجود علامات لكارثة أو تغيُّر في الطقس. أيضاً تعرَّف على ما يُدعى بـ (مجاثيريم) (Megatherium) الصغير عبر رؤية أسنانه والتصاقه بدرع عظمي والذي بدأ له لأول وهلة كنسخة عملاقة من حيوان المدرع المحلي. وقد أدَّى ذلك الكشف إلى إحداث جلبة واهتمام عند عودته إلى إنجلترا. في رحلاته مع جوشيوس (gauchos) لاستكشاف الجيولوجيا وتجميع المزيد من الأحافير والتي أكسبته رؤية سياسية، اجتماعية وإنثروبولوجية (علم الإنسان) لكلٍ من السكان الأصليين والاستعماريين في وقت الثورة، وعلِم أن هناك نوعين من طيور الريا (rhea) المُختلفة والمتداخلة في الشكل. وكُلمَّا اتجه إلى الجنوب أكثر، رأى مجموعة من الأخشاب والأصداف البحرية كشواطئ مرتفعة وكأنها سلسلة من المرتفعات. وقام بقراءة النسخة الثانية لـ لايل وتقبَّل وجهة نظره حول (مركز الخلق الإلهي) للكائنات، ولكن اكتشافاته ونظرياته تحدَّت أفكار لايل باستمرار، بخصوص انقراض الكائنات.
كان ثلاثة من الفيوجين (السكان الأصليين في تييرا ديل فيوغو بأمريكا الجنوبية) على متن السفينة والذي تم الاستيلاء عليهم في رحلة البيغل الأولى، وقضوا سنة كاملة في إنجلترا، وقد تمَّ إعادتهم إلى تييرا ديل فيوغو (Tierra del Fuego) كمُبشّرين. وجدهم داروين متحضرين وودودين، ولكن يبدو على أقربائهم " البؤس والتدهور " وهذا الاختلاف هو كالاختلاف بين الحيوانات البرية والمنزلية. بالنسبة لداروين هذه الاختلافات أظهرت فرقاً في التقدُّم الحضاري وبعيداً عن الدونية العنصرية. وعلى عكس زملائه العُلماء يعتقد الآن أنَّه " لا يوجد فجوة يمكن ردمها بين الإنسان والحيوان " بعد سنة من ذلك تمَّ وقف الرحلة. وكان أحد الفيوجين والذين أطلقوا عليه اسم جيمي بيوتن Jemmy Button ، قد عاش كأي مواطن وتزوج، ولم يكن لديه رغبة بالعودة إلى إنجلترا. عاصر داروين زلزالاً في تشيلي، ورأى علامات ومن ضِمنها بأن الأرض قد ارتفعت، وبلح البحر محصور في المد العالي. وعالياً في جبال الأنديز، شاهد أصداف بحرية وجذور شجرية نمت في شاطئ رملي. ووضع نظرية تقول : بينما الأرض ترتفع، والجزر المحيطية تغرق، تنمو الشُعب المَرجانية لتشكِّل جَزراً. في جزر جالاباقوس Galápagos Islands بحث داروين عن دليل يربط الحياة البرية بـ (مركز الخلق)، ووجد أنَّ الطيور المحاكية في تشيلي تختلف من جزيرة لأُخرى. وقد سمِع أنَّ هُناك اختلافاً بين أشكال صدف السلاحف، وهي تظهر من أي جزيرة أتت، ولكنَّهُ عَجز عن جمعها، حتى بعد أكلهِ للسلاحف المأخوذة على متن الرحلة كغذاء. أمَّا في أستراليا، فقد بدا حيوان الكنغر ذو الجراب، ومنقار البط، غير عاديين لداروين والذي اعتقد بأنَّ هُناك خالق آخر لهما. كما وجد أنَّ السُكان الأصليين لأستراليا هم شعبٌ لطيف وذوي حسٍ فُكاهي، كما لاحظ أنَّهم بدئوا في الاندثار نتيجة النزوح الأوروبي. قامت سفينة البيجل بالبحث والتنقيب عن أصل تكوين الجزر المرجانية المسماة بالكوكوس (كيلينج) (Cocos (Keeling) Islands)، مما دعَّم نظرية داروين. وخلال ذلك عمل فيتزوري على البدء في كتابة المُذكرات الوثائقية لرحلات سفينة البيجل، وبعد قراءته لمذكرات داروين طلب منه أن يُدرجها في هذا العمل الوثائقي. ولكن في نهاية المطاف تم إعادة كتابة مُشاهدات داروين في عدد ثالث من مجلة التاريخ الطبيعي. وفي العاصمة كيب تاون قابل داروين وفيتزروي شخصاً يُدعى جون هيرشيل (John Herschel)، والذي كَتب مُؤخراً إلى لييل، مُشيداً بفتحه المجال للتكهُنات الجريئة لأسرار الأسرار، وعملية استبدال الكائنات المنقرضة بأنواع أخرى والذي يتناقض مع قوانين الطبيعة. بدأ داروين خلال العودة إلى الوطن في تنظيم ملاحظاته ومشاهداته، وكتب قائلاً : إذا ماكانت شكوكي المتزايدة حول الطيور المحاكية، والسلاحف، وثعلب جزر فوكلاند صحيحة فإنَّ هذه الحقائق سوف تُقوض نظرية استقرار الأنواع. ويُلاحظ أنَّه بحذر شديد استخدم كلمة سوف، قبل كلمة تُقوض بعد ذلك كتب (إنَّ من شأن هذه الحقائق أن تُلقي بعض الضوء على أصل الأنواع). استطاع داروين أن يثبت بأن الإنسان ليس إلا واحدا من بين الكائنات المتطورة وان الإنسان ليست له هذه الأهمية التي كان يتصورها معظم الناس في الماضي، فمن يدرى ربما سبقته كائنات أخرى في التطور. قد يكون بسبب هذه الدلالات النظرية قد كانت هي السبب الرئيسي في فزع رجال الدين وسخطهم، الذين رأوا في داروين كافرا وملحدا لأنه لم يأخذ بما جاء في الكتاب المقدس حرفيا. مع أن نظرية التطور كانت لتفسير كيفية تواجد أول خلية. فداروين نفسه قال :