اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
تحولت بلغاريا بعد استقلالها عن حكم الإمبراطورية العثمانية بتاريخ 22 سبتمبر عام 1908 إلى مملكة، وتقلد الأمير فرديناند البلغاري لقب قيصر (تسار). وعقب ذلك اهتمت بلغاريا بوحدتها الوطنية عن طريق توجيه جهودها نحو ضم أراضي الدولة العثمانية التي يسكنها البلغار إليها.
ولتحقيق هذا الهدف تواصلت حكومة بلغاريا بقيادة رئيس الوزارء إيفان جيشوف مع حكومات بلاد البلقان الأخرى أملًا في إنشاء تحالف موجه ضد العثمانيين. وبلغت الجهود ذروتها بعد التوقيع على سلسلة من المعاهدات الثنائية التي اُختتمت عام 1912 بتشكيل اتحاد البلقان. وبحلول صيف نفس العام وهنت قبضة العثمانيين على ولايات البلقان بسرعة شديدة في ألبانيا ومقدونيا بصفة خاصة حيث نشبت عدة تمردات شعبية علنية على الحكم العثماني. ولذلك قرر الحلفاء استغلال وضع الدولة العثمانية وأعلنوا عليها الحرب في أكتوبر 1912.
بدأت أول مراحل حرب البلقان الأولى بانتصارات حاسمة للحلفاء في كلٍ من تراقيا ومقدونيا. وفي غضون شهر واحد تقهقر العثمانيون أمام البلغاريين حتى وجدوا أنفسهم على بعد 40 كيلو متر من إسطنبول، وخسروا خسارة فادحة أمام الصرب واليونانيين. عُقدت هدنة استمرت فترة قصيرة بدون الوصول إلى حل للنزاع حتى استُؤنف القتال من جديد في يناير 1913. حاول العثمانيون شن حملة مضادة كبرى ولكنهم هُزموا أمام البلغاريين الذين استولوا بدورهم على حصن أدريانوپل في مارس وأجبروا العثمانيين في النهاية على تقبل الهزيمة والعودة لمنضدة السلام. بينما كانت بلغاريا تحارب ظهر تحد آخر من الشمال: طالبت رومانيا ببعض التعويضات الإقليمية في مقابل التزامها الحياد خلال الحرب. عُقد اجتماع في سانت بطرسبرغ لحل هذا النزاع عن طريق إهداء بلدة سيليسترا إلى رومانيا، ولكن هذا القرار أغضب كلى البلدين وزرع فيهما بذور العداوة بينهما.
اُختتمت الحرب رسميًا بتوقيع معاهدة لندن في عام 1913 التي منحت جميع أراضي الدولة العثمانية غرب الخط الواصل بين ميناء ميديا وإينوس (باستثناء ألبانيا) إلى الحلفاء.
عجزت المعاهدة عن تقديم بنود واضحة بشأن كيفية تقسيم أراضي العثمانيين السابقة على الدول المنتصرة، وهو الأمر الذي أدى إلى تفكك اتحاد البلقان. تنبأ جيشوف بهذه الخاتمة التي أشارت إلى إخفاقه في إنشاء تحالف دائم موجه ضد الإمبراطورية العثمانية، واستقال من منصبه كرئيس وزراء. ثم عُين خلفًا له رئيس الوزراء المتعصب ستويان دانيف. لم تكن الحكومة الجديدة على استعداد بالتنازل عن المطالبة بمقدونيا، وكذلك كان الحال مع صريبا واليونان اللتان انزعجا من إنشاء دولة ألبانيا. أما روسيا، التي كان يُنظر إليها كنصير لاتحاد البلقان، فلم تتمكن من السيطرة على الوضع وتسوية النزاعات بين الحلفاء. اعتبرت بلغاريا فشل الدبلوماسية الروسية، والاتفاق الودي بين روسيا وفرنسا وبريطانيا العُظمى نصرًا لها، إذ أنها كانت تسعى وراء عرقلة وحدة دول البلقان. وفي يونيو طلب رئيس أركان الحرب البلغاري من الحكومة الجديدة أن تتخذ إجراءات حازمة أو أن تعلن عن بدء التعبئة في غضون 10 أيام. أبدى كبار المقدمين البلغاريين قلقهم بشأن التحالف الجديد بين صربيا واليونان، وتصاعد القلق في أوساط الجيش البلغاري الذي لم ينفك يحارب في ميادين القتال منذ سبتمبر 1912. كان دانيف يستعد للذهاب إلى روسيا بينما كان القيصر فرديناند والفريق أول ميخائيل سافوف يحاولان الوصول لحل للمشكلة، وبناءً عليه قرر سافوف استعراض قوة بلغاريا أمام صربيا واليونان والتحالف الودي بإرسال جيشان من جيوش بلغاريا لمهاجمة مقدونيا وتوطيد قبضتهم عليها في السادس عشر من يونيو. وبعدها بأكثر من يوم كامل أمر دانيف أن يتوقف سافوف عن القتال، وامتثل الأخير إلى هذا الأمر على الرغم من أوامر القيصر باستمرار الهجوم. أما صربيا واليونان فقد انتهزا تلك الفرصة وأعلنا الحرب على بلغاريا. وكذلك همت رومانيا بغزو بلغاريا بعدما أفطنت إلى فرصتها للفوز بإقليم دبروجة الجنوبية. لم تواجه القوات الرومانية أي مقاومة تُذكر، وتبعتها الدولة العثمانية بعد وقت قصير ونجحت في استعادة تراقيا الشرقية.
أدى نشوب حرب البلقان الثانية إلى تدهور العلاقات بين بلغاريا وروسيا وإلى سقوط حكومة دانيف وسط أنباء هزيمة بلغاريا في ساحة المعركة. تقلد ائتلاف حكومي ليبرالي بزعامة فاسيل رادوسلافوف جديد زمام الأمور، وبدأ على الفور في السعي وراء حل دبلوماسي للأزمة بمساعدة ألمانيا والإمبراطورية النمساوية المجرية. لم تجدي المساومات نفعًا مع صربيا واليونان، ولكن رومانيا وافقت على بدء محاورات السلام في بوخارست بعدما عرضت بلغاريا التنازل عن دبروجة الجنوبية. وفي الوقت ذاته نجح الجيش البلغاري في السيطرة على الوضع على الجبهة الصربية اليونانية وإتخاذ وضع الهجوم. هددت القوات البلغارية بمحاصرة الجيش اليوناني بأكلمه، ولكن نظرًا إلى وجود الجيش الروماني على مقربة من العاصمة صوفيا، واستعداد العثمانيين إلى غزو جنوب شرق بلغاريا بأكملها، وافقت جميع الأطراف المتخاصمة على عقد هدنة في يوليو 1913.
استؤنفت محاورات السلام في بوخارست بعد توقف الأعمال العدوانية. ووجد الوفد البلغاري نفسه في عُزلة تامة، إذ لم يقف في صفه إلا وفدي الإمبراطورية الروسية والإمبراطورية النمساوية المجرية اللذان اضطراه إلى الموافقة على شروط أعدائه التعسفية والتوقيع على معاهدة بوخارست عام 1913. ألزمت المعاهدة بلغاريا بالتنازل عن دبروجة الجنوبية، ومعظم مقدونيا (بما يشمل المنطقة غير المتنازع عليها التي مُنحت مسبقًا إلى بلغاريا بموجب اتفاقية عام 1912 بين بلغاريا وصربيا)، وبلدة كافالا.