اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
بعد استتباب الأمر لِلمُسلمين في أرمينية، قُسِّم هذا الإقليم إلى أربع كور: أرمينية الأولى والثانية والثالثة والرابعة، وهو ذات التقسيم الذي اعتبروه زمن الفُتُوحات لِهذه البلاد. وأعاد المُسلمون بناء مدينة دُبيل وحصَّنوها، وجُعلت مقرَّ الأمير الأرمني، الحاكم الفعليّ لِأرمينية والذي كان يُدين بِالولاء لِلخليفة، وتمركزت فيها حامية إسلاميَّة لِرد غارات الخزر والروم، وقد شكَّلت أرمينية مع أذربيجان والجزيرة الفُراتيَّة ولايةً كُبرى يتولَّاها قائدٌ واحد يُعيِّنه الخليفة من دمشق، ويتخذ من دُبيل مقرًا له إلى جانب الأمير الأرمني. وكانت سُلطة الوالي المُسلم محصورة في إمارة الجيش والدفاع عن البلاد وجمع الخِراج، أمَّا السُلطة السياسيَّة فكانت بِيد الأمير الأرمني الذي كان يُلقَّب «بطريق البطارقة» بِالعربيَّة، ويغلب الظن أنَّ أوَّل من حمل هذا اللقب من الحُكَّام الأرمن كان «بُقراط بن أشوط البقرادوني» (تُوفي بعد سنة 851م)، وكان مسؤولًا عن أعماله أمام الوالي المُسلم، ويتولَّى جباية الخِراج وتسليمها له، ومدِّه بِالمُساندة العسكريَّة فيما لو تعرَّضت البلاد لِخطرٍ مُشترك يُهدد الأرمن والمُسلمين على حدٍ سواء. ونجح الوُلاة المُسلمون في إحباط جميع الدسائس والمُؤامرات التي حاولت الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة استغلالها لِإيقاف مد الفُتُوحات، فضلًا عن المُحاولات المُتعددة لِلكرج من أجل استعادة السيطرة على بلادهم. ولمَّا سقطت الدولة الأُمويَّة وقامت الدولة العبَّاسيَّة على أنقاضها، اتبع الخُلفاء العبَّاسيُّون نفس الأُسلوب الإداري الذي انتهجه الخُلفاء الراشدون والأُمويُّون في أرمينية، وهو تعيين وُلاة مُسلمين إلى جانب أُمراءٍ محليين من البيت البُقراطي البقرادوني الحاكم، وبِشكلٍ وراثيٍّ على العكس من نظام الولاية في بقيَّة البلاد الإسلاميَّة الأُخرى، وامتازت إدارة أرمينية خِلال هذا العصر بِكونها إدارة قويَّة مُنضبطة. وقد بقي أغلب الأرمن على دينهم المسيحي، واحتفظوا بهويَّتهم القوميَّة ولم يستعربوا، بينما دخلت أقوامٌ أُخرى من أهل أرمينية في الإسلام أفواجًا، وفي مُقدمتهم الأكراد، الذين يبدو أنهم شرعوا باعتناق الإسلام مُنذُ سنة 21هـ عندما دخلت غالبيَّة المناطق الكُرديَّة تحت جناح الدولة الإسلاميَّة، وقد دخل أغلب هؤلاء في الإسلام طوعًا، وكان لهم إسهامٌ بارزٌ في الفُتُوحات، وأصبحوا بِمُرور الزمن إحدى أبرز القوميَّات المُسلمة في العالم، إلى جانب العرب والتُرك والفُرس والأمازيغ وغيرهم.