اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
عندما قتل جيش بني أمية ابن الزبير عام 73 هـ، كتب الحجاج بن يوسف الثقفي إلى الخليفة عبد الملك بن مروان يخبره بذلك، ويعلمه بما فعل ابن الزبير في بناء الكعبة، فكتب إليه عبد الملك أن يقر طول الكعبة على ما فعله ابن الزبير، وأن يعيد الحجر كما كان في عهد النبي، فنقض الحجاج الكعبة وأعاد بناءها كما طلب منه عبد الملك بن مروان. روى مسلم عن حديث عطاء قال: «فلما قتل ابن الزبير كتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان يخبره بذلك ويخبره أن ابن الزبير قد وضع البناء على أس نظر إليه العدول من أهل مكة فكتب إليه عبد الملك إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء، أما ما زاد في طوله فأقره، وأما ما زاد فيه من الحجر فرده إلى بنائه وسد الباب الذي فتحه، فنقضه وأعاده إلى بنائه». ثم إن عبد الملك صح له حديث عائشة فندم على ما فعل، فقد ورد في صحيح مسلم عن أبي قزعة: «أن عبد الملك بن مروان بينما هو يطوف بالبيت إذ قال: قاتل الله ابن الزبير حيث يكذب على أم المؤمنين يقول سمعتها تقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عائشة لولا حدثان قومك بالكفر لنقضت البيت حتى أزيد فيه من الحجر فإن قومك قصروا في البناء، فقال الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة: لا تقل هذا يا أمير المؤمنين فأنا سمعت أم المؤمنين تحدث هذا، قال لو كنت سمعته قبل أن أهدمه لتركته على ما بنى ابن الزبير».
قام عبد الملك بن مروان ببناء قبة الصخرة، حيث بدأ العمل في بنائها سنة 66 هـ / 685م، وتم الفراغ منها سنة 72 هـ / 691م. وقد أشرف على بنائها المهندسان العربيان هما: رجاء بن حيوة وهو من بيسان فلسطين، وكان المسؤول عن التصميم والشكل العام للبناء، ويزيد بن سلام مولى عبد الملك بن مروان وهو من القدس، وكان المسؤول عن النواحي العملية في هندسة العمارة. فكر عبد الملك بن مروان أن يغطي الصخرة المقدسة بنوع من البناء يتناسب وقباب المدينة المرتفعة، وقيل إن عبد الملك بن مروان حين فكر في بناء قبة عالية تغطي الصخرة رصد لبنائها خراج مصر لسبع سنين، وحين أنفقت هذه الأموال على البناء بقي منها مائة ألف دينار، فأمر عبد الملك بن مراون بها جائزة للرجلين المشرفين على البناء وهما رجاء بن حيوة الكندي ويزيد سلام فرفضا قائلين: «نحن أولى أن نزيد من حلي نسائنا فضلاً عن أموالنا فاصرفه في أحب الأشياء إليك»، فأمر عبد الملك بأن يصنع منها صفائح ذهبية تكسى بها القبة من الخارج. ذكر بعض المؤرخين أن عبد الملك لما أمر ببناء القبة أقاموا له قبة صغيرة لطيفة كنموذج لقبة الصخرة، ولها أحد عشر ضلعًا من الخارج، وستة أضلاع تحمي القبة الصغيرة، والمعروفة بقبة السلسلة قرب قبة الصخرة، فلما انتهت زارها وقال: «ابنوا قبة أكبر من هذه باثني عشر ضعفًا وانقصوا من الأضلاع»، فتم تجهيز وإعداد الشكل لقبة الصخرة بأضلاعها الثمانية، ثم بدء العمل بها، وقد كانت قبة السلسلة بعد بنائها المكان الرئيسي للإشراف على بناء قبة الصخرة. يأخذ تخطيط قبة الصخرة شكلا مثمَّنا خارجيا، به أربعة مداخل محورية يتقدم كلاً منها سقيفة محمولة على أعمدة، يليها مثمن داخلي مكون من دعائم رئيسة، وبين كل دعامتين عمودان يكونان ثلاثة عقود تكون في مجموعها أربعة وعشرين عقدًا داخل التثمينة، ودائرة من الأعمدة والأكتاف مكونة من أربعة دعائم كبيرة بين كل دعامة وأخرى ثلاثة أعمدة تحمل ستة عشر عقدًا مدببًا، وقد صنعت القبة من الخشب وغطيت من الخارج بطبقة من الرصاص، ويوجد بالرقبة 16 نافذة، وقد أحاطت الدائرة بالصخرة حتى يمكن الطواف حولها. وصف ابن كثير في كتابه البداية والنهاية مدى جمالية المسجد بقوله: «ولم يكن يومئذ على وجه الارض بناء أحسن ولا أبهى من قبة صخرة بيت المقدس، بحيث أن الناس التهوا بها عن الكعبة والحج، وبحيث كانوا لا يلتفتون في موسم الحج وغيره إلى غير المسير إلى بيت المقدس، وافتتن الناس بذلك افتتانا عظيما، وأتوه من كل مكان، وقد عملوا فيه من الإشارات والعلامات المكذوبة شيئا كثيرا مما في الآخرة، فصوروا فيه صورة الصراط وباب الجنة، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووادي جهنم، وكذلك في أبوابه ومواضع منه، فاغتر الناس بذلك، وإلى زماننا، وبالجملة أن صخرة بيت المقدس لما فرغ من بنائها لم يكن لها نظير على وجه الارض بهجة ومنظرا، وقد كان فيها من الفصوص والجواهر والفسيفساء وغير ذلك شيء كثير، وأنواع باهرة».
عندما عيَّن عبد الملك بن مروان الحجاج بن يوسف الثقفي أميرًا علي العراق سنة 75 هـ الموافق 694م، اضطر الحجاج للتنقل كثيرًا بين المصرين الكوفة والبصرة، حسبما تقتضيه الظروف الحربية والسياسية آنذاك، وكان ذلك أحد الأسباب التي دعت الحجاج إلى التفكير في بناء مدينة تكون مقرًا لإدارة ولايته الواسعة يطمئن بها على نفسه وأعوانه، ويجمع فيها العناصر الموالية له وفي مقدمها العناصر الشامية، ليتمكن من إخماد كل ثورة تقوم عليه في المستقبل، وقد ذكر أبو الحسن بَحْشَل سبب بناء المدينة بقوله: «وليّ عبد الملك بن مروان الحجاج العراق فأقام بها سنة فقال: أتخذ مدينة بين المصرين أكون بالقرب منهما، أخاف أن يحدث في أحد المصرين حدث وأنا في المصر الآخر فمر بواسط القصب فأعجبته، فقال: هذا وسط المصرين». وذكر الطبري سببًا آخر لبناء مدينة واسط يتمثل في رغبة الحجاج تجنب الاحتكاك بين جند الشام وسكان المدن العراقية البصرة والكوفة. جاء اختيار موقع مدينة واسط بعد بحث وتدقيق واسعين في الأرض الواقعة بين المصرين، ذكر ياقوت الحموي: «أن الحجاج قال لرجل ممن يثق بعقله: امض وابتغ لي موضعًا في كرش من الأرض أبني فيها مدينة وليكن على نهر جار، فأقبل ملتمسًا ذلك حتى سار إلى قرية فوق واسط بقليل يقال لها واسط القصب، فبات بها واستطاب ليلها واستعذب أنهارها، واستمرأ طعامها وشرابها فكتب إلى الحجاج بالخبر ومدح له الموضع، فكتب اليه: اشتر لي موضعًا أبني فيه مدينة، واشترى الحجاج موقع المدينة من صاحبها وهو أحد دهاقين الفرس من داوردان بعشرة الآف درهم، ووعد بأن يرعى جواره ويقضي ذمامه ويحسن اليه». موقع المدينة يقع على نهر دجلة، ويتوسط بين مدن الكوفة والبصرة والمدائن والأحواز، ويقع على طرق التجارة النهرية والطرق البرية. أما سبب تسميتها بهذا الاسم، فهو لأن الموضع الذي اختاره الحجاج لبناء مدينته كان يسمى واسط القصب فسميت نسبة لذلك، وهذا مايذكره ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ، كما ذكر أن أرضها كانت أرض قصب لذلك سميت واسط القصب.
اختلفت المصادر في تحديد سنة بناء المدينة، إلا إأن معظمها يجمع علي أن عملية البناء تمت بين الأعوام (83 هـ - 86 هـ / 702 - 705) أي في أواخر حكم عبد الملك بن مروان الذي استأذنه الحجاج في إنشاء المدينة. بعض الباحثين يرجح بناء مدينة واسط سنة 83 هـ الموافق 702م معززين رأيهم بما وصلهم من مسكوكات فضية مضروبة بمدينة واسط، حيث تعد هذه المسكوكات وثائق أساسية، ويحتفظ المتحف العراقي بدرهم فضي مضروب بواسط سنة 83 هـ، كما ويحتفظ بدرهم آخر ضرب سنة 84 هـ، وهذا أحد أدلة أن بناء المدينة كان قبيل سنة 83 هجرية، وهي خامس مدينة تمصرت في الإسلام بعد البصرة والكوفة والفسطاط والقيروان وثالث مدينة في العراق بعد البصرة والكوفة. كانت واسط تقع على الجانب الغربي لنهر دجلة يقابلها علي الجانب الشرقي مدينة قديمة تسمى كسكر، وقد ربط المدينتين جسر على كل جانب من جانبي النهر، وكان يحيط بالمدينة سور وخندقان. بنى الحجاج في داخل المدينة قصره الذي اشتهر بقبته الخضراء العالية، وأقيم القصر فوق مساحة من الأرض مربعة الشكل أبعادها أربعمئة ذراع في أربعمئة ذراع، وكان له أربعة أبواب كل منها يفضي إلى طريق عرضه ثمانون ذراعًا. وإلى جانب القصر بُني المسجد الجامع، وكانت مساحته مائتي ذراع في مائتي ذراع، وجعل على مقربة من القصر سوقًا كبيرة، وكان في الجانب الغربي سجن الحجاج المعروف بالديماس. بلغت تكاليف بناء مدينة واسط مبالغ كبيرة، ذكر بحشل: «إن ما أنفقه الحجاج قد بلغ خراج العراق لمدة خمس سنين، وإن كان التقدير مبالغًا به إلا أنه يدل على أن بناء مدينة واسط قد كلف أموالا كثيرة»، في حين قال ياقوت الحموي: أنفق الحجاج على بناء قصره والجامع والخندقين والسور ثلاثة وأربعين ألف ألف درهم، فقال له كاتبه صالح بن عبد الرحمن: هذه نفقة كثيرة وإن احتسبها لك أمير المؤمنين وجد في نفسه. فقال فما نصنع، قال: الحرب لها أجمل، فاحتسب منها في الحروب بأربعة وثلاثين ألف ألف درهم، واحتسب في البناء تسعة آلاف ألف». بعد أن سكن الحجاج مدينته الجديدة، أسكن إلى جانب جنده الشامي مجموعات أخرى من السكان العرب من وجوه أهل البصرة والكوفة. كانت واسط في عهد عبد الملك والحجاج مركزًا لإدارة العراق والمشرق الإسلامي، وقام الحجاج وخلفاؤه من بعده بإنشاء دار لضرب المسكوكات والنقود. ظلت المدينة في توسع وازدهار حتي هُجرت وانتهت، بسبب تعرضها للغارات الخارجية وتحول مجرى نهر دجلة الغربي عنها إلى مجراه الشرقي الحالي في القرن الحادي عشر الهجري السابع عشر الميلادي، حيث هجرها سكانها وتحولت بعد ذلك إلى أنقاض وبقايا خرائب.
قام حسان بن النعمان الغساني عام 82 هـ ببناء مدينة تونس لتكون قاعدة عسكرية بحرية، ولتحول دون تكرار البيزنطيين الهجوم على قرطاجة الذي حدث عام 78 هـ. بنى حسان بن النعمان مدينة تونس على أنقاض قرية قديمة عرفت باسم ترشيش القديمة. اختط حسان تونس غربي البحر المتوسط بنحو عشرة أميال، فقام بحفر قناة تصل المدينة بالبحر لتكون ميناء بحريًا ومركزًا للأسطول الإسلامي بعد أن أنشأ فيها صناعة المراكب، واستعان بخبراء في هذه الصناعة زوده بها والي مصر عبد العزيز بن مروان بناءً على توجيه الخليفة عبد الملك. كان الهدف الرئيسي من بناء تونس وضع حد لاعتداءات الروم والمتمثلة بإغارتهم على ساحل إفريقية، وكان الحل المتاح أما المسلمين هو إيجاد قاعدة بحرية، وصناعة بحرية قادرة على إنشاء أسطول مهمته صد العدوان الرومي، فأوعز عبد الملك بن مروان لشقيقه والي مصر عبد العزيز بن مروان، لإرسال ألفي قبطي من المهرة الصناع لإقامة صناعة مراكب بحرية. سعى حسان عند بنائه المدينة لإيجاد حياة اجتماعية قادرة على خدمة الأفراد، فأقام في المدينة المسجد الجامع، ودار الإمارة، وثكنات للجند للمرابطة، وأخذ يقوم بتدوين الدواوين، وتنظيم الخراج والعناية بالدعوة الإسلامية بين البربر، فقام بإرسال الفقهاء ليعلموهم اللغة العربية والدين الإسلامي، وصارت المدينة معسكرًا حربيًا ومركز استيطان وإدارة لدعم الفتوحات. خلال عهد الخلافة العباسية ازدهرت مدينة تونس وكانت جزءا من عدة دول إسلامية مستقلة تعاقبت على حكم المنطقة، من أهمها الأغالبة والفاطميون والمرابطون والموحدون، ثم أصبحت عاصمة للدولة الحفصية في القرن السابع الهجري، وكانت مركزا تجاريا مهمًا في المتوسط وأوروبا. في 1591 حكم العثمانيون تونس، ثم حكمها البايات (ولاة عسكريون) بطريقة شبه مستقلة عن العثمانيين، وفي تلك الفترة ازدهرت المدينة وشكلت ممرًا تجاريًا كبيرًا ومركزًا للتحكم في الملاحة البحرية وحماية السواحل.
أما عن قرطاجنة التي استعادها الروم سنة 78 هـ بعد حملة حسان بن النعمان الأولى، فقد سار إليها حسان، وطرد منها الحامية الرومية التي استقرت فيها بقيادة البطريق يوحنا، واستولى على المدينة عنوة وقام بتخريبها حتى صارت كأمس الغابر كما عبر المؤرخ ابن عذارى. ولم يعد لها بعد ذلك أثر يذكر، حتى جاء الفرنسيين عندما احتلوا تونس، فأحيوها من جديد في صورة ضاحية لمدينة تونس الحالية، وعرفت باسمها الفرنسي، وهو قرطاج وقد أصبحت الآن جزءا من مدينة تونس.