اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
عِلمُ التَّشريح هو أحد فروع علم الأحياء، يُعنى بدراسة شكل وبنية الكائنات الحية وكذا أجزائها (أعضاء، أنسجة). يرتبط علم التشريح بطبيعته بعلم الأجنة، والتشريح المُقَارَن، وعلم الأحياء التطوُّري، لأنه ومن خلال العمليات التي تَدرُسُها هذه العلوم، ينشأ التشريح في إطار زمني فوري (علم الأجنة)، وعلى المدى الطويل (التطور). يُعتبر علم التشريح البشري بأحد العلوم الطبية الأساسية. ينقسم التشريح إلى تشريح عياني ومجهري. يُعنى علم التشريح العياني بفحص أجزاء جسم الحيوان باستخدام البصر. يتضمن التشريح العياني فرع التشريح السطحي. بينما يتضمّن التشريح المجهري استخدام أدوات بصريّة في دراسة أنسجة البُنى المختلفة، ويُعرف كذلك باسم علم الأنسجة، ويتضمن أيضاً دراسة الخلايا. اتّسم التشريح بالفهم التدريجي لوظائف أعضاء وبُنى الجسم البشري. وقد حسّنت الطرق في دراسة التشريح بشكل كبير، بدءاً من فحص الحيوانات، عبر تشريح جثثها وجِيَفِها، حتى وصلت لاستخدام تقنيات التصوير الطبية في القرن العشرين، بما في ذلك الأشعة السينية، والموجات فوق الصوتية، والتصوير بالرنين المغناطيسي. شَكَّل علما التشريح ووظائف الأعضاء زوجاً من العلوم التي تدرَّس غالباً معاً في اختصاصات عديدة، حيث يُدرِّس هذان العلمان بنية الجسم ووظائفه على التوالي.
التشريح هوالدراسة العلمية لبنية الكائنات الحية، بما في ذلك الأجهزة والأعضاء والأنسجة. تشمل هذه الدراسة مظهر ووضعية الأجزاء المختلفة، والمواد التي تتألف منها هذه الأجزاء، ومواقعها وعلاقاتها مع بعضها. علم التشريح منفصلٌ بشكل واضح عن علم وظائف الأعضاء والكيمياء الحيوية، حيث تتعامل هذه العلوم مع وظائف تلك الأجزاء والعمليات الكيميائية التي تجري. على سبيل المثال، يهتم المُشرِّح بشكل، وحجم، وتوضُّع، وبنية، والتروية الدموية، وتعصيب الكبد، بينما يهتم عالم وظائف الأعضاء (الفيزيولوجي) في عملية إنتاج الصفراء، ودور الكبد في التغذية، وتنظيم وظائف الجسم. يمكن تقسيم التشريح إلى عددمن الفروع، منها التشريح العياني والمجهري. التشريح العياني هودراسة البنى التي يكون حجمها كبيراً بما يكفي رؤيتها بالعين المجرّدة، يتضمّن التشريح العياني فرع التشريح السطحي، وهودراسة ملامح الجسم الخارجية. بينمايُعنى التشريح المجهري بدراسة البنى على المستوى المجهري، بما في ذلك الأنسجة(علم الأنسجة)، ودراسة أعضاء الكائن الحي في حالتها غير الناضجة(علم الأجنة). يُمكن أن يُدرس التشريح بوسائل خارجية أوغير خارجية بهدف الحصول على معلومات حول بنية وتنظيم الأعضاء والأجهزة. تتضمن الأساليب المستخدمة التشريح وهوفتح الجسم ودراسة أعضاءه، وتتضمن أيضاً التنظير حيث يتم إدخال أداة مزوّدة بكاميرا فيديوعبر شق صغير في جدار الجسم حيث يُستخدم هذا الأسلوب لاستكشاف الأعضاء وغيرها من الهياكل. كذلك أسلوب تصوير الأوعية الدموية باستخدام الأشعة السينية، أوتصوير الأوعية بالرنين المغناطيسي هي أساليب مستخدمة لتصوير الأوعية الدموية. عادة ما يُقصد بمصطلح "التشريح" تشريح الجسم البشري. على أيّ حال، فإن الكثير من البنى والأنسجة مشتركة في مملكة الحيوان، وتشمل هذه الإشارة في مصطلح "التشريح"، تشريح باقي الحيوانات. كما أن مصطلح "علم تشريح الحيوان" يستخدم عادةً للإشارة للحيوانات على وجه الخصوص. بينما تكون بنى وأنسجة النباتات متشابهة على نحوكبير وتُدرس في علم تشريح النبات.
تحتوي المملكة الحيوانية على الكائنات متعددة الخلايا، وهي كائنات غيريّة التغذية وقادرة على الحركة (على الرغم من كون بعضها قد اعتمدت على أسلوب الحياة المتحركة بشكل ثانوي). معظم الحيوانات لديها أجسام تتكون من أنسجة منفصلة. لدى هذه الكائنات حجرة داخلية للهضم، مزوّدة بفتحة أوفتحتين، كذلك يتم إنتاج الأمشاج في الأعضاء التناسلية متعددة الخلايا، وتتضمن البيضة الملقّحة مرحلة الأرومة في التطوّر الجنيني. لا تشتمل المملكة الحيوانية على الإسفنجيات، على الرغم من امتلاكه خلايا عديدة إلا أنها غير متمايزة. على عكس الخلايا النباتية، لا تمتلك الخلايا الحيوانية جداراً خلويّاً، وكذلك لا تشتمل على صانعات خضراء. كذلك فإن الفجوات العصارية في حال وجودها، تكون في الخلية الحيوانية أكثر عدداً وأصغر حجماً من نظيرتها الموجودة في الخلايا النباتية. تتكون أنسجة الجسم من أنماط عديدة من الخلايا، بما في ذلك تلك الموجودة في الجلد، والعضلات، والأعصاب. كل خلية تمتلك غشاءاً خلوياً يتكوّن من شحميات فوسفورية (فوسفوليبيدات)، وتمتلك أيضاً سيتوبلاسما (هيولى خلوية) ونواة. تُشتق كل الخلايا في الحيوان من الطبقات الإنتاشية الجنينية. تُدعى اللافقاريات الأبسط التي تتشكّل من طبقتين إنتاشيتين هما الأديم الظاهر والأديم الباطن بالكائنات مزدوجة الطبقة الإنتاشية، أما الحيوانات الأكثر تقدّماً والتي تتكوّن أعضاؤها وبناها من ثلاث طبقات إنتاشية، فتدعى بـثلاثية الأرومات. تُشتقّ جميع أنسجة وأعضاء الحيوانات ثلاثية الأرومات من الطبقات الإنتاشية الثلاث للجنين، وهي الأديم الظاهر، والأديم المتوسط، والأديم الباطن. تُصنّف الأنسجة الحيوانية في أربع مجموعات رئيسية هي: النسيج الضام، والظهاري، والعضلي، والعصبي.
الأنسجة الضّامة ليفيّة، وهي تتكوّن من خلايا متناثرة في مادة لاعضويّة تدعى المطرق خارج الخلوي أو المصفوفة خارج الخلوية. يمنح النسيج الضام الشكل للأجهزة. يُصنّف النسيج الضام إلى أنواع رئيسية هي النسيج الضام الرخو، والنسيج الضام الليفي، والنسيج الدهني، والغضاريف، والعظام. يحتوي المطرق خارج الخلوي على بروتينات، يعتبر الكولاجين البروتين الرئيسي والأكثر وفرةً في المطرق خارج الخلوي. يلعب الكولاجين دوراً رئيسياً في تنظيم الأنسجة والحفاظ عليها. يمكن تعديل المطرق خارج الخلوي ليُشكِّل هيكل عظمي لدعم وحماية الجسم. يكون الهيكل الخارجي للجسم سميكاً، يحوي بشرة صلبة يزيدها صلابة إما التمعدن كما هو الحال في القشريات، أو عبر ربط بروتينات لها كما هو الحال في الحشرات. أما الهيكل الداخلي يتوضّع داخلياً ويوجد في جميع الحيوانات المتقدّمة، وكذلك في العديد من الكائنات الأقل تطوراً.
يتكوّن النسيج الظهاري من خلايا معبئة، ترتبط بشكل وثيق ببعضها البعض بواسطة جزيئات معينة بين الخلايا، ورغم هذا تظل هناك مسافة ضئيلة بين الخلايا. يمكن للخلايا الظهارية أن تكون مسطّحة، أو مكعّبة، أو عمودية، وترتكز بقية الخلايا على الصفيحة القاعدية، التي تمثّل الطبقة العليا من الغشاء القاعدي،بينما تكون الطبقة السفلية من الغشاء القاعدي شبكية ومرتكزة على النسيج الضام في المطرق خارج الخلوي المُفرز من قِبل الخلايا الظهارية. هناك أنواع مختلفة من الخلايا الظهارية، وهي معدّلة لتُناسِب وظائف معينة. في الجهاز التنفسي يوجد نوع من الظهارة المهدّبة المبطنة للجهاز. في الأمعاء الدقيقة هناك زغيبات على البطانة الظهارية. في الأمعاء الغليظة زغابات معويّة. يشتمل الجلد في طبقته الخارجية على ظهارة مسطحة مطبّقة كيراتينية تغطي السطح الخارجي لجسم الفقاريات. تشكّل الخلايا الكيراتينية قرابة 95% من الخلايا في الجلد. تفرز الخلايا الظهارية على السطح الخارجي للجسم مطرقاً خارج خلوي لتشكيل البشرة، أما في الحيوانات البسيطة تكون على شكل معطف من البروتينات السكّرية. في الحيوانات الأكثر تقدّماً، العديد من الغدد تتشكّل من خلايا ظهارية.
تشكّل الخلايا العضلية النسيج القلوص النشط في الجسم. تتضمن وظائف النسيج العضلي إنتاج القوّة التي تسبب الحركة، إما على مستوى الجسم أو على مستوى الأعضاء الداخلية. تتشكل العضلة من خيوط قلوصة دقيقة ومنفصلة إلى ثلاثة أنواع رئيسية هي: العضلية الملساء، والعضلية الهيكلية، والعضلية القلبية. لا تبدي الألياف العضلية الملساء أيَّة تخططات عند الفحص المجهري، تتقلّص ببطء، ولكن يستمر التقلص لمدة أطول، توجد تتقلص العضلات الهيكلية بسرعة ولكن بامتداد محدود، وتوجد في حركة الذيل والفك. العضلة المخططة بشكل مائل تتواسط بين النوعين السابقين. ويتواجد هذا النوع مثلاً في ديدان الأرض القادرة على التمدد ببطء أو الانكماش بسرعة. في الحيوانات الأرقى تكون العضلات المخططة بشكل حزم مرتبطة إلى عظام لتدعم حركتها. توجد العضلات الملساء في جدران الرحم، والمثانة، والأمعاء، والمعدة، والمريء، والطرق التنفسيّة، والأوعية الدمويّة. بينما ينحصر وجود الألياف العضلية القلبية في القلب فقط، حيث يسمح تقلص هذه الألياف للقلب بضخ الدم إلى سائر أنحاء الجسم.
يتكوّن النسيج العصبي من خلايا عصبية عديدة تُعرف باسم العصبونات، وهي تقوم بنقل المعلومات في الجسم. في بعض الحيوانات البحرية الشعاعية المتناظرة بطيئة الحركة كالctenophores والمجوّفات(التي تتضمن قنديل البحر)، في هذه الحيوانات تشكّل الأعصاب شبكة عصبية، ولكن في معظم الحيوانات تنتظم الأعصاب بشكل طولي في حزم. في الحيوانات البسيطة، يؤدي تنبيه خلية عصبية مستقبلة في جدار الجسم إلى ردة فعل محلية تجاه المنبه. أمّا في أكثر الحيوانات تعقيداً، فإن الخلايا الحسية المستقبلة المتخصصة كالمستقبلات الكيميائية والضوئية تتجمّع وتقوم بإرسال الرسائل على طول الشبكات العصبية إلى أجزاء أخرى من الكائن. يمكن أن تكون الخلايا العصبية متصلة في العُقد. في الحيوانات العليا، تكون المستقبلات المتخصصة أساساً لحواس، وهناك جهاز عصبي مركزي (دماغ ونخاع شوكي) وجهاز عصبي محيطي. يتكون الجهاز العصبي المحيطي من أعصاب حسية تنقل المعلومات من الحواس، وأعصاب حركية تؤثر على أعضاء مستهدفة معينة. ينقسم الجهاز العصبي المحيطي إلى جهاز عصبي جسدي ينقل الإحساس ويسيطر على العضلات الإرادية، وجهاز عصبي ذاتي وهو يتحكم بالعضلات الملساء بشكل لا إرادي ويتحكم ببعض الغدد والأعضاء الداخلية، بما في ذلك المعدة.
تم العثور على برديات مصرية قديمة، إحداها كانت بردية إدوين سميث التي تعود إلى 1600 قبل الميلاد، وهي نص طبي يصف القلب وأوعيته والكبد والكلى والطحال والرحم والمثانة، كذلك بردية إبيرس التي تعود إلى 1550 قبل الميلاد والتي وصفت على أنها "أطروحة عن القلب"، وقد وصفت هذه البردية الأوعية التي تحمل السوائل من وإلى مختلف أعضاء الجسم.
مرّت علوم التشريح والفيزيولوجيا الإغريقية بتغيرات كبيرة، وتقدّمت بشكل ملحوظ في بدايات العصور الوسطى. توسّعت هذه الممارسات الطبية بازدياد فهم بنى الجسم ووظائف أعضائه. سُجِّلت حينها الملاحظات التشريحية العيانية، وقد ساهمت هذه الملاحظات في فهم الجهاز العصبي والدماغ على وجه الخصوص، بالإضافة إلى إعضاء العين والكبد والأعضاء التناسلية.
تطوّر علما التشريح والفيزيولوجيا الإغريقيين في الإسكندرية بشكل لافت، إذ احتوت مدينة الإسكندرية على أكبر مكتبة للمخطوطات والكتب الطبية وكتب الفنون، بالإضافة إلى أن الكثير من المزاولين لمهنة الطب والفلاسفة سكنوا الإسكندرية. وقد نافست الإسكندرية آنذاك بقية الولايات الإغريقية في الإنجازات الثقافية والعلمية، وقد ساعد على هذا الرعاية التي تلقتها العلوم والفنون فيها من حكام بطليموس.
ظهرت مبكراً أبرز القفزات في علمي التشريح والفيزيولوجيا في الإسكندرية الهيلانية. اثنان من أهم علماء التشريح والفيزيولوجيا الإغريقيين في القرن الثالث قبل الميلاد كانا هيروفيلوس وإيراسيستراتوس، وقد ساهم هذا الطبيبان في تشريح الجثث البشرية لغاية البحث الطبي، كما قاموا بعمليات التشريح على جثث المجرمين المُدانين، على الرغم من اعتبارها محرَّماً حتى عصر النهضة، وقد أقرّ هيروفيلوس بأنه أول من قام بعمليات تشريح منهجيّة. وقد عُرِف هيروفيلوس بأعمالها التشريحية مما خلّد اسمه في إسهامات واسعة في فروع عديدة من علم التشريح، وجوانب طبية أخرى. وقد اشتملت أعمال هيروفيلوس على تصنيف نظام النبضة القلبية، واكتشاف أن جدران الشرايين أكثر سمكاً من الأوردة، بالإضافة إلى اعتبار الأذينات جزء من القلب. وفّرت معرفة هيروفيلوس مدخلاتٍ حيوية لفهم الجهاز العصبي وخصوصاً الدماغ، والعين والكبد والأعضاء التناسلية، وتوصيف مسار المرض. وصف إيراسيستراتوس بنية الدماغ، بما في ذلك أجوافه وأغشيته، وميّز بين المخ والمخيخ. اهتم إيراسيستراتوس أثناء دراسته بشكل خاص بدراسة جهاز الدوران والجهاز العصبي. وكان إيراسيستراتوس قادراً على التمييز بين الأعصاب الحسية والحركية في الجسم البشري، واعتقد بأن الهواء يدخل الرئتين والقلب، والذي بدوره يحمله إلى سائر أنحاء الجسم. ميّز إيراسيستراتوس كذلك بين الشرايين والأوردة، حيث تحمل الشرايين الهواء عبر الجسم، فيما تحمل الأوردة الدم من القلب، وقد اِعتُبر هذا التمييز اكتشافاً تشريحياً هامّاً. وقد وصف وسمّى لسان المزمار، وصمامات القلب ومنها الصمام ثلاثي الشُرَف. وخلال القرن الثالث قبل الميلاد، كان الأطباء الإغريقيين قادرين على التمييز بين الأعصاب والأوعية الدموية والأوتار ويعرفون أن الأعصاب تحمل نبضات عصبية. وقد قال هيروفيلوس أن أذيّة الأعصاب المحركة تؤدي إلى الشلل. وقام هيروفيلوس كذلك بتسمية السحايا والبطينات في الدماغ، ولاحظ الانقسام بين بنيتي المخ والمخيخ، وقال بأن الدماغ هو"مقر التفكير" لا "حجرة التبريد" كما كان قال أرسطو. كما يعود الفضل إلى هيروفيلوس في وصف الأعصاب تحت اللساني والدهليزي والوجهي ومثلث التوائم.
أُنجزت كذلك الكثير من الاكتشافات على مستوى الجهازين التناسلي والهضمي، خلال القرن الثالث قبل الميلاد. حيث اكتشف هيرفليوس ووصف الغدد اللعابية والأمعاء الدقيقة والكبد. وقد قال بأن الرحم عضومجوّف ووصف المبايض والأنابيب الرحمية. وقال بأن الحيوانات المنوية تُنتج في الخصية، وكان أول من ميّز غدة البروستات.
تم وصف تشريح العضلات والهيكل في كوربوس أبقراط، وهو عمل طبي إغريقي قديم، مؤلفوه مجهولون. وصف أرسطو تشريح الفقاريات اعتماداً على جثث الحيوانات. حدد براكساجوراس الفرق بين الشرايين والأوردة كذلك. في القرن الرابع قبل الميلاد، خرج هيروفيلوس وإيراسيستراتوس بأوصاف تشريحية أكثر دقة اعتماداً على تشريح المجرمين المُدانين خلال عهد أسرة البطالمة.
في القرن الثاني، اشتهر جالينوس ككاتب وفيلسوف ومشرّح وطبيب، وقد قدّم آخر الأطروحات التشريحية وأكثرها تأثيراً في العصور القديمة. فقد جمع فيها المعارف التشريحية الموجودة آنذاك، ودرس التشريح اعتماداً على جثث الحيوانات. وكان جالينوس أحد أوائل الفيزيولوجيين التجريبيين، وذلك من خلال تشريح الأحياء الذي أجراه على الحيوانات. وأصبحت رسومات جالينوس، التي تستند معظمها إلى تشريح الكلب، كتابَ التشريح الوحيد لألف سنة لاحقة. وقد عرف أطباء عصر النهضة أعمال جالينوس من خلال طب العصر الذهبي الإسلامي، إلى أن تمت ترجمة أعمال جالينوس من الإغريقية مباشرة في القرن الخامس عشر.
تطور التشريح قليلاً بدءاً من العصور الكلاسيكية حتى القرن السادس عشر، كما كتب المؤرخ ماري بواس حول هذا الموضوع قائلاً:
بين عامي 1275 و1326، نفّذ المشرحون موندينودي لوتزي وأليساندروأتشيليني وأنطونيوبينفيني في بولونيا أول عملية تشريح بشري منهجية منذ العصور القديمة. مثّل فيما بعد كتاب موندينوفي التشريح أول كتابٍ مدرسيّ في إعادة اكتشاف التشريح البشري في عصر النهضة، حيث وصف الكتاب الجسم البشري وفق الترتيب الآتي: البطن أولاً ثم الصدر ومن ثم الرأس والأطراف، مثّل هذا الكتاب كتاب التشريح المرجعيّ لقرن من الزمان. تدرب ليوناردودافينشي (1452-1519) في التشريح على يد الرسام أندريا دل فروكيو. واستفاد من معرفته التشريحية في أعماله الفنية، وقد رسم العديد من الرسومات التي صوّر فيها البنى الهيكلية والعضلات وأعضاء البشر وفقاريات أخرى قام بتشريحها. يعتبر أندرياس فيزاليوس (اللاتينية: Andries van Wezel)(1514-1564) وهوأستاذ التشريح في جامعة بادوفا، يُعتبر مؤسس علم التشريح البشري الحديث. نشر فيزاليوس كتابه المؤثر في التشريح في دوقية برابنت، وهوكتاب "بنية الجسم البشري" (اللاتينية: De humanicorporisfabrica) في سبعة مجلدات، عام 1543. وقد رسم الرسوم التوضيحية المفصّلة والدقيقة في الكتاب الفنان جان فان كالكار أحد تلامذة تيتيان.
في نهاية القرن الثامن عشر، بدأ إنشاء كليات الطب في الولايات المتحدة. صفوف التشريح تطلّبت وجود جثث مستمر، وهذا الأمر كان صعباً آنذاك. اشتهترت مدن فيلادلفيا وبالتيمور ونيويورك بحالات سرقة الجثث، حيث كان المجرمون يداهمون المقابر ليلاً ويسرقون الجثث المدفونة حديثاً من توابيتهم. ظهرت مشكلة مشابهة في بريطانيا، حيث ظهر طلب كبير على الجثث، ومورست عمليات سرقة للجثث من المقابر، بل وحتى عمليات قتل بغية الحصول على جثث. وقد وصل الأمر إلى حد نصب أبراج للمراقبة في بعض المقابر من أجل حمايتها، توقفت فيما بعد هذه الممارسة بعد أن تم سن قانون التشريح عام 1832، بينما في الولايات المتحدة تم سن تشريع مماثل بعد تجريم الطبيب ويليام إس فوربس الذي ينتمي لكلية جيفرسون الطبية عام 1882، تم تجريمه بتهمة "التواطؤ" مع نابشي قبور بنبش قبور في مدفن لبنان.
انتقل تعليم التشريح إلى مرحلة جديدة على يد الأستاذ الملكي في بريطانيا السير جون ستروثيرز، وقد كان أستاذاً ملكياً في جامعة أبردين منذ 1863حتى 1889. وقد وضع السير جون نظام تعليم ثلاث سنوات "قبل سريرية"، تكون أكاديمية وتتضمن العلوم الطبية الأساسية بما فيها التشريح. واستمر هذا النظام حتى إعادة تشكيل التدريب الطبي في 1993 و2003. وأثناء تدريسه، جمع السير جون العديد من الهياكل العظمية لفقاريات عديدة في متحفه للتشريح المقارن، ونشر أكثر من سبعين ورقة بحثية، وأصبح مشهوراً كذلك لتشريحه حوت تاي الشهير. ومنذ 1822 نظّمت الكلية الملكية للجراحين تعليم التشريح في المدارس الطبية. وقد أتاجت المتاحف الطبية نماذج في التشريح المقارن، وكانت هذه النماذج تستخدم في التعليم. بحث أجناتس سميلفيس حمى النفاس، واكتشف سبب حدوثها، وقد لاحظ أن حالات الحمى المميتة تحدث بوتيرة أكبر عند الأمهات اللواتي تم فحصهن من قبل طلاب طب أكثر من القابلات. كان الطلاب يخرجون من المشرحة، ويتوجهون إلى جناح الولادات في المستشفى. أظهر بحث سميلفيس، أنه يمكن تقليل انتشار حالات حمى النفاس عبر غسل المتمرنين لأيديهم بالجير (أوكسيد الكالسيوم) المكلور قبل كل فحص سريري. قبل الإجراءات الطبية الحديثة، كانت الوسائل الرئيسية لدراسة بنى الجسم الداخلية الجس والتشريح. مثّل ظهور المجهر بوابة لفهم وحدات بناء الأنسجة الحية. وازدادت قوة الكاشفة للمجهر بتقدم التقنيات تطوير العدسات اللالونية، وحوالي عام 1839 أكد ماتياس شلايدن وثيودور شوان أن الخلايا تمثل الوحدة الأساسية لتنظيم الكائنات الحية. تضمنت دراسة البنى الصغيرة تمرير الضوء عبرها، وتم اختراع المقطاع (المشراح) لتوفير عينات صغيرة لدراسة الأنسجة الحية باستخدام المجاهر. تم تلطيخ هذه العينات باستخدام أصبغة اصطناعية للتمييز بين الأنسجة، ومن هنا بدأت علوم الأنسجة والأحياء الخلوية (البيولوجيا الخلوية) بالتطور أواخر القرن التاسع عشر. فيما بعد، مثّل اختراع المجهر الإلكتروني قفزةً كبيرة في القوة الكاشفة في المجاهر، وسمح في البحث في "فوق بنية" الخلايا والعضيات والبنى الأخرى فيها. في الوقت ذاته، في خمسينيات القرن العشرين، فتح استخدام تقنية حيود الأشعة السينية في دراسة البنى البلورية للبروتينات والحموض النووية والجزيئات الحيوية الأخرى، فتح مجالاً واسعاً أمام التشريح الجزيئي. أمكن تمرير أشعة كهرطيسية ذات طول موجي قصير كالأشعة السينية من خلال الجسم، واستخدامها في التصوير الشعاعي الطبي لعرض البنى الداخلية للجسم، وذلك اعتماداً على امتلاكها لدرجات مختلفة من الامتصاصية الضوئية. في هذه الأيام، تستخدم تقنيات حديثة كالتصوير بالرنين المغناطيسي والتصوير المقطعي المحوسب والكشف الفلوري والتصوير بالموجات فوق الصوتية، وقد مكنت هذه التقنيات الباحثين والممارسين من فحص الأعضاء، الحية أوالميتة، وحتى التفاصيل الدقيقة، وتستخدم هذه التقنيات بغرض التشخيص والعلاج وهي توفر معلوماتٍ عن البنى والأعضاء الداخلية للجسم، إلى درجة ما كان من الممكن حتى تخيلها من الأجيال السابقة.