اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
ظهور :الموسيقى الأندلسية في الجزائر" · (كما في المغرب العربي ككل) ارتبط بهجرة الأندلسيين (مسلمين ويهود) من شبه الجزيرة الأيبيرية، واستيطانهم (أو تأسيسهم) لمدنٍ جزائريةٍ عديدة.
يُمكن حصر الهجرة الأندلسية في محطتين تاريخيتين: الأولى قبل انهيار غرناطة (في نهاية القرن الخامس عشر)، وهي الفترة التي تَلَت سقوط المدن الإسلامية كقرطبة وإشبيلية وغيرها، والثانية بعد سقوطها، وصولاً إلى الهجرة النهائية، إثر قرار الطرد الذي أصدره الملك فيليب الثالث في بداية القرن السابع عشر. فعلى سبيل المثال يتحدث العديد من المصادر أن مدينة تِلْمْسَان، وقبل أن تستقبل أعداداً كبيرةً من المهاجرين الغرناطيين بعد سقوطها، كان قد وصلها عشرات الآلاف من سكان قرطبة في القرن العاشر ميلادي ثم تتابعت "موجات" أخرى في القرن الثالث عشر من إشبيلية باتجاه مدنٍ في شرق الجزائر كانت آنذاك ضمن سلطة بني حفص (سلالة بربرية من قبيلة مصمودة في الأطلس الكبير، استقلّت بالمغرب الأدنى بعد سقوط امبراطورية المُوَحِّدين، واتخذت من تونس عاصمة لها)، أبرزها بجاية، قسنطينة وعنابة.
كان اختيار الإشبيليين للدولة الحفصية منطقياً بالنظر للعلاقة التي ربطتهم بهذه السلالة، منذ أن كان المؤسّس "أبو زكريا يحيى بن حفص" حاكماً لإشبيلية عن المُوَحِّدِين الذين حكموا كل بلاد المغرب والأندلس.
وفي بداية القرن السادس عشر مع وصول الأخوة بربروس إلى الجزائر والدور المركزي الذي لعبوه في صدِّ الهجمات الإسبانية وإنقاذ المسلمين الأندلسيين من جهة، وفي تشكيل "الكيانية الجزائرية الحديثة" من جهة أخرى، تواصل تدفّقهم، فاقْتَطَعَ خير الدين بربروس أراضٍ لرئيسهم، المُتَصَوِّف "سيدي أحمد الكبير" الذي اخْتَطَّ فيها مدينة "البُلَيْدَة"، كما فعل بعده إبنه (حسن باشا) مع مجموعاتٍ من الغرناطيين والقرطبيين، فأسّسوا مدينة "القُلَيْعَة".
فإن مدرسة قرطبة التي أسَّسَها زِرْيَابْ، كانت "المدرسة الأمّ" التي أَرْسَتْ قواعد النمط الموسيقي الأندلسي الذي انتشر في باقي المدن كإشبيلية وبلنسية وغرناطة، فتشكَّلت في هذه المدن مدارس تتميّز كل منها بِخُصُوصِّياتٍ في النَوْبَات والأداء والأزْجَال، ما يجعل إمكانية التفريق بين ألحان كل مدرسة، أمراً مُتَاحاً حتى لِغَيْرِ المُختصّين في الموسيقى.
من الطبيعي أن تنتقل تلك الفروق مع المهاجرين الأندلسيين للجزائر، فتصبح تلك الأنماط الموسيقية المختلفة، التي توارثتها الأجيال عبر تقاليد شفوية تعبيراً عن أصولها، فما يُسَمَّى بموسيقى "الصَّنْعَة" في مدينة الجزائر العاصمة وما جاورها من حواضر في وسط البلاد كالبُلَيْدَة والقُلَيْعَة، ورثت المدرسة القرطبية وأضحت نَوْبَاتُها هي الناظم الأساس لكل مظاهر الحياة الفنية في المنطقة بل والدينية أيضاً سواء من خلال قصائد المديح، التي كانت ولا تزال تُؤدَى في ذكرى ميلاد الرسول ("المُولُود" في اللهجة الجزائرية) والتي تُسمّى ب"المُولُودِيَات"، أو من خلال أداء المُؤَذِّنِين للصَّلاة في المساجد.
أما ما بات يُعرف بــــ"الطرب الغرناطي" في تِلْمْسَان فهو امتداد لمدرسة غرناطة وتفرّع منه طابع "الحوزي" وهو الذي اختصّ به سكان أحواز المدينة (أطراف تِلْمْسَان)، ولا تُؤدّى قصائده باللغة العربية الفصحى كباقي الموروث الغرناطي وإنما باللهجة العامية. أما موسيقى "المَالُوفْ" في قسنطينة وعنابة فهي سليلة المدرسة الإشبيلية في تَمَيُّزِها على مستوى النَوْبَات كما المُوَشَّحات والأَزْجَال.
المُؤكّد هو أن الموسيقى الأندلسية في الجزائر حافظت على قواعدها الأساسية رغم ما تعرّضت له من تأثيرات عبر الزمن، من الفولكلور المحلي أولاً ثم من الموسيقى التركية منذ القرن السادس عشر تاريخ (بداية الوجود العثماني)، ثم لاحقاً من الموسيقى الأوروبية في فترة الاستعمار الفرنسي.