اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
قبيل الساعة 13:15 أبلغ المدنيين الأكراد مركز التنسيق العسكري بأنهم رأوا حطام مروحيتي بلاك هوك تم إسقاطهما على بعد 40 ميل (64 كم) شمال أربيل دون وجود أي ناجين. وسرعان ما تداولت وسائل الإعلام الخبر وأذاعته شبكة سي إن إن.
وفي خلال ساعات أحيط الرئيس الأمريكي بيل كلينتون علمًا بالحادث فدعا رئيسيّ وزراء المملكة المتحدة وفرنسا؛ جون ميجور وفرنسوا ميتيران ليعبر لهما عن بالغ أسفه وتعاطفه لسقوط ضحايا مدنيين من بلادهما في ذلك الحادث. وبعد بضع ساعات أذاع التليفزيون مؤتمرًا صحفيًا للرئيس كلينتون صرح فيه بأنه أعطى أوامره لوزارة الدفاع الأمريكية لإجراء تحقيقاتها في الحادث، كما أضاف كلينتون قائلاً "سوف نجد الحقائق وسنجعلها متاحة للشعب الأمريكي والبريطاني والفرنسي والتركي ولحلفائنا في عمليات التخفيف من الكرب."
وعلى الفور قام روبرت تشارلز أوكس، اللواء بالقوات الجوية وقائد القوات الجوية الأمريكية في أوروبا بتعيين لجنة تحقيق في الحادث تتبع قانون القوات الجوية رقم 14-110، تتكون من رئيس اللجنة وأحد عشر عضوًا من القوات الجوية الأمريكية والجيش الأمريكي، وثلاثة أعضاء منتسبين من فرنسا وتركيا والمملكة المتحدة، وأربعة مستشارين قانونيين، وثلاثة عشر مستشارًا تقنيًا. وكان رئيس تلك اللجنة هو جايمس أندروس اللواء بالقوات الجوية الأمريكية. ونُشرت نتائج التحقيقات علنًا ولكن قد تُستخدم شهادة الشهود ضدهم في الإجراءات التأديبية العسكرية. لهذا السبب وبعد حوادث مؤسفة خطيرة كانت القوات الجوية الأمريكية تلجأ أيضا إلى إجراء تحقيق آمن منفصل حيث لا يتم نشر نتائج التحقيقات علانية وتكون شهادة الشهود فيه مُحصّنة ضد القضاء. إلا أن القوات الجوية قررت عدم إجراء أي تحقيق آمن لأسباب غير معروفة.
وبعد استجواب 137 شاهدٍ وإجراء العديد من الاختبارات، تم نشر التقرير النهائي للتحقيقات علنًا في يوم 13 يوليو (تموز) 1994 في كتاب من سبعة وعشرين جزءً يحوي 3,630 صفحة، إلا أن بعض المسئولين المجهولين من وزارة الدفاع قاموا بتسريب بعض تفاصيل التقرير إلى وسائل الإعلام قبل أسبوعين.. توصلت اللجنة إلى سبعة استنتاجات عامة تعتقد أنها تسببت في وقوع الحادث:
وقد ذكر التقرير أنه لا توجد أية أدلة على أن كبير مسئولي أواكس (وانغ)، وقائد طاقم المهمة (تريسي)، وأو عضو القيادة في أواكس (مارتن) قد أجروا أية اتصالات لاسلكية خلال عملية اعتراض طريق المروحيتين أو أعطوا أية توجيهات لطاقم أواكس أو لطياريّ المقاتلتين إف-15. وعلى الرغم من أن قواعد الاشتباك في عمليات التخفيف من الكرب كلفت طاقم أواكس بمهمة مراقبة ورصد عمليات المروحيات في منطقة المسئولية التعبوية، فإن اللجنة وجدت أن طاقم أواكس يرى أنه ليس المسئول عن مراقبة مروحيات البلاك هوك الأمريكية أو التأكد من أن طائرات التحالف الأخرى كانت على علم بوجود عمليات لمروحيات البلاك هوك في منطقة المسئولية التعبوية. وعندما سأل المحققون باللجنة طاقم أواكس عن المسئول عن تتبع المروحيتين، قال تريسي "ليس بوسعي أن أخبركم، فأنا حقيقةً لا أعرف." وعندما سأل المحققون وانغ نفس السؤال رد قائلاً "لا يوجد أحد مسئول." وعندما سأل المحققون مارتن عن الإجراءات التي اتخذها حين طلبت مقاتلتي إف-15 كشفًا بصريًا عن مروحيتي هايند، قال مارتن "لم أفعل شيئًا."
وجدت اللجنة أن فرقة العمل المشتركة التي شاركت في عمليات التخفيف من الكرب، التي يقودها بيلكنتون وإيمري وريتشاردسون والعديد من قادة القوات الجوية الأمريكية، قد فشلت في دمج المروحيات مع عمليات الطائرات في منطقة المسئولية التعبوية. وأدلى ضابط من فرقة إيجل فلايت بشهادته فيما بعد بأن رئيس هيئة أركان فرقة العمل المشتركة، وهو ضابط بالقوات الجوية الأمريكية، أخبره أن وحدة البلاك هوك بالجيش لا تعتبر جزءً من عمليات التخفيف من الكرب. ولهذا لم يحاول طاقم فرقة العمل المشتركة، بقيادة جايمز راستي أوبراين العقيد بالقوات الحوية الأمريكية، أن ينسق مهمات مروحيات البلاك هوك التابعة للجيش الأمريكي مع أوامر المهمات الجوية اليومية. في الواقع لم يضع أوبراين ولا من سبقه أية إجراءات لنقل المعلومات أو مهمات البلاك هوك إلى عناصر القوات الجوية المشتركة (CFAC). اتصل العقيد طومسون قائد مركز التنسيق العسكري بالعقيد أوبراين بصفة شخصية ليلة 13 إبريل (نيسان) ليخبره بمهمة البلاك هوك في اليوم التالى بشمال العراق، وهي المهمة التي وافق عليها بيلكنتون شخصيًا على وجه التحديد قبل ذلك اليوم. ويبدو أن أوبراين أو طاقمه لم يحاولوا نقل معلومات معينة عن تلك المهمة إلى أواكس أو وحدات المقاتلات إف-15 في انجرليك، وعناصر القوات الجوية المشتركة، ومدير المهمات البرية، أو إلى عناصر القيادة على متن أواكس.
ولأسباب عجزت قادة القوات الجوية الأمريكية عن شرحها، تم نشر نسختين لأوامر المهمات الجوية في كل يوم، نسخة لوحدات القوات الجوية الأمريكية في انجرليك والأخرى لوحدة إيغل فلايت في برينش ليك. ولكن لأسباب غير معروفة نتجت أوامر المهمة الجوية التي أُرسلت إلى وحدة إيجل فلايت عن رموز خاطئة لنظام التمييز بين الصديق والعدو بوضع 1 في منطقة المسئولية التعبوية. وعلى الرغم من أن مروحيات البلاك هوك الأمريكية كانت تقوم بعملياتها في منطقة المسئولية التعبوية لما يقرب من عامين كانت طيلة تلك الفترة ترسل رموزًا خاطئة واكتشف ذلك العديد من أطقم أواكس، فإن أحدًا لم يخبرهم أنهم يستخدمون الرمز الخطأ. في يوم الحادث حاولت مقاتلتي إف-15 تحديد هوية مروحيتي البلاك هوك باستخدام وضعين مختلفين لنظام التمييز بين الصديق والعدو (وضع 1 ووضع 4). فلم يستجب وضع 1 لأن المروحيتين كانتا ترسلان الرموز الخاطئة. كما لم يستجب وضع 4 لأسباب تقنية عجزت التحقيقات عن تحديدها بشكل قاطع.
لم تحقق اللجنة ما إذا كانت أية عوامل مؤسسية في القوات الجوية الأمريكية، مثل نقص التدريب بإدارة موارد الأطقم لأطقم الطائرات المعنية، قد تكون عاملاً مسببًا. كما لم تحاول اللجنة أن تحدد ما إذا قام ويكسون أو ماي بانتهاك أي من قواعد الاشتباك الخاصة بعمليات التخفيف من الكرب التي تحددها أوامر المهام الجوية أو غيرها من التعليمات المكتوبة.
ولاحقًا لخّص وليام بيري وزير الدفاع الأمريكي "الأخطاء والهفوات والإخفاقات" التي ساهمت في وقوع الحادث في الآتي: "خطأ طياري المقاتلتين إف-15 في التعرف على مروحيتي البلاك هوك، فشل طاقم أواكس في التدخل، فرقة إيجل فلايت وعملياتها لم تُدمج مع فرقة العمل، وفشل أنظمة التمييز بين الصديق والعدو." وأضاف العقيد شاليكاشفيلي، والذي يعمل حاليًا كرئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، قائلاً "لقد كان هناك عددًا مهولاً من الحالات التي فشل فيها الأفراد في القيام بعملهم كما ينبغي."
في يوم الثامن من سبتمبر (أيلول) 1994 أعلنت وزارة الدفاع عن الإجراءات التي ستتخذها استجابةً لنتائج التحقيقات. فوجهت السلطات القانونية العسكرية إلى ماي ستٍ وعشرين تهمة قتل نتيجة الإهمال. كما اتُهم كل من مارتن وتريسي ووانغ وهالكلي وويلسون بالتقصير في تأدية الواجب. وقد واجه حميع هؤلاء المتهمون جلسة استماع تُعرف باسم "جلسة المادة 32"، وهي التي سيحدد فيها إذا سيتم تقديمهم إلى محاكمة عسكرية أم سيتم التصرف في الأمر بشكل آخر. حضر مارتن وتريسي ووانغ وهالكلي وويلسون جلسة مشتركة بينما حضر ماي جلسة مستقلة. ولم توجّه الجلسة أيّة اتهامات لويكسون. وعلى الرغم من أن قادة القوات المسلحة لم يدلوا بشيء صراحةً، فإن ويكسون يبدو بلا تهم على عكس ماي وذلك لأن ويكسون أدلى في شهادته بأنه كان متأكدًا من تحديده لهوية مروحيتي البلاك هوك على أنهما مروحيتي هايند معاديتين، بينما ذكر ماي أنه لم يكن متأكدًا من تحديد ويكسون لهوية المروحيتين ولكنه سمح للاشتباك بالمضيّ قدمًا على أي حال.
تنازل مارتن وهالكلي عن حقوقهما في جلسة المادة 32، مما يعني أن قضيتهما سوف تُنظر على الفور في محكمة عسكرية أو وفقًا للإجراءات الإدارية. منح الفريق يوجين سانتاريلي، قائد الفوج الجوي رقم 17، الحصانة لويكسون للإدلاء بشهادته في الجلسات. وبدأت جلسات أعضاء طاقم أواكس في يوم 19 أكتوبر (تشرين الأول) 1994 في قاعدة تنكر الجوية بولاية أوكلاهوما، وكانت جلسات علنية ترأسها العقيد وليام كولويل تحت الولاية القضائية للفريق ستيفن كروكر، قائد الفوج الجوي رقم 8. كانت جلسة ماي سرية وبدأت يوم 7 نوفمبر (تشرين الثاني) 1994 في قاعدة زيمباخ الجوية بألمانيا وترأسها العقيد إدوارد ستار تحت الولاية القضائية للفريق سانتاريلي. جدير بالذكر أن بيلكنتون وإيمري وريتشاردسون وأوبراين رفضوا طلب الإدلاء بشهادتهم في كلتا الجلستين.
في السابع عشر من إبريل (نيسان) 1994 صرّحت القوات الجوية الأمريكية أن كولويل قد أوصى كروكر بتقديم وانغ للمحكمة العسكرية وتطبيق الإجراءات الإدارية غير القضائية على هالكلي لتهمته بالتقصير في تأدية الواجب. كما أوصى كولويل بإسقاط تهم التقصير في تأدية الواجب الموجهة إلى أعضاء طاقم أواكس الآخرين، ولكن لا يزال من الممكن أن يواجهوا إجراءات غير قضاية. فقبل كروكر توصية كولويل وأمَرَ بتقديم وانغ للمحكمة العسكرية وأسقط التهم الرسمية الموجهة لأعضاء طاقم أواكس باستثناء هالكلي الذي طُبِّقت عليه إجراءات المادة 15.
وفي الجلسة قام ماي بتغيير أقواله التي أدلى بها أمام لجنة التحقيق في الحادث قائلاً أنه قد حدد المروحيتين بدون أدنى شك على أنهما مروحيتين هايند عراقيتين. وقد ذكر العميد جون رايفز دالاجر، وهو طيار مقاتلة إف-15 وقائد جناح ويكسون وماي الجوي (الجناح الجوي من الفوج 52) وضابط التحقيق في المحكمة العسكرية رقم 303، قائلاً أنه يرى أخطاء ماي في الحادث "مقبولة". وأوصى ستار بإسقاط التهم الموجهة إلى ماي مشيرًا إلى أنه وجد شهادته من الممكن تصديقها. وفي يوم 27 ديسمبر (كانون الأول) 1994 أعلنت القوات الجوية الأمريكية أن سانتاريلي، طيار المقاتلة إف-15، قد أسقط التهم الموجهة إلى ماي كما قرر عدم مواصلة الإجراءات التأديبة ضد أي أفراد آخرين من عمليات التخفيف من الكرب تحت ولايته القضائية بما فيهم ويكسون وبيلكنتون وإيمري وريتشاردسون وأوبراين. في يناير (كانون الثاني) 1995 أعادت طائرة تُقلّ مجلس تابع للقوات الجوية الأمريكية كل من ويكسون وماي، اللذان كانا قد مُنِعا من الإقلاع منذ وقوع الحادث، إلى وضعية الطيران. ومن ثم تم نقل ويكسون إلى قاعدة راندولف الجوية بولاية تكساس ليخضع لتدريب الطيارين من موجِّه إلى جانب تكليفات تالية في قاعدة كولومبوس الجوية بولاية مسيسيبي.
وفي وقتٍ لاحق أعلنت القوات الجوية الأمريكية عن إتخاذ إجراءات إدارية ضد الأفراد الآخرين المتورطين في الحادث. فتلقي كل من بيلكنتون وإيمري وريتشاردسون خطاب تحذير. كما تلقي كل من مارتن وماي وأوبراين وتريسي وويكسون وويلسون خطاب لوم. ووافق هالكلي على تطبيق إجراءات المادة 15 مما نتج عن تلقيه لخطاب لوم أيضًا. كان مسموحًا للأفراد المتورطين بتقديم التماس لإلغاء الخطابات من سجلاتهم مستقبلاً. وتم تسجيل اللوم في "ملفات المعلومات السلبية" لكل فرد منهم وعادةً ما كان يُرفع اللوم بعد عامين. وأصدر اللواء بالجيش الأمريكي، جورج جولوان والقائد الأعلى للحلفاء بأوروبا أمرًا بإعفاء بيلكنتون من منصبه كقائد لعمليات التخفيف من الكرب ولكن القوات الجوية الأمريكية أبقته على منصبه كقائد لجناح الجسر الجوي من الفوج 86 بقاعدة رامشتاين الجوية بألمانيا. أما أوبراين وإيمري فقد تم نقلهم للعمل ضمن طاقم العاملين في البنتاجون. كما تم نقل ريتشاردسون للعمل بهيئة العاملين بمقر القيادة العليا لقوات التحالف بأوروبا. وتم ترقية إيمري إلى رتبة عميد في يوم 15 من يوليو (تموز) 1994 مع بقاء إمكانية ترقيته.
بدات أولى جلسات محاكمة وانغ العسكرية في الثاني من يونيو (حزيران) عام 1995 بقاعدة تنكر الجوية. ووُجِّهت لوانغ ثلاث تهم بالتقصير في تأدية الواجب. كما تم استدعاء معظم الأفراد المتورطين في الحادث، باستثناء ماي، للإدلاء بشهادتهم وشملوا أعضاء طاقم أواكس وويكسون وبيلكنتون. وقد أدلى معظم الشهود الأربعين بشهادتهم وقد مُنحت لهم الحصانة.
وأثناء المحاكمة أظهرت الأدلة أن وانغ غالبًا ما كان يواجه صعوبة في البقاء مستيقظًا خلال مهمات أواكس. وفي الواقع كانت تلك المشكلة بالغة الخطورة مما استدعى الجيش لإحالته إلى الهيئات الطبية ليتم فحصه إذا ما كان مصابًا بالتغفيق. كما أن وانغ قد فشل مسبقًا عند إجراء الفحص مرتين.
أدلى بيلكنتون، وهو طيار مقاتلة إف-16، بشهادته كقائد لعمليات التخفيف من الكرب قائلاً أنه أرسل العديد من أعضاء الأطقم الجوية معظمهم طياري مقاتلات إف-15 إلى القواعد بديارهم وذلك لانتهاكهم لقواعد أو إجراءات عمليات التخفيف من الكرب أو لعدم إظهارهم حسن التقدير. وقال بيلكنتون ردًا على الأسئلة بشأن الإجراءات التي اتخذها طياري المقاتلتين إف-15 التي أسفرت عن وقوع الحادث قائلاً "أنا لا أفهم وربما لن أفهم أبدًا عقلية ويكسون." وعندما سُئل عما إذا كان ويكسون وماي قد انتهكا قواعد الشتباك الخاصة بعمليات التخفيف من الكرب في الحادث رد قائلاً "نعم." كما أضاف أعضاء طاقم أواكس عند الإدلاء بشهادتهم أنه بمجرد أن حدد ويكسون وماي المروحيتين بصريًا على أنهما معاديتين فإن مسئولية الحادث تنتقل إلى الطيارين بالمقاتلتين إف-15.