اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
كانت صدمة احتلال حلب كبيرة في العالم الإسلامي، لا سيَّما وأنَّها تُعدُّ مُقدمة لِحملاتٍ أُخرى سيقوم بها البيزنطيُّون على الجزيرة الفُراتيَّة والموصل. وفي الأخيرة كان الناس ثائرون غاضبون، فأغلق الأهالي الأسواق، واجتمعوا في المسجد الجامع من أجل ذلك، كما اجتمعوا بِالأمير ناصر الدولة، الذي وعدهم بِالمضيّ في الجهاد. كان سيف الدولة، خِلال هذه المحنة، قابعًا في قنَّسرين يُراقب تطوُّر الأحداث، وما كادت الجُيُوش البيزنطيَّة ترتدّ عن حلب حتَّى عاد إليها لِيجدها خرابًا، فانصرف إلى إزالة آثار العُدوان من واقع إعادة تعميرها، وحرص أن يُعيد إليها ما تفرَّق من سُكَّانها، وعلى الرُغم من ذلك، فإنها لا زالت قليلة العدد، فنقل إليها من استطاع جمعه من سُكَّان مدينة قنَّسرين المُجاورة، والتي تعرَّضت هي الأُخرى لِلحرائق على أيدي الجُنُود البيزنطيين، وأعاد عمارة أسوارها، وشيَّد من جديد ميناء أنطاكية، ثُمَّ التفت إلى إعادة تجميع وتنظيم قُوَّاته لِلرد على التعديات البيزنطيَّة؛ فأرسل في سنة 352هـ المُوافقة لِسنة 963م ثلاث حملاتٍ عسكريَّةٍ لِغزو الأراضي البيزنطيَّة، فدخلتها من ثلاثة محاور مُختلفة. انطلقت الحملة الأولى من طرسوس، ودخلت الأراضي البيزنطيَّة من درب قيليقية، وتوغَّلت فيها حتَّى وصلت إلى قونية، واصطدمت أثناء عودتها بِقُوَّةٍ بيزنطيَّةٍ عند الدَّرب بِقيادة قُسطنطين الملايني وانتصرت عليها. وتوجَّهت الحملة الثانية إلى ملطيَّة بِقيادة نجا غُلام سيف الدولة، الذي عاد إلى ميافارقين بعد أن نفَّذ مُهمَّته، فالتقى بِمُجاهدين آتين من خُراسان، يبلغ عددهم خمسة آلاف رجل، وهُم في طريقهم إلى حلب لِلتطوُّع في جيش سيف الدولة والانتقام من الروم، فلم يمضِ معهم إلى سيِّده. وقاد سيف الدولة الحملة الثالثة، فسبى أكثر من ألفين، ومن المواشي مائة ألف، على الرُغم من أنَّهُ لم يتوغَّل كثيرًا في الأراضي البيزنطيَّة لأنَّهُ كان مريضًا بِالفالج، ويُصاب بِحالات إغماء يُظنُّ معها أنَّهُ قد فارق الحياة، لِذلك عاد إلى حلب من دون أن يُتمَّ مُهمته.
حدث في بيزنطة أن تُوفي الإمبراطور البيزنطي رومانوس الثاني في 16 صفر 352هـ المُوافق فيه 16 آذار (مارس) 963م، وأضحى العرش من حق ولديه الطفلين باسيل الثاني، الذي لم يتجاوز الخامسة من عُمره، وقُسطنطين الثامن، الذي يبلغ سنتين من العُمر، فتولَّت والدتهُما الإمبراطورة تيوفانو الوصاية عليهما، يُساعدُها كبيرُ الوُزراء يُوسُف برنگاس الذي لم يكن فيما يبدو على وفاقٍ معها بِفعل التنازُع على الاستئثار بالسُلطة، وقد نجم عن ذلك أن حصل تقارب بين الإمبراطورة وبين نقفور الذي يكنُّ الكراهيَّة لِبرنگاس، وقد طمع في اعتلاء العرش البيزنطي، وسانده البطريرك المسكوني پوليكتس. وحدث في 7 جُمادى الآخرة 352هـ المُوافق فيه 3 تمُّوز (يوليو) 963م أن نادى الجيش المُعسكر في قيصريَّة، بِتحريض القائدين كوركواس وزمسكيس، بِنقفور إمبراطورًا، واصطحبته العساكر البيزنطيَّة إلى العاصمة لِيُتوَّج في كاتدرائيَّة آيا صوفيا. وفي 15 رجب المُوافق فيه 9 آب (أغسطس)، وصل الإمبراطور الجديد إلى أُسكُدار، وأخذ يُراقب الأوضاع الجارية في العاصمة التي شهدت آنذاك اندلاع ثورة ضدَّ برنگاس، راح يقمعها بِالقُوَّة. وبعد نجاح الثورة والقضاء على برنگاس دخل نقفور العاصمة في 20 رجب المُوافق فيه 14 آب (أغسطس)، وتمَّ تتويجه بعد يومين، فأعلن رعايته لِحُقُوق ولديّ الإمبراطور المُتوفَّى واشتراكهما معهُ في الحُكم، وما كاد يمضي شهر على تتويجه حتَّى تزوَّج تيوفانو.
كانت أهم مشروعات الإمبراطور نقفور فوقاس تحطيم قُوَّة المُسلمين الميدانيَّة ومدّ حُدود الإمبراطوريَّة إلى الشَّام والجزيرة الفُراتيَّة، وقد عيَّن يُوحنَّا زمسكيس دمستقًا في الشرق، وأرسلهُ على رأس جيشٍ ضخمٍ إلى طرسوس لِتأديب أهلها على ما قاموا به من غارات ضدَّ الأراضي البيزنطيَّة، وذلك في شتاء سنة 352هـ المُوافقة لِسنة 963م. وكان سيف الدول قد توقَّف عن الخُروج مع الجُيُوش بعد أن أقعده المرض، فتولَّى أُمراء الثُغُور قيادة الجهاد ضدَّ البيزنطيين، لكنَّهم لم يكونوا بِكفائة سيف الدولة، كما انتهج الإمبراطور الجديد نهج العُنف والإرهاب والقسوة مع مُدن الثُغُور الإسلاميَّة، فاستولى في ربيع سنة 353هـ المُوافقة لِسنة 963م على عين زربة وأضنة، وفي السنة التالية ألحق بها مدينتيّ المصيصة وطرسوس، واتخذ الأخيرة قاعدةً لِلوُثُوب على الشَّام، وحوَّلها إلى مدينةٍ مسيحيَّة وأزالها ما بها من معالم حضاريَّة وثقافيَّة إسلاميَّة، وتنصَّر بعضُ أهلها. وبِفعل التطوُّر العسكري الذي مال لِصالح البيزنطيين، وسيطرة الإمبراطور البيزنطي على المُدن الرئيسيَّة في قيليقية، مال الأمير الحمداني إلى الهُدوء وتبادُل الأسرى، ولمَّا نفذ منهُ أسرى الروم، افتدى من تبقَّى من أسرى المُسلمين بِمائتين وأربعين ألف دينار. ولكن رُغم ذلك استمرَّ البيزنطيُّون يُغيرون على أطراف الشَّام والعراق حتَّى قرَّر نقفور فوقاس تبريد الجبهة الإسلاميَّة والتفرُّغ لِقتال البلغار في أوروپَّا.