اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
يكتنف حدود هذه المنطقة الترابية غموض شديد. فالمعطيات التي يوردها مختلف الجغرافيين والمؤرخين العرب المسلمين ليست دائما متطابقة، ومن المؤكد أن الحدود الثابتة لافريقية لم تكن في أذهانهم واضحة تمام الوضوح. وبوجه عام فإن إفريقية كانت بالنسبة إلى مؤرخي الفتح الأول تطابق المنطقة التي كان يحكمها البطريق غريغوريوس (أو جرجير) وكانت سلطته تمتدّ مبدئيا من طرابلس إلى طنجة (ابن عبد الحكم المتوفى سنة 257هـ/871 م، والبلاذري المتوفى سنة 279هـ/892 م،. على أننا نرى البلاذري، قبل ذلك بصفحة، ينقل قول عمرو بن العاص من كتاب له موجّه إلى عمر بن الخطّاب: "بلغنا طرابلس وهي مدينة بينها وبين إفريقية مسيرة عشرة أيام". أما في رأي الورّاق (القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي)، وهو أحد مصادر البكري فإن "حدود إفريقية تمتد طولا من برقة في الشرق إلى طنجة الخضراء المسماة أيضا موريتانيا في الغرب). أما عرضا فإن هذه الحدود تمتد من البحر إلى الرمال التي هي أول بلاد السودان".
وهكذا فإن "إفريقية" كانت في نظر كلّ هؤلاء المؤلفين تشمل كامل المغرب العربي الإسلامي تقريبا. وقد طرأ على هذا المفهوم تدريجيا شيء من التعديل والدقة عند بعض المؤرخين الاخرين على نحو يقابل التقلبات السياسية التي حدثت بالبلاد على وجه الخصوص.
فالجغرافي "ابن خرداذبه" (المتوفى سنة 272هـ/58 م) الذي يقسم العالم المعمور إلى أربعة أقسام، يختار استعمال الاسم الذي اصطلح عليه اليونان في تسمية القارة الأفريقية فيسميها لوبية (ليبيا)، ويدخل في نطاقها مصر والحبشة وبلاد البربر وغيرها. وهو يخصص لفظ إفريقية ليطلقها على إمارة الأغالبة ويذكر أهم المدن فيها. وإنا لنشاهد هذه النزعة في حصر إفريقية ذاتها، على أقصى ما بلغته من اتساع، في حدود المملكة التي حكمها الأغالبة عند معظم الجغرافيين (ابن الفقيه [المتوفى حوالي سنة 290هـ/903م، البلدان ص 30 - 31, الاصطخري [المتوفى حوالي سنة 350هـ/961م، المسالك، ص 33 ياقوت [المتوفّى سنة 626هـ/1229م، ج1، ص 228، المراكشي [المتوفّى حوالي سنة 647هـ/1249م المعجب، ص 273، 433, 42). وقد كانت هذه المملكة تبدأ من شرق بجاية وتمتد حتى تقف على بعض فراسخ من برقة.
هذا في حين يرى سحنون (المتوفى سنة 240هـ/855م) أن حدود إفريقية كانت تمتد من طرابلس إلى تبنة (حسب الداودي، الأموال، ضمن مزائج (MélangesM). أما المقدسي (المتوفى سنة 375هـ/985م) فإنّ "أوّل ما يعترضك عند خروجك من مصر كورة برقة، تليها إفريقية، ثم كور تاهرت وسجلماسة وفاس، ثم السوس الأقصى" (أحسن التقاسيم، ص 4 - 5,، وهو يذكر من بين مدن أفريقية جزيرة بني مزغنة (أو بني مزغنة، أي الجزائر حاليا) وماتيجة (أي المتيجة) وآشير، وهذه مناطق لم تكن في أي يوم من الأيام خاضعة لسلطان الأغالبة. ولنذكر في آخر هذا العرض أن ياقوت يحدّها غربا - حسب ما يراه البعض - ببجاية أو بمليانة، في حين يذكر ابن أبي دينار أن كلمة إفريقية لم تعد تطلق في عصره (أي في أواخر القرن السابع عشر) إلاّ على سهل مجردة حتى مدينة باجة. ولا يزال هذا المعنى مستعملا إلى اليوم في لغة أهل البادية بالبلاد التونسية.
وجملة القول أنّه قد تُوسّع أحيانا في معنى إفريقية حتى شملت كامل بلاد المغرب العربي كما جرى اعتبارها في بعض الأحيان الأخرى منطقة جغرافية قائمة بذاتها. ويمكن أن نقول إن الرقعة الجغرافية لافريقية كانت تشمل أساسا رقعتي البروقنصلية والمزاق (Byzacène) اللتين تكونان النواة الأصلية فيها، وتضاف إليهما عرضا واستطرادا مقاطعات طرابلس، ومملكة نوميديا الأوراس، بل وجزء من نوميديا السطيفية أحيانا. وقد كان يركّب على هذا المفهوم الجغرافي مفهوم آخر إداري. وبهذا الوجه فإن الاخباريين كانوا يذهبون في كتاباتهم إلى إطلاق اسم إفريقية على الرقعة الترابية التي كان مرجع حكمها في العصر الوسيط مركزا بالتداول في قاعدة القيروان ثم المهدية ثم تونس، وقد كانت هذه الرقعة تتسع وتضيق بحسب ظروف التاريخ وتقلباته. لذلك كان استعمال لفظ إفريقية محاطا في غالب الأحيان بقدر كبير من الغموض، فلم يكن معناه يتضح ويستقيم إلاّ في ضوء السياق المقصود والفترة التاريخية المعيّنة.