English  

كتب intellectual transformation

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

التحول الفكري (معلومة)


بالنسبة للدكتور تيزيني كان هذا التحليل المادي للتراث الإسلامي جديدا بشكل يمثل "ثورة على النظرة التقليدية للتراث". ولكن في منتصف التسعينيات من القرن الماضي، تقريبا، وبتأثير التحولات العالمية التي حدثت سواء في الساحة العالمية، تفكك الاتحاد السوفييتي، أو في الساحة المحلية، تراجع المشروع الثوري القومي، حدث تحول جذري في المشروع الفكري للدكتور تيزيني. يشرح تيزيني طبيعة هذه التحولات في حوار منشور بجريدة الحياة كما يلي، وجواباً عن السؤال، سأقول بعض الصيغ التي أراها أولية واحتمالية. وأبدأ من ملاحظة تتعلق بعنوان أول كتاب لي، في المشروع الذي تتحدث عنه. كان العنوان «من التراث إلى الثورة»، وهو صدر في 1976. والذي أراه اليوم إن أحداث العالم العربي وتطوراته تضطرني وبإلحاح إلى أن أبدأ النظر إلى الكتاب وعنوانه تخصيصاً. تساءلت: هل ما زال هذا العنوان صالحاً بعدما تفككت أفكار كثيرة وتفكك الاتحاد السوفيتي، والأفكار التي كانت مهيمنة في ذلك الحين على فكر تقدمي مهيمن في الساحة العربية؟ بعد رصد ما حدث والتطورات المتلاحقة وضعت يدي على مسألة أظن الآن أنها كانت، بالنسبة إليّ، مدخلاً لاكتشاف ما عليّ أن أنجزه مجدداً: فكلمة «الثورة» الواردة في العنوان لم تعد ذات وجود، بصرف النظر عن التسويغات التي يمكن أن تقدم. لغة العصر لم تعد تتسع لهذه الكلمة. ومن هنا رحت أفكر في كتابي، من ثم انطلقت من الواقع إلى الكتاب ثم من الكتاب إلى الواقع... وفهمت أن مشروع الثورة ذاته بات يعيش اختناقاً قاتلاً. من هنا، ومن خلال قراءاتي الدءوبة في الفكرين العربي والأوروبي، أدركت ما يخيّل إليّ انه البديل المناسب لمفهوم الثورة ومشروعها، وهو مفهوم النهضة ومشروعها... ما أن توصلتُ إلى هذه الفكرة حتى تعاظمت في حياتي الفكرية والسياسية لأدرك أن أهم عنصر من عناصر مشروع الثورة والنهضة (وأعني هنا الثورة الحقيقية) إنما يتمثل في فهم كينونة الحامل الاجتماعي لأية ثورة أو نهضة. وهكذا فكرت ملياً في الأمر حتى توصلت إلى أن الحامل الاجتماعي لأي تحرك في المجتمع العربي هو المجتمع ذاته... المجتمع كله. بدلاً منه، كنا في الماضي نعتبر الحامل الاجتماعي حاملاً طبقياً ونتحدث عن الصراع الطبقي والإشكالية الطبقية، هذا ليس وارداً الآن. حامل المشروع الجديد، النهضوي، لا يمكن الآن إلا أن يكون تحالفاً طبقياً أو سياسياً يضم كل فئات المجتمع. العالم اختلف كثيراً، منذ تفكك الاتحاد السوفيتي وبروز عالم جديد تقوده الولايات المتحدة وحدها. وتبين لي من موقع علم الاجتماع السياسي أن الحامل الحقيقي الاجتماعي لمشروع نهضوي ما يتمثل في الأمة كلها من أقصاها إلى أقصاها. وبتحديد أيديولوجي أكثر، وجدت أن الحامل الاجتماعي لأي مشروع مستقبلي يتمثل في مروحة تنطلق من أقصى اليمين القومي الديمقراطي إلى أقصى اليسار الوطني. أخذت ألاحق هذه المسألة السوسيولوجية الثقافية والسياسية ليتبين لي أن حديثنا عن «المشروع الثوري»، ليس مضللاً فقط، بل هو خطير أيضا، وهكذا انتقلت إلى الموقف الجديد، وفكرت في أن أعيد النظر في مشروعي النظري القديم... وأصيغه حتى في عنوان جديد، معيداً بناء ما يتعين عليَّ بناءه... ثم تركته جانباً، لأصيغ بدلاً منه مشروعاً آخر تماماً، عنوانه «من التراث إلى النهضة». (حوار جريدة الحياة) وقد صاحب هذا التحول من الثورة إلى النهضة ومن الحامل الاجتماعي الطبقي إلى الحامل المجتمعي الشامل للمشروع، تحول مساوق في العلاقة بين الدين عموما والنص القرآني خصوصا. فبدلا من الاعتماد التام على التفسير المادي أصبح من اللازم الدخول إلى جوهر "الإيمان" الديني لأن الحامل الأساسي لمشروع النهضة هو مجموع المؤمنين بالدين الإسلامي، يوضح ذلك كما يلي، أتحدث هنا عن تجربتي الخاصة. اكتشفت أن المسألة الدينية أهمِلت إهمالاً مرعباً من جانب النخب الثقافية، ماركسية أو قومية أو حتى ليبرالية. واكتشفت أن الخطورة تكمن في حقيقة أن النص الديني يقرأ بطرق متعددة يطالب هو ذاته بها. انه نص مرن. من هنا جاء ذلك الموقف الفظ الذي وقفته الماركسية والوضعية والفكر القومي حيال الفكر الديني. لم ندرك في الماضي أن الحامل الاجتماعي لأي تغيير تعيش نسبة عظيمة من أفراده تبعاً للفكر الديني، ما كان ينبغي له أن يحضنا على قراءة جديدة عقلانية ومنطقية للفكر الديني، أي الفكر الحقيقي الذي يتغذى منه المجتمع حقاً. ومع بروز هوية جديدة لمشروع التغيير (النهضة)، باتت هناك الآن مسوّغات كثيرة أصبح من الضروري امتلاك أدواتها الفكرية. ومن هنا أرى أن من المستحيل الوصول إلى أي فكر نهضوي تغييري حقيقي اليوم، من دون إعادة قراءة الفكر الديني والدخول إلى روح الوسط الإيماني. وهذا ما يدفعني إلى التشديد مجدداً على أن الحامل الاجتماعي – الثقافي الذي يمكنه وحده اليوم مساندة الفكر التغييري، يمتد من أقصى اليمين الوطني والديمقراطي إلى أقصى اليسار التقدمي. كأنك بهذا تعيد الأمور إلى مستوى وجود الطبقة الوسطى التي «غابت» منذ عقود، على رغم أنها هي بانية الأوطان والحضارات عادة... علينا أن نواكب فكرياً إعادة إنتاج الفئات الاجتماعية التي تتسم بسمتين أساسيتين (لبناء المجتمعات): اليُسر الاقتصادي والتنوير الفكري. وهذا يأتي ضمن عملية واسعة هدفها إعادة التوازن إلى المجتمعات العربية، وسط زمن عولمي يكاد أن يلتهم كل شيء... وبطريقة تزيد خبثاً وقوة عما فعلت الدولة الأمنية حتى الآن. (حوار جريدة الحياة).

المصدر: wikipedia.org