اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
لم يزل موضوع (الجهل بالتوحيد) وإعذار صاحب الشرك الأكبر بجهله محل نزاع على الساحة بين أبناء التيار الإسلامي على الرغم من قدم الموضوع من ناحية ، وكثرة الأدلة علي بطلان هذا المذهب وكثرة من ألف في بيان زيفه من ناحيه أخري ،
ومع هذا فإن هذا الموضوع هو المسيطر على الساحة وهو العائق من سير الدعوة إلى الإسلام الصحيح الخالي من الغبش وشوائب الشرك،
ولا يزال (المجادلون عن المشركين) يتدثرون بكل ما يستطيعون من أدلة شرعية في غير محلها لإقامة سوق (العذر بالجهل) يحرفون فيها الكلم عن بعض مواضعه ،ويحتجون بالمتشابه يقدمونه علي المحكم ، ويحرفون المحكم عن مدلوله تحت (طاغوت التأويل الذي حقيقته التحريف) ، ولكن هيهات هيهات فالمحكم لا يقبل تأويلا ًولا تحريفاً، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
وقد حدث _ في مناسبة كتابة هذا الكتاب _ أن وجدنا في عام (2018) أن بعض نزلاء سجن جمصة (دمياط) شديد الحراسة ممن ينتمون إلي التيار السلفي وكثير ممن ينتمون إلي الإخوان المسلمون ، وقد كنا جميعا وكثير غيرنا نزلاء هذا المعتقل في هذه الفترة من الزمن لظروف المحنة التي ألمت بالبلاد والعباد حينها ،
أقول وجدت كثير من هؤلاء النزلاء وزملاء المحنة يتداولون فيما بينهم كتاباً في شأن قضية العذر بالجهل كتبه أحد أأمتهم ولا يعنينا اسم هذا الشخص بقدر ما يعنينا ما كتبه خاصة وقد كان النزلاء يتداولون الكتاب علي أنه قيمة علمية كبيرة لما يتضمنه بحسب زعمهم من حجة وبيان في شأن قضية العذر بالجهل وكيف انتصر لها بأعلي ما يكون البيان .
والحقيقة أن كثرة تداول الكتاب والثناء عليه من قبل أفراد السلفية والإخوان شجعني ومن باب الفضول العلمي إلي استعارة نسخة منه ومطالعتها ، وياليتني لم أفعل ...
فقد وجدت أمامي مسخا من العلم المشوه والافتراء المنمق والكذب المزوق وفي قضية من أخطر قضايا الدين وأعظمها تأثيرا علي المنتسبين للدعوة الإسلامية عامة وأشدها أثراً في وقوع الفرقة والخلاف بينهم علي وضوح أدلتها بل وكثرتها في نصوص الذكر الحكيم وسنة سيد المرسلين ، وقد صدق الله العظيم حين قال :
كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213) البقرة
فلم يكن الخلاف والفرقة أبداً لنقص العلم الشرعي أو بيان الأنبياء ، بل لم يكن الخلاف إلا بغياً بين الناس بعضهم علي بعض . وهو الأمر المتعلق بأمراض النفوس والقلوب لا لنقص العلم بل للهوي والبغي .
والحقيقة إنني لم أكن لأعبأ بمخالفة من خالف الحق في هذه القضية _ قضية العذر بالجهل _ علي كثرتهم ولضعف إدراكهم الجاد لقواعد العلم وأصوله ، فكان الحديث معهم ضربا من الجدال المذموم غالبا وكان من الأفضل تجنبه ما أمكن ، وللحديث الشريف : ( أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا ) أبو داود
ولكن جرأة الكتاب وما ورد به من استدلالات مغلوطة وتزيين الباطل وكثرة ذلك دفعني إلي مناقشة هذه المعاني المغلوطة مع بعض من حضرنا في هذه الفترة ثم وجدت أن تدوين بعض هذه الملاحظات والموأخذات لعلها تكون مفيدة لمن يهمة الأمر ، وقد كان بحمد الله وتوفيقه .
فهذه رسالة في مناقشة أحد الأبحاث المدونة في نصرة قضية العذر بالجهل والمتداولة بين أفراد جماعات السلفيين والإخوان المسلمين ، ولم يكن تداولها والاحتفاء بها عن (ثروة) علمية جادة تحملها بل (فقر) في نفوس وعلم الأتباع .
فالله تعالى أسأل أن يجعله عملاً مقبولاً ، وسعياً مشكوراً ، وجهداً في سبيله ميموناً. وقد قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ( إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل أمرئ ما نوى ) فهذا جهد العبد الفقير أتقرب به إلى الله تعالى ، وقد علم ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس؛ لكنه رب المستضعفين. ماذا فقد من وجده معه , وماذا وجد من فقد عونه وتوفيقه وتأييده. فالله أسأل منه العون والمدد، وأرجوه التوفيق والسداد والرشاد، وأدعوه أن يبارك فيه ويجعله منارة هدى على طريق الدعوة، ويتقبل ما فيه من إحسان، ويتجاوز عما فيه من هفوات أو زلات؛ فلا معصوم إلا رسوله الكريم، ولا عاصم إلا الله. ولذا فما في هذا العمل من خير فمن الله، وما فيه من سوء فمن نفسي ومن الشيطان. وأنا أستغفر الله العظيم من كلِ ذنبٍ أو سوء, والعاقبة للمتقين والحمد لله رب العالمين.