English  

كتب نشأة التفسير الموضوعي وتطوره (28,912 كتاب)

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

نشأة التفسير الموضوعي وتطوره (معلومة)

المرحلة الأولى

نشأ علم التفسير الموضوعيّ بشكلٍ فِعليٍّ حينما أُدرِج ضمن مساقات علم التفسير الذي كان يُدرَّس في الجامع الأزهر، وذلك في القرن الرابع العشر، إلّا أنّ الحقائق التاريخية تُؤكّد على أنّ اللِبنة الأساسيّة له كانت موجودةً منذ أيّام الرسول -عليه الصلاة والسلام-؛ حينما كان الصحابة -رضي الله عنهم- يستفهمون من رسول الله عن مدلولات بعض الآيات، ومعانيها عندما تشتبه عليهم؛ بمعنى أنّهم كانوا يلجؤون إلى تفسير آيات القرآن بالقرآن، وذلك جوهر علم التفسير الموضوعيّ، ومن الأمثلة على ذلك ما ورد عن عبدالله بن مسعود -رضي الله عنه-: (لَمَّا نَزَلَتْ {الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا} [الأنعام: 82] إيمَانَهُمْ بظُلْمٍ شَقَّ ذلكَ علَى المُسْلِمِينَ، فَقالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، أَيُّنَا لا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ قالَ: ليسَ ذلكَ إنَّما هو الشِّرْكُ أَلَمْ تَسْمَعُوا ما قالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وهو يَعِظُهُ {يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ باللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13]).


فالتفسير وِفق هذا المعنى ينفي التعارُض بين آيات القرآن؛ بتفسير بعضها ببعضٍ؛ فما ورد مُجمَلاً في موضعٍ، فُصِّل في موضعٍ آخر، وما ورد مُطلَقاً في موضعٍ، قُيِّد في موضعٍ آخر، ومن الأمثلة التي تدلّ على تكامُل آيات الله: قَوْله -تعالى-: (وَعَلَى الَّذينَ هادوا حَرَّمنا ما قَصَصنا عَلَيكَ مِن قَبلُ)، فالآية الكريمة السابقة تُحيل قارئها إلى آيةٍ أخرى تُفصّل ما حَرَّمه الله على بني إسرائيل؛ وهو قَوْله -تعالى- في سورة الأنعام: (وَعَلَى الَّذينَ هادوا حَرَّمنا كُلَّ ذي ظُفُرٍ وَمِنَ البَقَرِ وَالغَنَمِ حَرَّمنا عَلَيهِم شُحومَهُما إِلّا ما حَمَلَت ظُهورُهُما أَوِ الحَوايا أَو مَا اختَلَطَ بِعَظمٍ ذلِكَ جَزَيناهُم بِبَغيِهِم وَإِنّا لَصادِقونَ)، وقد جمع علماء الفقه آيات القرآن الكريم وِفْق مواضيعها؛ فجمعوا الآيات التي تتحدّث عن الصلاة وأركانها تحت بابٍ خاصٍّ بها سُمِّي (باب الصلاة)؛ ليستدلّوا بتلك الآيات على مُجمَل أحكام الصلاة، وكذلك الحال مع غيرها من الفرائض، والعبادات، مثل: الزكاة، والطهارة.


المرحلة الثانية

تطوّر التفسير الموضوعيّ لآيات سُور القرآن الكريم؛ ليبحثَ في مدلولات لفظٍ مُعيّنٍ من القرآن، وبيان معانيه المختلفة بحسب السياق الذي جاء فيه، ومِمّن ألَّفَ في هذا العلم: مُقاتل بن سليمان البلخيّ؛ إذ ألَّف كتاباً سنة مئةٍ وخمسين للهجرة، وأسماه (الأشباه والنظائر في القرآن)، وتَبِعه على ذلك النَّسق في التدوين يحيى بن سلّام المُتوفّى سنة مئتَين للهجرة؛ إذ ألَّف كتاباً أسماه (التصاريف)، ثمّ جاء كتاب (المفردات في القرآن) للراغب الأصفهانيّ، ثمّ كتاب (نُزهة الأعين النواضر في علم الوجوه والنظائر) لابن الجوزيّ.


المرحلة الثالثة

ظهرت مُؤلَّفات بحثت في سُور القرآن الكريم، وآياته من ناحية الرابط بينها دون الاقتصار على المعنى اللغويّ، ومن الأمثلة على تلك المُؤلَّفات: (الناسخ والمنسوخ) لأبي عُبَيد القاسم بن سلّام، و(أحكام القرآن) للجصاص، و(تأويل مُشكل القرآن) لابن قتيبة، و(أسباب النزول) لعليّ بن المديني، وقد استمرّ تدوين الكُتب بالتركيز على موضوعات وعناوين مُعيّنةٍ من كتاب الله إلى الوقت الحاضر؛ إذ توجّه كثيرٌ من العلماء للبحث حول موضوعٍ مُعيّنٍ تناولته آيات القرآن، ومن ذلك: الكُتب الموسومة بالأخلاق في القرآن، والمرأة في القرآن، والرحمة في القرآن.


المرحلة الرابعة

تطوّر التفسير الموضوعيّ وتزامَنَ مع التفسير العامّ لآيات كتاب الله، وقد استمرّ هذا العلم بالتطوُّر إلى حين ظهور مدرسة المنار في العصر الحديث، والتي بحثت في مدلولات سُور وآيات القرآن الكريم ومقاصدها، مع إسقاطها على واقع الأمّة، ومُستجدّاتها الراهنة، وقد أرجع الكثير نشأة التفسير الموضوعيّ بشكله الحديث إلى عالِمَين، هما: الإمام محمد عبده، وتلميذه رشيد رضا؛ فقد اتّبع محمد عبده مَنهج تفسير القرآن بالقرآن؛ باعتباره أفضل أسلوبٍ للتفسير، مُوافِقاً بذلك ابن تيمية في مَنهجه للتفسير، إلّا أنّ رشيد رضا ابتعد عن مَنهج شيخه محمد عبده قليلاً؛ إذ كانت دراسته للقرآن دراسةً شموليّةً تُركّز على موضوعات السُّور الرئيسيّة؛ إذ كان يضع لكلّ سورةٍ مُلخَّصاً لجملة المواضيع والقضايا التي تتحدّث عنها، كمسائل الوَحي، والنبوّة، والعقائد، كما صَنَّف سُور القرآن وآياته؛ تِبعاً للشواهد المُستفادة منها؛ فقد جمعَ الآيات التي تتحدّث عن السُّنَن الإلهيّة في الكون والحياة، وجعلَها إحدى عشرة سنةً، وكذلك الحال مع موضوع الإيمان ودرجاته؛ إذ جمع الآيات التي تتحدّث عن الموضوع، ثمّ صنَّفَها مُستخلِصاً اثنين وثلاثين شاهداً، بحيث يرتبط كلّ شاهدٍ منها بآيةٍ من كتاب الله.


وقد برز أمين الخولي كباحثٍ كان له الفضل في الدعوة الرسميّة لانتهاج التفسير الموضوعيّ للقرآن من ناحيةٍ أدبيّةٍ؛ إذ تمحوَرَت فكرة الخولي حول تفسير آيات القرآن بدراسة مواضيعها، ثمّ البحث عن كلّ ما يتعلّق بتلك المواضيع من الآيات؛ فالتفسير المُقتصر على آيةٍ مُعيّنةٍ لا يُحقّق الفَهم الصحيح والكامل لآيات كتاب الله، كما ذهب إلى ذلك رائد هذه المدرسة، وقد انتهج الخولي في تفسيره مَنهجاً استقصائيّاً؛ بجَمع الآيات التي تتحدّث عن الموضوع الواحد، ثمّ النَّظَر في زمن نزولها، ثمّ مناسبة نزولها للأحداث والوقائع المختلفة، ثمّ النَّظَر في الآية وِفق المُعطَيات التي سَبَق ذِكرها.


المصدر: mawdoo3.com
إغلاق الإعلان
إغلاق الإعلان