English  

كتب اتحاد مملكتي قشتالة وأرغون

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

اتحاد مملكتي قشتالة وأرغون (معلومة)


  • طالع أيضًا: حرب الخلافة القشتالية

في الوقت الذي كانت فيه الأندلُس الإسلاميَّة تشتعلُ بِنار الفتنة الداخليَّة كانت الممالك المسيحيَّة تسيرُ بِخُطاً ثابتةً نحو توحيد صُفُوفها. ففي سنة 879هـ المُوافقة لِسنة 1474م، تُوفي هنري الرابع ملك قشتالة من دون أن يخلف ولداً ذكراً، وعارض النُبلاء تنصيب ابنته الوحيدة حنَّة لما يُحيط بِنسبِها إليه من الشك حيثُ أُشيع بِنسبتها إلى صديقه وصفيِّه الدوق بلتران دي لاكويڤا (بالإسبانية: Beltrán de la Cueva)‏، وهُنا تقدَّمت أخت الملك الراحل إيزابيلَّا مُطالبةً بِعرش البلاد، وكانت تحظى بِعطف الشعب القشتالي، ويُناصر وراثتها لِلعرش فريقٌ كبيرٌ من النُبلاء، وكان أخوها الملك هنري قد اعترف بِحقِّها في العرش، وأيَّدها المجلس النيابي القشتالي في ذلك عقب وفاة أخيها، ومن ثَمَّ فقد كان حقِّها في وراثة العرش أمراً واضحاً. وكانت إيزابيلَّا قد تزوَّجت قبل وفاة أخيها بِبضعة أعوام بابن عمِّها فرديناند الأرغوني ولد الملك يُوحنَّا الثاني، وهو الذي تولَّى عرش المملكة بعد وفاة والده في سنة 884هـ المُوافقة لِسنة 1479م، وبِهذا الزواج توحَّدت مملكتا قشتالة وأرغون في ظلِّ عرشٍ واحدٍ بعد أن فرَّقت بينهما المُنافسات أحقاباً. وتمكَّن الزوجان من الانتصار على خُصُومهما وعلى رأسهم ألفونسو الخامس ملك الپُرتُغال الذي حرَّضهُ خُصُوم إيزابيلَّا على غزو قشتالة في سبيل تنصيب الأميرة حنَّة سالفة الذِكر على العرش على أن يقترن بها، فتصدَّى الملكان لِلجُيُوش الپُرتُغاليَّة وأجبروها على الارتداد، ثُمَّ استقرَّا معاً على العرش دون مُنازع. وبدأت مملكة قشتالة وأرغون المُتحدة في ظلِّ فرديناند وإيزابيلَّا أو في ظل «الملكين الكاثوليكيين» حسبما لُقِّبا بعد، عصراً من العظمة والقُوَّة والسُؤدد لم تشهده في تاريخها من قبل، بحيثُ اعتُبر فاتحة العصر الإسپاني الذهبي. وكان فرديناند الكاثوليكي من أعظم المُلُوك المسيحيين في عصره وأوفرهم عزماً وهمَّة، وكان يتمتَّع بِمقدرةٍ فائقةٍ سواءً في الإدارة أو في ميادين الحرب والسياسة. بيد أنَّ هذا الجانب الحسن من خِلاله كانت تغشاه صفاتٌ سيِّئة، فقد كان فرديناد ملكاً لا وازع له يجنح في سياسته إلى تحقيق أطماعه الكبيرة بأيّ الوسائل مهما كانت تُجانب المبادئ الأخلاقيَّة السائدة في ذلك الزمان، أو مُقتضيات الفُروسيَّة والشهامة والوفاء، فكان رجُل الفُرصة السانحة. وكانت زوجته الملكة إيزابيلَّا تتمتَّع أيضًا بكثيرٍ من الذكاء والعزم، واشتهرت بِرقَّتها وتواضُعها واحتشامها ممَّا قرَّبها إلى قُلُوب الشعب القشتالي. بيد أنَّها كانت تجيش بِنزعةٍ دينيَّةٍ عميقةٍ تذهب أحياناً مذهب التعصُّب المُضطرم، وكانت تقع تحت تأثير الكهنة والقساوسة المُتعصبين وتنزل عند تحريضهم وتوجيههم، وكان مشروع غزو مملكة غرناطة والقضاء على تلك الدولة الإسلاميَّة يحملُ هذه الملكة على مؤازرة محاكم التفتيش وإقرار كُل ما جُنح إلى ارتكابه باسم المسيحيَّة من جرائمَ وأعمالٍ مُؤلمة. ومن المعلوم أنَّ شهر الحرب على مملكة غرناطة كان من أهم الأغراض القوميَّة المُشتركة التي تعاهد الملكان على الاضطلاع بها، ومن ثَمَّ فإنَّهُ ماكادت تستقر شُؤون قشتالة الداخليَّة حتَّى أخذ الملكان الكاثوليكيَّان يستعدان لِمُحاربة المُسلمين بكُلِّ ما أوتيا من قُوَّةٍ وعزمٍ.

والحقيقة أنَّ النزعة الصليبيَّة كانت تضطرمُ في أوروپَّا بِشكلٍ مُضاعفٍ مُنذُ أن سقطت القُسطنطينيَّة في يد المُسلمين بِقيادة السُلطان العُثماني مُحمَّدٍ الفاتح، إذ انهار ذاك الصرح المنيع الذي كان يحمي أوروپَّا المسيحيَّة من جهة الشرق من غزوات الإسلام، وانساب تيَّار الفُتُوحات الإسلاميَّة تحت الراية العُثمانيَّة إلى جنوب شرقيّ أوروپَّا يكتسحُ في طريقه كُلَّ مُقاومةٍ، فرُوِّعت أوروپَّا المسيحيَّة لِهذا الخطر الجديد، وتردَّد صدى الروح الصليبيَّة في إيبيريا حيثُ كانت مملكة غرناطة ماتزال بالرُغم من صغرها وضعفها تُمثِّلُ صولة الإسلام القديمة في الأندلُس، وقد تغدو في الغرب نُواةً لِهذا الخطر الإسلامي الداهم، الذي بدت طلائعهُ في الشرق على يد العُثمانيين، ومن ثَمَّ فقد كان طبيعيّاً أن تجيش قشتالة بِفورةٍ صليبيَّةٍ جديدةٍ، وأن يُذكِّي هذا الخطر الجديد اهتمامها بِالقضاء على مملكة غرناطة. وبالرُغم ممَّا كانت تجوزه مملكة غرناطة يومئذٍ من فتنٍ داخليَّةٍ، وما كان يفتُّ في قواها من عوامل الانحلال السياسي والاجتماعي، فقد كانت تُعتبرُ دائماً في نظر النصارى عدُوّاً داخليّاً لهُ خطره. وكان أشدَُ ما يخشاه النصارى أن تغدو غرناطة قاعدةً لِفورةٍ جديدةٍ من الغزو الإسلامي تنسابُ من وراء البحار، كما حدث في القُرُون الأخيرة غير مرَّة. والحقيقة أنَّ حياة هذه المملكة الإسلاميَّة الصغيرة قد استطالت أكثرَ ممَّا كانت تُقدِّرهُ الممالك المسيحيَّة، لكنَّ نزاعاتها الداخليَّة حالت دون تضافر الجُهُود لِلقضاء عليها، فلمَّا جلس الملكان الكاثوليكيَّان على العرش، وحقَّقا الوحدة، واستقرَّت الأحوال واجتمعت الموارد، أخذت فُرصة القضاء الأخير على المملكة الإسلاميَّة الصغيرة تبدو لِخصيمتها القويَّة المسيحيَّة في الأُفق قويَّةً سانحة.

المصدر: wikipedia.org
تصفح بدون إعلانات
تصفح بدون إعلانات